The English Patient – المريض الإنجليزي

مايكل أونداتجي

المريض الإنجليزي

ترجمة أسامة إسبر

(طبعة جديدة محرّرة)

يصدُر عن دار روايات – مجموعة كلمات في معرض الشارقة الدولي للكتاب 2018

011


ملخًص

أربع حيوات تلتقي في منزل مهجور فوق تلّة إيطاليّة مقصوفة، أواخر الحرب: هانا، الممرّضة التي أنهك روحها الموت، ترعى بطريقة مُدهشة مريضها الأخير على قيد الحياة؛ كارافاجيو، اللصّ، يحاول أن يُعيد التفكير في هُويّته، الآن وقد باتت يداه اللتان نزل عليهما العقاب، دون فائدة له؛ الهنديّ كيب، الباحث دومًا عن الألغام المخفيّة في كلّ أرضٍ ورُكن، لا يأمَن أحدًا سوى نفسه – ينشغل كلّ واحدٍ منهم، بطريقة مختلفة، بلُغز الرّجل الذي يعرفونه فقط باسم المريض الإنجليزيّ: ضحيّة مُحترقة لا اسمَ لها، تستلقي في ضماداتها طوال الوقت في غرفة من المنزل.
إنها أحاديث هذا الرّجل المتّقدة عن ذكرياته في بحر الرّمال العظيم وصحاري مصر وليبيا، في كهف السبّاحين والجلف الكبير، عن البدو وواحاتهم وسحرهم، وحُبّه المحرّم، وغضْبَته الشّرسة – تلك الذّكريات تُشعل القصّة وتكشف عن غوامضَ تنتقل في موجات صادمة إلى أولئك الهاربين من الحرب والموت حوله في المنزل، فتتغيّر حيواتهم إلى الأبد.


جائزة مان بوكر 1992

جائزة مان بوكر الذهبيّة 2018


مقتطف:

أزاحوا قناع الأعشاب الطبيّة عن وجهه. إنه يوم الكسوف الذي انتظروه. أين كان؟ أيّ حضارة هذه التي تعرف كيف تتنبّأ بالطقس والضوء؟ بَني الأحمر، أو بَني الأبيض، إذ لابد أنها من قبائل الصحراء الشمالية الغربية. أولئك الذين استطاعوا أن يصطادوا رجلا من السماء، الذين غطوا وجهه بقناع محبوك من قصب الواحة. يحمل الآن مظْهرًا عشبيًّا. كانت حديقته المفضلة في العالم هي حديقة كيو النباتية ، حيث الألوان جميلة ومتنوعة كطبقات رماد بركانيّ في تلّة.

نظر إلى الطبيعة أثناء الكسوف، علّموه أن يرفع ذراعيه ويجذب من الكون قوّةً لجسمه، كما تجذب الصحراء الطائرات. حُمل في محفّة من اللبّاد والأغصان. رأى في السماء عُرُوقًا من أسراب الفلامينغو الورديّ تعبر بصره في نصف ظُلمة الشمس المحجوبة.

دائما ما كان هناك، على جسده، إمّا مرْهَم، أو ظُلمة. سمع ليلةً ما رياحًا تهبّ عالية في الجوّ، وبعد لحظة توقّفت. فنامَ في تَوق إليه، ذاك الضجيج الأشبه بصوت يخرج بطيئًا متمدّدًا من حُنجرة طائر، ربما فلامينغو، أو ثعلب صحراويّ وضعه أحد الرجال في جيب بُرْنُسه الموارب.

في اليوم التالي، سمع أصواتًا زجاجيّة خاطفة، فيما هو مُستلقٍ ومغطّى بالقماش. ضجيج من الظلمة. أزيل اللباد عند حلول الشفق، وشاهد رأسَ رجل فوق طاولة يتحرّك نحوه، ثم أدرك أن الرّجل يحمل حوْل عنقه وكتفيه خشبة نَيْرٍ عظيمة، تتدلى منها مئات القوارير الصغيرة ذات الأطوال المختلفة المعقودة إلى خيوط وأسلاك. تحرّك كأنه جزء من ستارة زجاجية، كأن جسده مُحاط بفَلَك من قوارير.

