Ragtime – راكتايم

إي. إل. دوكتُرو

راكتايم

ترجمة علي المجنوني

يصدُر عن دار روايات – مجموعة كلمات في معرض الشارقة الدولي للكتاب 2018

005


ملخًص

فور نشرها عام 1975، ساهمت راغتايم في تغيير الفهم الذي على أساسه تُكتب الروايات وما الذي يمكن أن تكشف عنه. نسيج سرديّ متماسك فيه من التجريب قدرَ ما فيه من الأصالة. لقد قدّمت الرواية صورةً عن الروح الأمريكية في فترة الدخول إلى القرن العشرين والحرب العالمية الأولى.

تنفتح الرواية عام 1906 في نيويورك، في منزل أسرة أمريكية موسِرَة. خلال ظهيرة يوم أحد كسول، يطرق بابها فنّان الافتكاك الشّهير هوديني على إثر تعطّل سيارته على الشارع قبالة منزلها. وهكذا يبدأ دوكتُرو تقديم أوّل حبل ضفَره بخيوط واقعية وخيالية، ما حدث وما لم يحدث. يدفع بشخصيات واقعية في حياة هذه الأسرة المتخيّلة كاشفًا عن الصّراعات التي توجّه حيوات الناس في ذاك الزمن؛ يأتي بفرويد، وإلهة الجمال إيفلين، وقائد الثورة المكسيكيّة زاباتا، وغيرهم، راسمًا لشخصياته المتخيلة دروبًا تنفتح بسببهم، وأخرى تنغلق.


اختارتها مؤسسة Modern Library من بين أفضل 100 رواية على مرّ العصور

حاصلة على جائزة National Book Critics Circle

“عُرف دوكتُرو أنّه أوّلًا وقبل كل شيء، سيّد في أساليب السّرد” George Saunders

“يُرهف حسّه للتاريخ وكيف يمسّ حيوات الناس العاديّة” Don DeLillo


مقتطف:

يحمل الصبي تقديرًا لكل ما يُرمى. حصل على تعليمه بطريقة استثنائية وعاش حياة ثقافية سريّة بالكامل. وضع عينيه على مذكرات أبيه في القطب الشمالي لكن لم يحاول أن يقرأها ما لم يتوقف الأب عن الاهتمام بها. في رأيه يُدْرَكُ معنى الشيء من خلال إهماله. قلّب البورتريهات الظلية متفحصا إياها بعناية، وانتقى واحدة منها ليعلّقها على الجانب الداخلي من باب خزانة ثيابه. كانت رسمةً أولية لأكثر الموديلات تكرارا في لوحات الفنان، فتاةٍ بشعر كأنه خوذة تقفُ وقفةَ مَن يمكن أن تهرب في أية لحظة. ترتدي حذاءً عالي الرباط باليا وجوارب مترهلة يرتديها أطفالٌ فقراء. أخفى بقية مجموعة البورتريهات في العلية. كان متنبّها ليس للأشياء المهملة فحسب ولكن أيضا للأحداث والمصادفات غير المتوقَّعة. لم يتعلم شيئا من المدرسة لكن كان ينجح لأنه لم يكن يُطلب منه شيء. معلمته امرأة مصففة الشعر درّبت تلامذتها على الخطابة وكانت تصفق بيديها بينما هم يتمرنّون في مذكراتهم على الخطوط المنحنية التي كان يُعتقد أنها تساعد على تحسين الخط. في المنزل أبدى ولعا بكتب «موتور بويز» ونادرا ما فوّت عددا من مجلة «وايلد وست ويكلي»، ولسببٍ ما ارتاحت العائلة لهذه الأذواق التي اعتبرتْها استثنائية. شكّت الأم في أنه طفل غريب رغم أنها لم تشارك شعورها هذا مع أحد، ولا حتى مع الأب. كانت تسرّي عنها أيّة دلالة على أن ابنها طبيعي. تمنّت لو يكون له أصدقاء. ما زال الأب غريبا عن نفسه أما الخال الأصغر فكان شديدَ الهوس بمشاغله بحيث لا فائدة تُرجى منه، ولذا تُرك الأمر للجدّ كيما يصقل ما اعتُبر غرابةَ الصبي أو استقلالَه الروحي.

كان العجوز ناحل الجسم محدودب الظهر تنبعث منه رائحةُ عفن، ربما لأن ملابسه قليلة ويرفض شراء أي جديد أو القبول به. إضافة إلى ذلك كانت عيناه تذرفان على الدوام. لكنه كان يجلس في الردهة ويقرأ على الصبي قصصا من أوڤيد. قصصا لأناس أصبحوا حيوانات أو أشجارًا أو تماثيل. قصصا عن التحوّل. تتحول النساء إلى زهور عبّاد الشمس وعناكب وخفافيش وطيور، ويتحول الرجال إلى أفاعٍ وخنازير وحجارة بل وحتى نسمات هواء. لم يكن الصبي يعلم أنه كان يستمع إلى أوڤيد، وما كان الأمر سيُحدث فارقا لو علم. كشفت له قصصُ الجد عن أن أشكالَ الحياة متقلبةٌ وأن كل شيء في العالم يمكن أن يصبح بسهولةٍ شيئا آخر. غالبا ما كان سردُ العجوز ينحرف من الإنگليزية إلى اللاتينية من دون شعوره، وكأنه يقرأ على واحد من صفوفه قبل أربعين سنة، وهذا برهانٌ على أنه لا شيء مُستثنًى من مبدأ التقلب، بما في ذلك اللغة.

