Flaupert’s Parrot – ببغاء فلوبير

جوليان بارنز

ببغاء فلوبير

ترجمة بندر محمد الحربي

يصدُر عن دار روايات – مجموعة كلمات في معرض الشارقة الدولي للكتاب 2018

002


ملخًص

استعار غوستاف فلوبير ببّغاءً أمازونيًّا ووضعه على طاولة كتابته لفترة وجيزة، ثم أعاده. ظهرَ هذا الببّغاء في كتابه “ثلاث حكايات” حيث أقام بين الببغاء وبين امرأة يائسة علاقة غريبة وصلت حدّ التقديس. والآن، بعد كل تلك السّنوات، يأتي طبيبٌ متقاعد وأرمل، جيفري بريثويت، الهاوي لعوالم فلوبير، ليسأل: أين هو ذاك الببّغاء الأمازونيّ الأخضر، ذهبيّ العنق، ورديّ طرفَي الجناحين؟يعثر جيفري، في سفره لرؤية الببّغاوات المحنّطة في المتاحف المخصّصة لآثار فلوبير، على ببّغاوين يحيّرانه، وكثير من الأشياء والمعلومات التي تُدهش القارئ، وتطرح عليه أسئلة هي من العمق بحيث قد تغيّر آراءه ونظرته نحو الكتابة والقراءة: هل اكتشف فلوبير المذهب الواقعي فور عودته من زيارته إلى مصر “الشّرق”؟ ما سرّ كرهه للنّقد والنقّاد؟ هل كان رجُل صالوناتٍ أدبيّة أم كان منزويًّا في بيته الرّيفي؟ ما الوفاء وما الخيانة، من هو فلوبير، ومن هي حقًّا مدام بوفاري؟
رسّخت هذه الرواية اسم جوليان بارنز في السّاحة الأدبية كأحد أقوى المشتغلين على الأشكال السّردية ما بعد الحداثيّة. فهو في حين يستنطق فلوبير من خلال رسائله، يُذيع لنا صوت عشيقته التي لم يتزوّجها، ويبحث عن الأدلّة كباحث في حين يروي الخيالَ ويغذّي به الاحتمالات كسارد عبقريّ بحق، ومجرّب أصيل في الكتابة.


القائمة القصيرة لجائزة مان بوكر البريطانية

“جوهرة. إنها رواية لا تخجل ممّا تُفصح عنه، ولا تخجل من قراءتها عارية. يا لها من مُتعة. برافو!” John Irving

“كتابٌ أدبيّ رفيع، يفتح أشرعته في بحر من الأسلوب المبتكر والسّخرية والاقتباسات. مليء بالحِكمة، ومثالٌ لنجاح الكاتب في مسعاه” The New York Times Book Review

“تكمُن مُتعة قراءة الكتاب في الطريقة التي أحاط بها جوليان بارنز بشخصيّاته التاريخية والخيالية على حدّ سواء، ورشاقته وذكاءه في السّرد” Time


مقتطف:

كيف نُمسك بالماضي؟ كيف نستحوذ على الماضي الغريب؟ نقرأ، ونتعلم، ونسأل، ونتذكر، ثم نستكين. فتُحَوّل تفاصيلٌ عارِضَةٌ كلّ شيء. كان فلوبير عملاقًا. هكذا قال الجميع. إنه شامخٌ فوق الجميع مثل زعيم من بلاد الغال طويل البنية قويّها. ومع ذلك كان بطول ستةِ أقدامٍ فحسب: نعرف هذا منه. طويل، لكنه ليس عملاقًا. هو أقصَرُ منّي، في الواقع، عندما أكون في فرنسا لم أجد نفسي أكثر طولاً من الناس مثل زعيمٍ من بلاد الغال.

وهكذا، كان غوستاف عملاقًا بطول ستة أقدام، والعالم يتقلص قليلًا مع هذه المعرفة. لم يكن العمالقة طوالاً (هل الأقزام بالتالي أقصر أيضًا؟). الرجال السِّمان: أكانوا أقل سمنة لكونهم أقصر، وهكذا أنت في حاجة إلى معدة أصغر لتظهر السمنة، أم كانوا أكثر سمنة، لأنَّ لديهم المعدة نفسها، لكن بِنيتهم لم تساعدهم على حملها؟

كيف يمكننا أنْ نعرف مثل هذه التفاصيل التافهة والحاسمة؟ يمكننا أنْ نبحث في الوثائق لعقود من الزمن، لكن في كثير من الأحيان نصرّح بتخلّينا بلا أمل، معلنين أنَّ التاريخ هو مجرد نوعٍ أدبيٍّ آخر، والماضي هو سيرةٌ روائيةٌ تدّعي أنها تقرير برلمانيٌّ.