اشتبهت عليه قامَة الرّجل بقامات رؤساء الملائكة التي حاول نسّخها في المدرسة، دون أن يفهم أبدا كيف يمكن أن يتّسع جسدٌ لعضلات أجنحةٍ كتلك التي يحملونها. سار الرجل نحوه طويلًا وبطيئًا وفي هدوء حتى أنه بالكاد سمع أصوات القوارير. لقد كانَ مَوْجة من زُجاج، كان كبيرَ ملائكة، وسخّنت الشمس مراهم القوارير حتى أنّه حين يُدَلّك الجلد بها تبدو كأنّها سُخّنَت قصْدًا لمعالجة جُرحٍ معيّن. يتبعه ضوء متنقل فيما هو يتحرّك، ألوان زرقاء وأخرى ترتعش في الضباب وعلى الرّمال. صوت القوارير الخافت، وألوانها المتنوعة، والمشية الملكيّة، ووجهه الأشبه ببُندقية سوداء مائلة. بدت القوارير خشنة ومسفوعة بالرمل عن قُرب، كأنها فقدَت صلتها بالحضارة. لكلّ قارورة سُدادة صغيرة ينزعها الرّجل بأسنانه، ويبقيها بين شفتيه، فيما يمزج محتويات قارورة بأخرى، فتُصبح السُّدادة اثنتين بين أسنانه. وقفَ بجناحَيه فوق ذلك الجسد المحترق الممدّد على ظهره، نصب عصوَين عميقًا في الرّمل، ثم حرّر نفسه من خشبة النّير التي قد يبلغ طولها ستة أقدام، وأقامها فوق الدعامتين. خرج َمن أسفل حانوته. ركع على ركبتيه واقترب من الطيّار المحترق، ووضع كفّيه الباردتين على عنقه، وأبقاهما هناك.

معروفٌ للجميع على طول طريق الجِمال من شمال السودان إلى الجيزة، طريق الأربعين يومًا. يقابل القوافل، ويتاجر بالتوابل والسوائل، ويتنقّل بين الواحات ومرابض المياه. يشقّ العواصف الرملية مرتديًا معطف القوارير ذاك، سادًّا أذنيه بسدادتين صغيرتين حتى يبدو هو نفسه قارورةً كبيرة. هذا الطبيب التاجر، ملك الزيوت والعطور والأدوية، هذا المعمدان. كان يدخل الخيام وينصب ستارة من القوارير أمام أيّ مريض.

جثا قرب الرّجل المحروق، ضمّ كعبَي قدميه إلى بعضهما صانعًا من أخمَصَيْه وعاءً جلديًّا، وتمدّد إلى الخلف ليفتح، دون أن ينظر، قوارير بعينها. فاحت العطور مع فتح كل قارورة. روائح البحار. روائح الصّدأ. نبات النّيل. حِبر. طين الأنهار وخشب الجحْليق وغاز الفورمالدهايد وشمع برافين والأثير. ومدّ الهواء الفوضوي. رغاء الجِمَال تصاعد حين شمّت الروائح. راح يدهن الأضلاع بمعجونٍ أخضر مسودّ. كان عظمَ طاووس مطحونًا، اشتراه من مدينة تقع غربًا أو شرقًا. إنه أقوى شافٍ للجلد.

***

ثمّة نوعٌ من العواصف جنوبَ المغرب العربيّ تُدعى العجاج (aajej)، يُدافع الفلاحون عن أنفسهم منها بالسكاكين. هناك أيضًا رياح آفريكو (africo) التي تصل أحيانًا الى روما. الألم (alm) رياحٌ خريفيّة تهبّ من يوغسلافيا. من هناك أيضًا تعصف الأريفي (arifi)، التي تُسمّى أيضًا آرف (aref) أو ريفي (rifi) فتضرب بألسنةٍ عديدة. هذه رياحٌ مستمرّة، تعيش دومًا في الزمن الحاضر.

