The Book of Aron – سِفر هارون

جيم شيبارد

سِفر هارون

ترجمة أمينة الحسن

يصدُر عن دار روايات – مجموعة كلمات في معرض الشارقة الدولي للكتاب 2018

008


ملخًص

ينجح هارون في النموّ من مُهرّبٍ مبتدئ إلى أحد محترفي التهريب بين عصابات الحيّ، فيتمكّن من مساعدة أهله على البقاء أحياء وسط الاحتلال الألماني. لكن بعد أن تنزع الأحداث منه كل فرد من عائلته وأصدقاءه بطريقة ما، لا يبقى أمامه سو الالتحاق بالطبيب كورتشاك الذي يُدير ملجأ للأيتام؛ حينها فقط يشعر هارون أن إنسانيّته راحت تتعافى رغم الموت المحدق بالجميع. وكي يستعيد طفولته المسلوبة، يبدأ بمواجهة العالم وصدّه مُحتميًا بأبواب الملجأ.

الطبيب كورتشاك (Janusz Korczak) (1878-1942) والمعلّمة ستيفا (Stefania Wilczyńska) (1886-1942) شخصيّتان حقيقيّتان من التراث اليهودي رفضتا الرّحيل إلى فلسطين للنجاة بأنفسهما، حيث بقيا معًا في وطنهما يواجهان الاحتلال الألماني سلميًّا. أدارا ملجأ للأيتام كان يُعتبر دولةً بأكملها للأطفال: تُصدر الصُّحُف، ولها برلمانها الخاصّ، وتقيم فعاليّاتها العموميّة.


القائمة القصيرة لجائزة National Book Award

الحائز على جوائز “كتاب العام” في Washington Post و Huffington Post و Buzzfeed.

“تحفة روائية. قصة بهذه البراءة عن تعقيدات اتخاذ القرارات الشجاعة التي تتطلب منّا أعمق التضحيات”

The Washington Post

“تقبض على القارئ بقوة، وتهزّه بجمالها. شيبارد الذي عُرف لسنوات بكتاباته الأنيقة، يأتينا الآن بتحفته الأروع”

NPR

“ممتعة. شيبارد يرسم جحيمًا من اعترافات الحب والتضحية”

The Guardian


مقتطف:

لطالما حاولت أمي تعليمي الأبجديّة دون نجاح يُذكَر. استخدمَت جدولًا مثبّتًا إلى لوح، رُسمت عليه بعض الحروف تقابلها بعض الصور: هيئة طائر، أو شكل رجل مصغّر، أو حقيبة… ترفع الجدول لتشير إلى صورة ما، ثم تحدّد الحرف المرتبط بها. كنا نقضي اليوم بأكمله في محاولة رسم الخط المستقيم والخطوط المقوّسة التي تشكّل حرف الألف. غير أني كنت كمن وُلد في البريّة وترعرع فيها؛ لم أتمكن من معرفة أسماء الأشياء. حادثني المعلّمون بهذا الشأن، غير أنّي أبقى أحدّق في وجوههم دون إجابة. ألف، بيت، جيمال، داليت، هيه، فاف، زاين .

إن تقرير نتائج الخيدر الأخير، قبل انتقالنا من البيت، يقول إن مستواي في مادّة الإدارة غير مقبول، وفي مادة الدين غير مقبول، وفي مادة الحساب غير مقبول. بل حتى في أعمال النجارة والأشغال اليدوية، غير مقبول. لقد قال أبي عن شهادتي إنها أكثر ما رآه تعاسة من بين ما رأى من تقارير في حياته… ثم دعانا جميعاً بسخرية لنتخيل كيف تمكّنتُ من تحقيق درجات على ذاك القدر من البؤس! أمّا والدتي فبقيت مؤمنة أنّي في تحسّن مستمرـ على الأقل في بعض الجوانب الدراسيّة، لكن والدي ردّ عليها بأن الله لو وهبني حياة ثانية، أو حتى ثالثة، فإنني سأبقى على القدر ذاته من الحماقة! يعتقد والدي أن الإنسان ذا الشخصية القوية قادر على تصحيح مساره والبدء من جديد، أمّا الجبان فليس بمستطاعه ذلك. لقد تساءلت دومًا: هل هناك آخرون مثلي، يجدون صعوبةً في التعلّم المدرسيّ؟ عشتُ في قلق لا ينقطع بشأن مصيري، إذ ماذا سأغدو وأنا لا أبرع شيئًا! ما أتعس أن تضطرّ إلى أن تصبحَ الشّخص الذي كنتُه أنا.

قضيت هذه الأيام الماطرة أصنع حواجزَ في الشارع لتحويل مجرى المياه الراكضة. وعلى برك الماء الضحلة، دفعتُ بالعصيّ بعضَ الألواح للسائرين. جذبتني أمي من وسط العاصفة، قائلةً إنها، عندما وجدتني، كنت أجلس مداعبًا خيالاتي المليئة بأطباق السّمك والفطائر. وبعد أن أضجعتني في فراشي إلى جانب المدفأة، قالت إنّي لا أقاوم أيّ مرض يأتيني! من جُدَريّ الماء وحتى الحصبة، ومن الحمّى القرمزيّة إلى السعال الديكي، ولهذا السبب قضيتُ تسعة وتسعين بالمائة من حياتي ميتًا.