لديَّ لوحة مائية صغيرة لمدينة روان وضعتُها على جداري، للرسام آرثر فريدريك باين (وُلد في نيوآرك، ليستر، 1831، وأرّخَت أعماله بين 1849-1884). تُظهِر المدينةَ من فناء الكنيسة بون سوكير، حيث الجسور، والأبراج، والنهر المنحني المار بكروسيه. رُسِمَتْ في 4 مايو عام 1856. وأنجز فلوبير رواية “مدام بوفاري” في 30 أبريل عام 1856: هناك في كروسيه، حيث يمكنني أنْ أغرز أصبعي، بين اثنيْن من رذاذ الألوان المائية المنتشرة غير المعروفة من الألوان المائية. قريبٌ جدًّا ومع ذلك بعيدٌ جدًّا. أهذا هو التاريخ؟ رسمة هاوٍ سريع، وواثق بالألوان المائية؟

لست متأكّدًا بشأن ما أؤمن به في الماضي. أريد فقط أنْ أعرف ما إذا كان الناس السِّمان أكثر سمنةً. وهل كان المجانين أكثرَ جنونًا؟ يُحكى عن مجنونٍ يُسمَّى ميرابيو، في ملجأ روان، يعرفه الأطباء وطلاب الطبِّ من مستشفى أوتيل ديو بسبب تصرُّفاته الغريبة، ففي مقابل فنجان من القهوة، كان يُضاجِعُ جثة أنثى على طاولة التشريح. (هل فنجان القهوة يجعله أكثر جنونًا أو أقلَّ؟)

وفي يوم من الأيام، أثبَتَ ميرابيو أنه جبان، فقد ذكَر فلوبير أنه أصيب بالذعر عندما اقترب من امرأة مقطوعة الرأس. من الواضح أنهم قدَّموا له كوبيْن من القهوة، وسُكَّرًا إضافيًّا، وجرعة كونياك؟ (هل إثبات أنَّ هذا أكثرُ جنونًا، أو عتهًا، بحاجة إلى وجهٍ ما، حتى لو كان وجهَ ميت؟)

من غير المسموح هذه الأيام، استخدام كلمة مجنون. ما هذا العته؟! إنَّ العدد القليل من الأطباء النفسيين الذين أكِنُّ لهم الاحترامَ يقولون دائمًا إنَّ الناس أصبحوا مجانين. أستخدِمُ الكلماتِ القصيرة، والبسيطة، والصّحيحة. أقول: ميت، ويموت، ومجنون، وزانٍ. أنا لا أقول انصرم، أو انسل، أو محطة (أوه، إنه محطة؟ لكن أيٌّ منها، محطة يوستن، أم محطة سانت بنكراس، أم محطة سانت لازاري؟)، أو اضطراب الشخصية، أو خيانة، علاقة جنسية، حسنًا، هي كثيرة الخروج. أقول مجنون وزانٍ، هذا ما أقول. كلمة جنون كلمة صحيحة. إنها كلمة عادية، الكلمة التي تخبرنا كيف يمكن أنْ يأتي الجنون مثل سيارة نقل. والأشياء الرهيبة هي أيضًا عادية. هل تعرف ما قاله نابوكوف عن الخيانة في محاضرته عن رواية “مدام بوفاري”؟ قال “إنها طريقة أكثر تقليدية تسمو على التقليدية”.

