The Blind Assassin – السفّاح الأعمى

مارغريت آتوود

السفّاح الأعمى

ترجمة إيمان أسعد

يصدُر عن دار روايات – مجموعة كلمات في معرض الشارقة الدولي للكتاب 2018

007


ملخًص

تنسج مارغريت آتوود في (السفّاح الأعمى) خيوطًا من السّرد القوطي الغامض بالرومانسيّة، بالدستوبيا، في رواية فاتنة عنيفة. تبدأ القصّة بموتٍ غامض -شُبهة انتحار- تعرّضت له شابّة تدعى لورا تشايس عام 1945. بعد ذلك بسنوات، تستعيد أختها آيريس ذكريات طفولتهما معًا، والوفيّات الدراميّة التي تمفصل حولها تاريخ عائلتهما الغنيّة غريبة الأطوار. تتداخل معها فصول من رواية لورا الفضائحية التي جعلتها كاتبة معروفة -وقد نُشرَت بعد موتها- عن عشيقين هاربَين، يروي أحدهما للآخر فصولًا أخرى من حكاية سفّاح أعمى تجري في كوكب آخر وبُعدٍ زمانيّ مختلف. هذه الحكايات المتداخلة والمتوالدة في آن تكشف تدريجيًّا الأسرار التي جهدت عائلة تشايس على إخفاءها. وكل ذلك ينتهي بمنعطف في القصّة صادم، ما يجعل أثرها في النّفس باقٍ لا يزول.


الحائزة على جائزة مان بوكر عام 2000

من بين أفضل 100 رواية في القرن العشرين حسب تصنيف مجلّة Time

“ساحرة.. رواية قاتلة. كتبتها آتوود بجُمَل هشّة لكن بواقعية فولاذيّة أيضًا”

The Christian Science Monitor

“آتوود شاعرة، وناسجة خيال بالقدر نفسه”

The New Yorker


مقتطف:

تملك صورةً واحدة له. دسّتها في مغلّفٍ بني كتبت على ظهره قصاصات، وخبأت المغلّف طيّ صفحات كتاب نباتات معمرة لأجل الحديقة الصخرية، حيث لن يراه أبداً أي شخصٍ سواها.

احتفظت بتلك الصورة وأولتها منتهى العناية، لأن الصورة تقريباً هي الأثر الوحيد المتبقي لها منه. الصورة بالأبيض والأسود، التُقطت بإحدى الكاميرات الومضيّة المعلّبة الثقيلة التي تعود إلى أيّام ما قبل الحرب، بفوّهتها ذات الطيّات كما منفاخ الأكورديون، بصندوقها الجلدي متقن الصنع الذي يشبه الخطم والمثبت بإحكام بالأشرطة والأبازيم. الصّورة تعود لهما معاً، هي وهذا الرجل، في نزهة. هذا ما كتبَته على ظهر الصورة، نُزهة، بالقلم الرّصاص – لا اسمه ولا اسمها، فقط نزهة. فهي تعرف الاسمين، لا حاجة لها لتدوينهما.

جالسان تحت شجرة؛ قد تكون شجرة تفاح؛ فهي لم تعر الشجرة انتباهها آنذاك. هي ترتدي سترة بيضاء، الكُمّان مشمران حتى مرفقيها، مع تنورةٍ واسعة دستها تحت ركبتيها. لا بد وأن الريح كانت نشطة، فقميصها يهب اتجاهها، أو ربما لم يكن يهب اتجاهها، بل يلتصق بها، فربما الجو كان حاراً يومها. بلى كان حاراً. ما إن تضع يدها على الصورة حتى تجد نفسها لا تزال تشعر بتلك الحرارة تنبعث منها، كما الحرارة المنبعثة من صخرةٍ لمستها في منتصف الليل بعد أن أدفأتها شمس النهار.

الرجل يرتدي قبعةً فاتحة اللون، حافتها الأمامية مائلة للأسفل وتواري وجهه إلى حدﱟ ما. وجهه يبدو مسفوعاً وأكثر اسمراراً من وجهها. كانت قد التفتت نحوه نصف التفاتة، مبتسمة، ابتسامةً لا تذكر أنّها ابتسَمَتْها لأحدٍ آخر من بعد. تبدو يافعة في تلك الصورة، بل فتيةً جداً، رغم أنها لم تعتبر نفسها فتيةً جداً آنذاك. هو الآخر يبتسم – أسنانه تبرق بياضاً مثل وهج عود ثقاب لدى اشتعاله – بيد أنّ يده مرفوعة، وكأنما يصدها عنه لهواً، أو كي يحمي نفسه من الكاميرا، من الشخص الموجود حتماً هناك، يلتقط له الصورة؛ أو كي يحمي نفسه من أولئك الأشخاص في المستقبل، مَن قد يمعنون النظر فيه، يمعنون النظر فيه عبر تلك النافذة المربعة الساطعة من الورق المصقول. كأنما يحمي نفسه منها. كأنما يحميها. في يده الممتدة الحامية، عقب سيجارة.

تسترجع المغلف البني متى ما تكون وحدها، وتسحب الصورة خلسةً من بين قصاصات الصحف. تسجيها على سطح الطاولة وتحدق أسفلاً فيها، وكأنما تمعن النظر في بركةٍ أو بئر – تبحث خلف انعكاس صورتها عن شيءٍ آخر، شيءٍ لا بد وأنها قد أوقعته أو فقدته، بعيدًا عن متناول يديها لكن ما زال مرئيًّا، يترأرأ مثل جوهرةٍ على الرمال. تتفحص كل تفصيل: أصابعه المبيضة إما بتأثير وميض الكاميرا أو وهج الشمس؛ طيات ملابسهما؛ أوراق الشجرة، والأشكال الدائرية الصغيرة المعلقة عليها – هل كانت فعلاً شجرة تفاح؟ العشب الخشن أمامهما. العشب كان أصفرَ لأن الطقس جاف.

