The Noise of Time – ضجيج العصر

جوليان بارنز

ضجيج العصر

(سيرة روائيّة للموسيقيّ الرّوسي شوستاكوفيتش)

ترجمة عهود المخيني

يصدُر عن دار روايات – مجموعة كلمات في معرض الشارقة الدولي للكتاب 2018

004


ملخّص

العام 1937، ورجلٌ في أوائل ثلاثينيّاته يقف منتظرًا المصعد جوار باب شقّته. ينتظر طوال الليل، معتقدًا أنه سوف يُقبض عليه في أي لحظة ويؤخذ إلى “البيت الكبير”، البيت الذي لم يخرج منه أحد دخلَ إليه.
هذا هو أول “حوار” من أصل ثلاثة جرت بين ديمتري والسُّلطة، فقد استمع ستالين إلى إحدى مقطوعاته فلم يعجبه أداؤها، وحكم عليها بالبؤس عبر الجريدة الرسمية. وهكذا تغيّرت حياته إلى الأبد.
تحفة أدبية تتناول صراع الموسيقار الروسي الشهير ديمتري شوستاكوفيتش والسّلطة الحزبيّة في محاولاتها لتجيير الإبداع وإعادة تشكيله بما يوافق السياسيّ وذوقه. “ضجيج العصر” تتأمل عميقًا في العلاقة بين الفنون والسّلطة وكيف يمكنهما العيش سويًّا… هل يمكنهما؟


“تُحفة بارنز الأدبية بعد فوزه بالبوكر”

OBSERVER

“تأمل عميق في مفهوم السُّلطة وعلاقتها بالفنون”

Scotsman

“صاعقة…”

Sunday Times


مقتطف:

كانوا يأتون إليك دومًا في منتصف الليل، ولذا فإنّ دِميتري كي يتجنّب أن يُجَرّ من الشقّة مرتديًا البيجامة، أو يُجبَر على ارتدائها أمام رجل يخلو من الرّأفة ويمتلئ بالازدراء من رجال NKVD ، فإنّ دِيمتري يذهب إلى سريره مرتديًا لباس الخروج كاملًا، ويستلقي فوق الأغطية لا تحتها، وإلى جواره على الأرض حقيبة صغيرة معدّة تمامًا بما قد يحتاجه. بالكاد نام، متخيّلًا أسوأ ما يمكن للإنسان تخيّله. لم تستطع نيتا أن تنام من تململه وقلقه. كانا يستلقيان هناك متظاهرين النّوم، وأنّ واحدهما لا يُمكنه سماع واستنشاق ذُعر الكائن الآخر. أحد الكوابيس التي ترافقه على الدوام، كان أن يُمسك أحد رجال NKVD ابنته غاليا ويصرفها – إن كانت محظوظة – إلى ميتم خاص في المنطقة لأطفال العدوّ، حيث ستُعطى اسمًا جديدًا بشخصيّة جديدة، وتُستبدل جنسيّتها، فتُصبح بذلك مواطنةً سوفييتيّةً مثاليّة، وردة عبّاد شمسٍ صغيرة تدير وجهها نحو الشّمس العظيمة التِي تُسمِّي نفسها ستالين. بسبب هذا قرر أن يختصر الأمر على الرّجال، ويقضي تلك الساعات التي يجافيه فيها النوم منتظرًا في الرّواق بين الشقق أمام المصعد، في المتناول. أصرّت نيتا أن يُمضيا هذه الليلة التي قد تكون آخر ليلة تجمعهما معًا، جنبًا إلى جنب على السرير. لكنه كان جدالًا ربِحَهُ هو، ونادرًا ما فعل.

في أوّل ليلة ينام فيها عند المصعد، قرّر ألّا يُدخِّن. كانت هناك ثلاث حزمٍ من الكازباك في حقيبته، وقد يكون في أمسّ الحاجة إليها حين يُستجوب. وإن سُجن بعد الاستجواب، فستُعينه في أوّل ليلتين. ثم باغتته الفكرة: ماذا لو ضُبِطت السجائر عنده قبل الوصول إلى البيت الكبير؟ أو ماذا لو لم يكن ثمّة استجواب ولا حتى أقلّ من ذلك؟ سيضعون أمامه ورقة ويطلبون منه أن يُوقِّع فقط. ماذا لو لم يفكِّر عقله بكل ذاك. في كلّ الأحوال، قد يُتلفون سجائره حينئذ وحسب.

ولذا فإنّه لم يستطع التفكير في سبب يمنعه عن التدخين.

ولذا فإنّه دخَّنَ.

نظر إلى ورقة سجائر الكازباك بين أصابعه. قال له مالكو يومًا بلهجة تعاطفٍ وإعجاب فعليّ، إن كفّيه صغيرتان وتفتقدان المِراس في عزف البيانو. أخبره مالكو أيضًا، بإعجاب أقلّ من السابق، أنه لم يتدرّب بما فيه الكفاية. تساءل ما هي “الكفاية” في مفهوم مالكو؟ لقد مارس العزف بالقدر الذي احتاجه، وعلى مالكو أن يحفل بمِخْصرته ودفاتر النّوتات فحسب.