سيقتبِس أيَّ تأريخ لموضوع الخيانة من إغواء إيما في تلك العربة المنطلقة من دون شك، وقد يكون من أشهر مشاهد الخيانة في كلِّ رواياتِ القرن التاسع عشر. وقد تظنُّ أنه من السهل على القارئ أنْ يتصور مثل هذا المشهد، ويصفه بدقة، بطريقة صحيحة. نعم فعلًا. لكن لا يزال من السهل أيضًا وقوع الخطأ قليلًا. أستشهِد بالسيد جي إم موسغراف، الرسام، والرحالة، وكاتب الذكريات، وقس بوردن، من مقاطعة كينت: مؤلف كتاب “الإنسان، والريشة وقلم الرصاص”، أو، “تأملاتٌ ورسوماتٌ من رحلةٍ إلى باريس، جولات، وروان في صيف 1847، مع قليلٍ من مذكرات عن الزراعة الفرنسية” (ريتشارد بنتلي، لندن، 1848) وكتاب ” نزهة في النورماندي، أو، مشاهد، وشخصيات، وحوادث من انطباعات رحلة في إقليم كالفادوس” (ديفيد بوج، لندن، (1860. وفي الصفحة 522 من هذا الأخير، كتب القسُّ موسغراف عن زيارة روان “مانشستر فرنسا” كما يصفها، في الوقت الذي لا يزال فلوبير يطحن في روايته بوفاري. تضمَّنَت حكايته عن المدينة ما يأتي:

كنتُ قد لاحظتُ، على الفور، طابورًا من العرباتِ المتوقفة هناك من المركبات منخفضة السقف، وأتخيل، ذلك النوع في أوروبا. إذ أستطيع بسهولة وضْع ذراعي على سطحها وأنا أقف بجانب إحداها في الطريق. إنها مصنوعة بثبات، وأناقة، مركبات صغيرة نظيفة، عُلِّق عليها مصباحان مضيئان. و”تقطع” الشوارع مثل عربة توم ثامب[1].

وهكذا مالت نظرتنا فجأة، وبات مشهدُ الإغراء الشهير أضيق، بل حتى أقلّ رومانسية، مما كنا نفترض من قبل. إنَّ هذه المعلومة لم تكن مدوَّنة، على حدِّ علمي، في الشروح الطويلة التي أُلحِقَتْ بالرواية، وأنا هنا أعرضها بروحٍ من التواضع ليستخدمها المختصون المحترفون.

طويل القامة، وسمين، ومجنون. ثم هناك الألوان. عندما كان فلوبير يبحث عن مدام بوفاري، قضى ظهيرة يومٍ كامل في دراسة الريف بنظرة تفاؤلية ملونة. هل رأى ما نراه الآن؟ أفترض ذلك. لكن ماذا عن هذا: في تروفيل عام 1853، قال إنه شاهد الشمس تغطس في البحر، واصفًا إياها بقرص مُربَّى الكشمش. تشبيهٌ حَيٌّ. لكن هل كان لون مربى الكشمش في نورماندي في عام 1853 كما هو عليه الآن؟ (هل بقي بعضٌ من أوانيه، حتى نتمكن من التحقق؟ وكيف يمكننا أنْ نعرف أنَّ اللون ظلَّ كما هو طوال هذه السنواتِ؟) هذا نوعٌ من الأشياء المزعجة. قررتُ أنْ أكتب إلى شركة صُنع المربى حول هذه المسألة. وعلى العكس من رسائلي الأخرى، فقد كان ردُّهم سريعًا. وأكدوا أيضًا أنَّ مربى الكشمش هو أحد أنقى أنواع المربى، على حدِّ قولهم، وعلى الرغم من أنَّ أواني أهل روان عام 1853 لم تكن نظيفة جدًّا كما هي الآنَ، بسبب استخدام السكر غير المكرر، فقد بقي اللون كما هو تقريبًا. حتى الآن الكلام جميل، ويمكننا الآن المُضيّ قُدمًا وتخيُّل غروب الشمس بثقة. لكن هل ترى ما أعنيه؟ (ماذا عن أسئلتي الأخرى، قد تبقى أواني المربى حتى الآن، لكن مِن شِبه المؤكّد أنها تحوَّلَتْ إلى اللون البُنيّ، ما لم يُحكَم إغلاقُها جيدًا في غرفة جافة، وجيدة التهوية).