حين أتى المساء، استلقيت على فراشي في انتظار النعاس، مثل جرو جيراننا حال انتظاره عربات القطار التي تعبر إزاءنا دون أن تقف. وحينما تناهى إلى والدتي ما يشي بأنني مستيقظ، أتت تنام إلى جواري، رغم إعيائها وتعبها البالغين أشدّهما، لتساعدني على النوم. قالت لي إنّي إذا ما أطبقتُ جفنيّ بشدّة، فستتراءى لي داخلهما أضواء وكواكب تطفو. غير أنّي لن أتمكن من عدّها قبل أن تتلاشى. قالت إن جدّها أخبرها أن الله يحرّك تلك الكواكب والأنوار بأصبعه الصغيرة. قلت لها إنّي آسف على كل ما بدر مني، لكنها أخبرتني أنّها ليست قلقة بشأن المدرسة، وأن ما يهمّها فقط هو علاقتي بأفراد عائلتي وجيراننا. قالت لي إنّ لساني، في أحيان كثيرة، ينطلق دون الرجوع لعقلي؛ أو أن عقلي يعمل لكن دون استشارة قلبي.

إلى ذلك، حين وُلد أخي الأصغر، أخبرتُ والدتي أنّي أريده أن يُرمى في قنّ الدجاج. كنت كالح الوجه طوال العام حين كنت في الرابعة من عمري، وذلك بسبب جرعة لقاح ملوّثة حُقنَت بها ذراعي. أخبرتني والدتي أنّي كنت ألعب وحيدًا على الرغم من تواجد الأطفال حولي. انقضى عامان دون أن أتعلّم شيئًا يُذكر، لا أعرف كيف أسبح ولا كيف أقود درّاجة. لم أعرف ليّ جدًّا ولا عمّة، ولا آباء روحيّين… وعندما تساءلت لماذا، أخبرني والدي أن السبب هو مجتمعنا الذي يتغذّى فيه الأغنياء جيّدًا بينما مستحقّو المعونة يشربون مياهًا وسخة. أمّا والدتي فقالت إن السبب هو توالي الأمراض عليهم حتى أفنتهم. لم أنقطع عن الدراسة في الخيدر حتى عاد والدي من إحدى رحلاته يومًا، وقال لأمي إننا نعيش في العام 1936! ولهذا فإن الوقت حان كي أتلقّى تعليمًا حديثًا. سُعدت بذلك التغيير، فمعلّم الخيدر دائمًا ما يترك بقايا الطعام على لحيته، ويضع عصاةً من القصب بين أصابعنا ويضغطها بشدّة حين نجيب إجابات خاطئة، وتنتشر في بيته الرائحة نفسها التي لمأوى الكلاب. أمّا البديل فهي مدرسة عامة، والتي كانت مرافقها كلها شديدة النظافة. أُعجب والدي بمعلّمي الجديد الذي يرتدي زيًّا أوروبيًّا، إذ بعد أن نجح في تعليمي كيف أقرأ، رحتُ بدافعٍ ذاتيّ أعلّم نفسي بنفسي. ولأنني بتُّ أشعر بالملل، فلم أتعرّف على أحد بعد، أصبحت قارئًا نهمًا للكتب.

إن أوّل صديق لي في المدرسة العامة كان اسمه يدل. إنه يُعجبني، فهو يشبهني؛ لا مستقبل أمامه، ويركض في كل مكان بأنفٍ راشحة. كنا نصنع زوارقَ ورقيّة كي نلقي بها في النهر، وتدرّبنا معًا على البصق من مسافات طويلة. وهو يناديني شاميا أيضًا، بينما أناديه بشر. وعندما يُسيء التصرّف يغدو ذكيًّا بما يكفي لمنع المعلّم من اكتشافه. وصلنا باكرًا في أحد الصباحات قبل الجميع، فلعبنا لعبة المقلاء بعنف حتى كسرنا بعض نوافذ الفصول. لقد أفزعْنا الأولاد الذين يحملون حقائب لطيفة ولم يجرّبوا أن يمشوا حُفاة الأقدام قط. لطالما عانيت من المشاكل في منزلي بسبب يدل؛ لقد ضُربت في أحد أيّام السّبت لأنني قمت بتفكيك مقصّ البيت إلى جزأين، كي أحصل على سيفَين صغيرين، واحد لي والآخر له.

لم تعلّمه والدته شيئًا غير الأغاني الحزينة، من بينها أغنية عن ملك سيبيريا، وذلك قبل أن تموت من مرضٍ أصاب أسنانها. جاء ليبحث عني بعد موتها مباشرة، لكنني اختبأت عنه. أخبَرني في اليوم التالي أنه ما إن رأى رجلين يحملان والدته على لوح إلى خارج البيت، حتى أسرع والده وأبعده عن مشاهدة ما يحدث.