تعالجَ من السّلّ في مصحةٍ بكرايْميَا عندما كان في السادسة عشرة من عمره. هو وتانيا يتشاركان العمر نفسه، ووُلدا أيضًا في تاريخ واحدٍ مع فارق بسيطٍ، وُلِد هو في الخامس والعشرين من أيلول في التقويم الغريغوري وهِي وُلدت في الخامس والعشرين من أيلول في التقويم اليولياني . ولعل هذه التواقتيّة الواقعيَّة أبرمت علاقتهما، بتعبيرٍ آخر، قد خُلِقَا لبعضهما. كانت تاتيَانا غلِڤِنكو، بشَعرها القصير، توّاقة إلى الحياة توقَ زوجها لها. كان الحبّ الأوّل، في بساطتهِ الجليّة وتجليّات مصيره. وأخته ماروْسيا، التي كانت تمشي وراءهَ خلسةً وتلاحقه، هيَ من أفشَت سرّهُ إلى والدتهما. حذّرته والدته، صوفيا ﭬاسيلِفنا، بعد علمها بالأمر من تلك الفتاة المجهولة، مُعترضةً على هذه العلاقة قطْعًا وعلى أيّ علاقةٍ أخرى. وكانت ردة فعلِ دِميتري، ابن الستة عشرة سنة، مُتفاخرةً على أمّه إذ شرحَ لها مبادئ الحُبِّ الحر. كيف يجب على كلّ فردٍ أن يُحِبَّ كيفما شاء، وكيف أن الحبَّ الجسدي لا يبقى إلا قليلًا، وكيف أنَ الجنسين متساويان كليًّا، وكيف على الزّواج ألّا يكون مؤسّسيًّا، لكنّه إن استمرَّ فعليًّا، فإن للمرأة الحق الأكمل في أن تعاشر زوجها إن كانت حقًّا راغبة، وإن طلبت الطلاق فيما بعد، فعلى الرجل أن يقبل بذلك ويتحمل اللوم، وفي وسط ذاك كلّه، وبغض النظر عن أي شيء آخر، يجب اعتبار الأطفال كائنات مقدَّسة.

لم ترد والدته على تفسيره المُتعالي للحياة، والذي تظاهر فيه بالورع والحكمة. وعلى أي حال، فإنّه وتانيا ستُباعدهما المسافات وهما لمّا يلتقيا كثيرًا بعد. عادت هِيَ إلى موسكو، بينما عاد هو وأخته إلى بتروغراد. لكنه كان يكتب إليها باستمرار، وتبادلا الزيارات، وقد أهداها الثلاثية الموسيقية التي عزفها بالبيانو. لم تزل والدته غير راضية عن علاقتهما. فيما بعد، بعد ثلاث سنواتٍ، تمكّنا أخيرًا من قضاء بعض الأسابيع معًا في بلاد القوقاز، مدينة أنابا. كانا في ربيعهما التاسع عشر، لا يرافقهما أحد. وكان للتوّ قد تحصَّل على ثلاثمئة روبل أجْرًا على عزفه في حفلاتٍ موسيقيّة في خاركوڤ. تلك الأسابيع التي قضياها سويًّا في أنابا، كم بدت لهما الآن بعيدةً جدًّا… منذ متى وهما – لقد سلخَ ثلثَ حياته منذئذ.

ولذا فإنّ الأمر برمّته قد بدأ، بدقّة، في صباح الثامن والعشرين من كانون الثاني عام 1936، في أرخانجِلسك، حيث دُعِي دِيمتري ليؤدي كونشيرتو بيانو مع الأوركسترا المحليّة تحت إشراف ڤيكتُور كُوْبَاتسكِي. لقد عزفَا معًا سوناتة الكمنجة الجديدة خاصّته، وسار كل شيء على نحو جيدٍ. في الصباح التالي اتّجه إلى محطّة سكّة الحديد، وابتاع نسخةً من صحيفة البراﭬـادا . نظر إلى الصفحة الأولى باقتضاب، ثم إلى الصّفحتين اللتين تبعتاها. هذا اليوم، كما سيقول لاحقًا، هو اليوم الذي لن ينساه طيلة حياته، وسيُدوّن تاريخه ليتذكّره كلّ عامٍ حتى مماته.

ما عدَا ذلك – رغم عناد عقله المستمرّ ومجادلته – لا أمر ابتدأ في حياته بمثل تلك الدقّة. لقد ابتدأ في أماكن أخرى، وفي عقول الآخرين. ربما كانت نقطة البداية الحقيقية لكلّ ما حدث هي شُهرته. أو الأوبرا التي قدّمها. أو ستالين، المُنَزَّه عن الخطأ، والمسؤول أيضًا عن كل شيء سيحدث فيما بعد. أو حركة بسيطة جدًّا، كتنظيم عزف أجزاء الأوركسترا مثلًا. حتمًا، هذه الزاوية هي الأكثر إقناعًا بالنظر إلى الأمر كله. موسيقارٌ أُهِينَ ونُدِّد به في بادئ الأمر، ثم أُلْقي القبض عليه وأُرديَ قتيلًا برصاصة، كل ذلك بسبب تنظيم عزف الأوركسترا في المسرح.