هناك رياح أخرى، أقل استمرارية، تغيّر وجهتها، وتستطيع أن تقلب الفرَس وراكبها، وتُعيد تجميع نفسها بعكس اتجاه عقرب الساعة. تهبّ رياح بست روز (bist roz) في أفغانستان مئةً وسبعين يومًا دافنةً قُرىً بأكملها. رياح غيبلي (ghibli) الحارّة الجافّة تهب من تونس، تدور وتتدحرج وتضع ما حولها في وضع عصيب. رياح الهبوب (haboob)، عاصفة غبارية سودانية ترتدي جدران صفراء متوهجة، ارتفاعها ألف متر، ويعقبها مطرٌ. ورياح هارماتان (harmattan) تهبّ مُغرقةً نفسها في النهاية في المحيط الأطلسي. ثمّ رياح إمبات (imbat)، نسيم بحري في شمال أفريقيا. هناك رياح تهب نحو السماء فقط، وثمّة عواصف غبارية ليليّة تجيء مع البرد. الخماسين (khamsin)، رياح غبارية في مصر تستمر بين شهْرَي مارِس ومايو، سُمّيَتْ على الاسم العربي للرقم “خمسين”، فهي تستمرّ خمسين يوما، وتُدعى الطاعون السادس في مصر. وهناك داتو (datoo)، التي تهبّ من جبل طارق حاملةً معها الشّذى.

هناك أيضًا رياح الـ ――، رياح سريّة في الصّحراء، محا اسمها ملكٌ ما بعد موت ابنه فيها. ورياح النّفحات (nafhat)، التي تهبّ من شبه الجزيرة العربية. ومزارُ أفْلَس (mezzari ifoullousen)، وهي ريح جنوبية غربيّة عنيفة باردة يسمّيها البربر: الرّياح نتّافة الطيور. وأيضًا البشبار (beshabar)، وهي ريح شمالية غربية سوداء وجافّه تهب من القوقاز، الرّياح السّوداء. أيضًا السّامييل (samiel) التركيّة، الرّياح السّامّة، تُستغلّ في الحروب أحيانًا. بالإضافة إلى رياح سامّة أخرى، هي السّموم (simoom)، التي تهب من شمال أفريقيا، والسولانو (solano) التي يقتلع غبارها نباتات نادرة، ويسبّب الدوار.

وأُخَر، رياح خاصّة.

تتنقّل على الأرض كطوفان، ماحيةً الأصباغ، مسقطة أعمدة الهاتف، ناقلة الأحجار ورؤوس التماثيل. تهبّ الهارماتان عبر الصحراء الكبرى مليئة بالغبار الأحمر، غبار كالنار، كالطحين، يدخل ويتجمع في مغاليق البنادق. سَمّى البحارة تلك الريح الحمراء بحرَ الظّلمات. يخرج رملٌ أحمر من الصحراء ويكسو المسافة التي تفصل قرنواليّة عن ديفون ، مُنتجةً سَيْلًا طينيًّا كان يُعتقَد خطأ أنه من دماء. (أُعلن كثيرًا عن تساقط أمطار من دماء في البرتغال وأسبانيا في 1901).

ثمّة دومًا ملايين الأطنان من الغبار في الجوّ، كما أن هناك ملايين المكعبات الهوائيّة محصورة تحت الأرض، وتحتها أيضًا لُحُوم حيّة (ديدان، وخنافس، وكائنات تحت أرضية) أكثر من تلك التي ترعى فوقها وتعيش عليها. تحدّث هيرودوتس عن نهاية جيوش مختلفةٍ دفنتها رياح السموم ولم تُلْمَح بعدها أبدًا. أغضَبتْ تلك الرياح الشريرة مرّةً إحدى الأمم، فأعلنت الحرب عليها وتقدّمت بعتاد معركة كامل، لكي تُدفَن بشكل سريع وكامل فقط.

للعواصف الغبارية ثلاثة أشكال: الدوامة، والعمود، والغطاء. في الأولى يضيع الأفق. وفي الثانية يحيط بكَ جنّ راقص. وفي الثالثة، الغطاء، ترى أنّك مسقوف بصفيحة نحاسيّة. كأنّ الطبيعة تحترق.