نظر الصبي إلى جدّه باعتباره كنزا مُهمَلا. وسلّم بالقصص على أنها صورٌ للحقيقة، وبالتالي افتراضات يمكن أن توضع موضعَ التمحيص. وجد برهانا في تجربته الخاصة عندما يتعلق الأمر بعدم استقرار الأشياء والناس على السواء. كان في وسعه أن ينظر إلى فرشاة الشعر على المنضدة فتنزلق أحيانا على الحافّة وتسقط على الأرض. إذا رفع نافذة غرفته قد تُوصد من تلقاء نفسها في اللحظة التي يعتقد فيها أن الغرفة أصبحت باردة. كان يفضّل الذهاب إلى عروض الصور المتحركة في وسط المدينة في مسرح نيو روتشيل على شارع مَين. ألمّ بمبادئ التصوير الفوتوغرافي لكنه أيضا أدرك أن الصور المتحركة تعتمد على قدرة البشر والحيوانات والأشياء على فقدان أجزاءٍ من أنفسهما، بقايا من الظل والضوء يتركونها خلفهم. كان يصغي بافتتانٍ إلى جهاز الڤكترولا مشغّلا الأسطوانة نفسها مرةً تلوَ المرة، أيا كانت موسيقاها، كما لو كان يمتحن قدرته على احتمال حدثٍ متكرر.

ثم أبدى ولعا بمراقبة نفسه في المرآة، ربما مترقّبا تغيّرا قد يحدث أمام عينيه. لم يفلح في ملاحظة أنه أطول مما كان عليه قبل بضعة أشهر أو أن شعره آخذ في الاسوداد. تنبهّت الأم إلى اهتمامه الجديد بنفسه وفسّرته على أنه خيلاءُ صبيٍّ بدأ يعتقد أنه غدا رجلا. لقد تجاوز بالطبع مرحلة قمصان البحّار. ولأنها كتومٌ كالعادة لم تقلْ شيئا. لكنها شعرت بسرورٍ كبير. في الواقع واصل سلوكه ليس بدافع الخيلاء ولكن لأنه اكتشف المرآة باعتبارها أداةً لنسخ الذات. كان يحدق في نفسه حتى يكون هناك اثنان يقابل أحدهما الآخر، من دون أن يكون لأحدهما الحقُّ في ادّعاء أنه الشخص الحقيقي. كان الإحساسُ إحساسَ الانفصال عن الجسد. لم يعدْ على الإطلاق محددا ودقيقا باعتباره شخصا. لديه شعور مشوش بالانفصال عن نفسه بلا نهاية. كان يفتن نفسه بعمقٍ شديدٍ في هذه العملية بحيث لا يعود قادرا على الخروج منها على الرغم من صفاء ذهنه. كان عليه أن يعتمد على محفّز خارجي، ضجيجٍ عالٍ أو تغيّرٍ في الضوء القادم من النافذة، لكي يستحوذ على انتباهه ويعيده كليّا من جديد.

وماذا عن أبيه، الرجل الشديد الواثق في نفسه الذي غاب ثم عاد هزيلا محدودبا ملتحيا؟ أو عن خاله المتساقط شعره وعن كمده؟ في نهاية ربوة جادة برودڤيو أزاح الآباءُ في المدينة ذات يوم الستارَ عن تمثال برونزي لحاكمٍ هولندي عجوز، رجلٍ شرسِ المظهر بقبعة مربعة ومعطف مفتوح وسروال وحذاء محزّم. حضرت العائلة بأكملها من أجل تلك المناسبة. هناك تماثيل أخرى في حدائق المدينة والصبي يعرفها جميعا. كان يؤمن بأن التماثيل واحدةٌ من طرق تحوّل الناس وفي بعض الأحيان الخيول. مع ذلك حتى التماثيل لم تبقَ على حال واحدة بل تحوّلت ألوانها أو فقدت أجزاء منها.

اتضح له أن العالم يشكّل نفسه ويعيد تشكيل نفسه باستمرار في عملية لا نهائية من عدم الرضا.

اشتدّ بردُ الشتاء وجفافه فغدت بِرَك نيو روتشيل مثالية للتزلج. راحت الأم والخال الأصغر والصبي يتزلجون في أيام الأسبات والآحاد على بِركةٍ في الغابة في أقصى شارع پاين المحاذي لبرودڤيو. يتزلج الخال الأصغر لوحده آخذا على الجليد خطواتٍ طويلةٍ رصينةٍ ورشيقة، واضعا يديه خلف ظهره ومطأطئا رأسه. ترتدي الأم قبعة من الفرو ومعطفا أسود طويلا وتحشر كفيها في شال وبريٍّ وهي تتزلج إلى جوار ابنها الممسك بذراعها، ترجو أن تُلهيه عن انشغالاته الداخلية الوحيدة. كان مشهدا بهيجا حيث الأطفال والبالغون من كل الأحياء يتزلجون فوق الجليد الأبيض، تتدلى من أعناقهم أوشحة طويلة ملونة، وخدودهم وأنوفهم حمراء. يسقط ناس ويضحكون ويساعدهم آخرون على النهوض. تعاني الكلاب في الحفاظ على توازنها وهي تلاحق الأطفال. هناك باستمرار صوتُ شفراتِ المزالجِ تقصّ الجليد. تُحضر بعض العائلات كراسي خوص على سجاجيد لكبار السن أو مَن لا يجسرون على التزلج، وهؤلاء كانوا يُدفعون بحرص. لكن عيني الصبي لم تكن ترَيان سوى الآثار التي تتركها المزالج، آثار تُمحى سريعا من اللحظات السابقة والرحلات المأخوذة.