على أحد جانبي الصورة – لن تسترعي نظرك في الوهلة الأولى – هناك يد، يدٌ مقطوعة عند الهامش، مقصوصة عند المعصم، متكئة على العشب وكأنها مهملة. متروكة وحيدةً لمصيرها.

أثر الغيوم التي تدفع بها الريح في السماء المشرقة، تبدو كما بقع الآيس كريم على الكروم. أصابعه المبقعة بالدخان. الومضة النائية للماء. كلها غرقت الآن.

غرقت، بيد أنها ما تزال تلمع.

***

“وكيف تودين قضاء وقتنا إذن؟” يسألها، “طقم سهرة ورومانسية، أم حطام سفينة على ساحلٍ مقفر؟ لك أن تختاري: في الأدغال، الجزر الاستوائية، الجبال. أو حتى في بعدٍ آخر في الفضاء، فهذا ملعبي”.

“بعدٌ آخر في الفضاء؟ واو حقاً!”

“لا تهزئي بي، فهو عنواني المفضل. أي شيءٍ تتخيلينه له أن يقع هناك. سفنٌ فضائية وبدلاتٌ لصيقة، مسدسات إشعاعية، رجال المريخ بأجسادٍ تماثل الحبار الضخم، أشياء من ذاك القبيل”.

“أنت اختَر،” قالت له، “فأنت المحترف. وماذا عن الصحراء؟ لطالما وددت زيارة إحدى الصحاري. على أن تضم واحةً بالطبع. وسيكون جميلاً لو أنّ هناك بضعة أشجار نخيل”. تنزع القشرة عن أطراف شطيرتها. هي لا تحب القشرة.

“الإمكانيات محدودة مع الصحاري، فهي تفتقر للمعالم، إلا إذا أضفنا بضع معابد. حينها ستحظين بمجموعة نساءٍ عاريات ممن بقين أمواتاً منذ ثلاثة آلاف عام، أجسادهن مرنة وانحناءاتهن مثيرة شهوانية، شفاههن حمراء ياقوتية، شعورهن لازوردية في زبدٍ من العُقَص المُتمَعّجة، أعينهن حفرٌ ملأى بالأفاعي. لكن لا، لا أظنني قادراً على خداعك بقصةٍ كهذه. فتفاصيل مريعة ومثيرة كهذه لا تلائم ذوقك”.

“وما أدراك. لعلها تروق لي”.

“أشك. تلك التفاصيل هي لحشود العوام. بيد أنّ شعبيتها عالية على الأغلفة – أجسادهن تتلوى على سائر جسد الرجل، لا سبيل لتفريقهن إلا بضربهن بأعقاب البنادق”.

“هل لي أن أحظى إذن ببعدٍ آخر في الفضاء، ومعه المعابد والنسوة الأموات، رجاءً؟”

“تلك قائمة طلباتٍ طويلة، لكني سأرى ما بيدي فعله. بوسعي كذلك أن أرمي بمجموعة قرابين من العذارى، يرتدين دروعاً صدرية معدنية، مقيدات عند الكاحل بسلاسل فضية، في أرديةٍ كهنوتية شفافة. وسأزيد عليهن قطيعاً من الذئاب المفترسة”.

“أرى أن خيالك لا حدود له”.

“تودين إذن طقم السهرة؟ الرحلات البحرية، البياضات الكتانية، القبل على المعصم وغيره من الوحل الزائف؟”

“لا. حسنٌ. قم بما تراه الأفضل”.

“سيجارة؟”

تهز رأسها رافضةً. يشعل هو سيجارته، يحك عود الثقاب بظفر إبهامه.

“يوماً ما ستشعل النار في جسدك”.

“لم أفعلها بعد”.

تنظر نحو كمي قميصه المرفوعين، باللون الأبيض أو الأزرق الفاتح، ثم نحو معصمه، حيث الجلد أشد اسمراراً. وجهه يشع ضياءً، لا بد وأنه انعكاس الشمس. لم لا يحدق بهم الجميع؟ فهو لا يزال معروفاً جداً كي يكون هنا – هنا في العراء. هناك أناسٌ آخرون حولهم، جالسون على العشب أو مستلقين عليه، متكئين على مرفقٍ واحد – متنزهون آخرون، في ملابسهم الصيفية الفاتحة. كل شيءٍ من حولها يبدو طبيعياً. ومع ذلك تشعر بأنهما وحدهما في المكان؛ كأن شجرة التفاح التي يجلسان تحتها ليست بشجرة بل خيمة؛ كأنَّ خطاً فاصلاً رُسِم حولهما بالطبشور. داخل تلك الدائرة، هما في الخفاء.

“الفضاء إذن،” يقول لها، “مع المعابد والعذارى والذئاب – لكن على التقسيط. اتفقنا؟”

“التقسيط؟”

“تدرين، مثل الأثاث”.

تضحك.

“لا، أنا جاد. فلا يمكنك استعجالي، قد يتطلب الأمر أياماً. وسيتوجب علينا الالتقاء من جديد”.

تتردد. “حسنٌ،” تقول له، “إن كان بوسعي. إن تمكنت من ترتيب الأمر”.

“حسنٌ،” يجيبها، “الآن عليّ أن أفكر”. يظل على نبرة صوته غير المبالية. فقد ينفرها منه إن ألحّ عليها.