كان القسُّ جورج إم مسغراف شخصًا يتَّسِم بالاستطراد في الكلام، لكنه دقيق الملاحظة. كان ميَّالاً قليلًا إلى التنميق “أنا مُلزَمٌ أنْ أتكلم بمديحٍ مُسهب حول موضوع سمعة روان الأدبية”، لكن حُبَّه للتفاصيل جعل منه مُخبِرًا مفيدًا. يذكر أنَّ الفرنسيين يحبون الكُرَّاثَ ويمقتون المطر. لقد استجوب الجميعَ، تاجر روان الذي أدهشَه بقوله إنه لم يسمع بصلصة النعناع، ​​وقسّ بلدة إفرو الذي ذكَر له أنَّ الرجال في فرنسا يقرأون كثيرًا، في حين أنَّ النساء بالكاد يقرأن (وأكثر الكتب ندرة في القراءة هي رواية إيما بوفاري!). وبينما كان في روان زار المقبرة الكبرى في العام الذي شهد وفاة والد غوستاف وشقيقه ودُفِنا هناك، ويوافق على سياستها المبتكَرة للسماح للأُسَر بشراء قطعٍ الأراضي وتملُّكِها. وفي أماكن أخرى، زار مصنعًا للأسمدة، وموقع نسيج الملكة ماتيلد في منطقة بايو، ومستشفى المجانين في كاين، حيث توفي بو برومل[2] عام 1840 (هل كان برومل مجنونًا؟ يتذكره الموجودون جيدًا، إنه شابٌ مؤدبٌّ، وقالوا إنه شرب فقط ماء شعير خُلط جيدًا بقليل من النبيذ).

ذهب مسغراف أيضًا إلى معرض بلدة غيبراي، حيث شاهد هناك من بين عروضٍ غريبة أسمَنَ ولدٍ في فرنسا، يدعى إمابلي جوفان، الذي ولد في هيربلي[3] عام 1840، وكان يبلغ من العمر أربعة عشرَ عامًا، يأخذ فلسًا واحدًا للسّماح برؤيته. ما حجم سمنة هذا الصبيِّ؟ لم يذهب رسّامنا المتسكع، للأسف، بنفسه ليدوّن الظاهرة الغريبة بقلم الرصاص، لكنه انتظر حتى دفع فارسٌ فرنسيٌّ فلسًا، دخل العربة، وخرج يتمتم بعباراتٍ مختارة لأهل النورمان. وعلى الرغم من أنَّ مسغراف لم يسأل بنفسه الجنديَّ عمَّا رأى، فإنَّ انطباعه كان “إنَّ إمابلي سمينٌ بالقدر الذي يتجاوز توقُّعاتِ الزائرين”.

ذهب مسغراف إلى سِباق القوارب في كاين، حيث اصطفَّ على الرصيف سبعةُ آلاف متفرج. معظمهم من الرجال، وأغلبهم من الفلاحين، مرتَدِين أفضلَ قمصان زرقاء لديهم. كان التأثير الكبير بسبب الضوء، الذي كوّنَ لونًا لازورديًا رائعًا. كان لونًا دقيقًا ومضبوطًا. وكان مسغراف قد رأى اللون من قبل، في قسم خاصٍّ ببنك انجلترا حين حرقوا أوراقًا نقدية أُخَرِجَتْ من التداول. ثم عولجَت الأوراقُ النقدية بمحلولٍ صبغيٍّ مصنوع من الكوبالت، والسيلكون المطحون، والملح، والبوتاس، فإذا سُلّط الضوء على حزمة من المال، فإنَّ الرماد يأخذ لونًا غير عادي، ذلك الذي رآه مسغراف على رصيف كاين. لون فرنسا.

وحيثما سافر مسغراف، أصبح هذا اللون والمادة المرتبطة به أكثرَ وضوحًا. قمصان الرجال وجواربهم زرقاء. وثلاثة أرباع الملابس النسائية زرقاء. كسوة سراج الخيول وأطواق أعناقها زرقاء، كما كانت العربات، واللوحات الإرشادية في القرى، والأدوات الزراعية، وعربات اليد وأوعية سقي الماء. وتظهر البيوت والمنازل في العديد من المدن بلونٍ سماويٍّ من الداخل والخارج. وجد مسغراف نفسَه مضطرًا للتعليق على أحد الفرنسيين الذين التقاهم بقوله: “ثمة الكثير من اللون الأزرق في بلده أكثر من أيِّ منطقة في العالم أعرفُها”.

إننا ننظر إلى الشمس عبر زجاجٍ مُدخَّن، أما الماضي فيجب أنْ ننظر إليه من خلال زجاجٍ ملوَّن.

[1]  شخصية من الفلكلور الإنجليزي، ظهرَت في قصة نشرت عام 1621، لديها عربة تجرها فئران. م.

[2]  شخصية إنجليزية مشهورة تميزت بفنِّ الأزياء (1778 – 1840). م.

[3]  بلدة في شمال غربيّ ضاحية باريس. م.