Homegoing – عودة الروح

يا جسي

عودة الرّوح

ترجمة أحمد حسن المعيني

يصدُر عن دار روايات – مجموعة كلمات في معرض الشارقة الدولي للكتاب 2018

003


ملخًص

“الجحيم مكانٌ لاستدرار الذّكريات”

إنها غانا القرن الثامن عشر: أختان وُلدتا في قريتين مختلفتين دون أن تعرفا بعضهما. إحداهما تتزوج تاجر عبيد أبيض وتعيش مرتاحة في غرف قلعة كيب كوست الفارهة. بينما الأخرى تؤسَر خلال غزوة على قريتها لتُسجن في قبو القصر نفسه مع آخرين ليُباعوا عبيدًا إلى الإنجليز. تتبع “عودة الروح” طريقين متوازيين لتلكما الأختين وسلالتيهما من الأحفاد عبر ثمانية أجيال: من ساحل الذهب إلى عصر الجاز في هارلِم، راسمة خريطة تامّة للمصائر لم يسبق لها مثيل.


فاز ت بجائزة Hemingway من مؤسسة PEN العالمية

إحدى أفضل روايات العام في قوائم نيويورك تايمز، ونادي أوبرا للقراءة، ومجلة تايم، ومجلة إسكواير، وصحيفة غارديان، وصحيفة واشنطن بوست.

“مُترعة بالمشاعر.. وهبت جسي صوتًا بطوليًّا نادرًا للمنسيّين والمقموعين…”—NPR

“تصوّر الثقل الروحي للتاريخ وهو يتخلّل صراعات الفرد وآماله ومخاوفه…”—Phil Klay


مقتطف:

لا شراب ولا سلوان للنفس يكفي لجبر روحٍ مكسورة. حتى نجم الشمال نفسه الذي تهتدي به الناس، لم يكن سوى خدعة.

          فيومًا إثر يوم كانت (نِس) تحصد القطن تحت عين الشمس القاسية في الجنوب. هناك قضت ثلاثة أشهر في مزرعة (تومَس آلن ستوكهم) في “ألاباما”. قبل ذلك بأسبوعين كانت في المِسِسِپي، وقبلها بسنة كانت في مكانٍ ما سوف تظلّ دائمًا تسمّيه “الجحيم”.

          كثيرًا ما جربت أن تخمن سنّها، لكنها لم تفلح. خطر لها أن خمسًا وعشرين سنة هي التخمين الأقرب، غير أن كل سنة مضت عليها منذ انتزاعها من حضن أمها، كانت تبدو كعشر سنوات. كانت أمها (إسي) امرأة صلبةً جادّة، لم يُعرف عنها أبدًا أن حكَت حكاية سعيدة. حتى حكايات النوم التي تقصّها لنِس كانت عن ذلك الذي تسميه “القارب الكبير”. إذْ تغفو إسي على صُور الرجال يُلقى بهم في المحيط الأطلسي، مثل مرساة غير موصولة بأي شيء، لا أرض، ولا أهل، ولا قيمة. تقول إسي إنهم في القارب الكبير كانوا مكدّسين بعضهم فوق بعض عشرًا، وحين يموت أحدهم تضغط جثّته الثقيلة على الآخرين، كما تُكبَس فصوص الثوم. كانت أمّ نِس، والتي يسمّيها العبيد الآخرون “فْراوْني” [العابسة]، دائمًا ما تحكي عن اللعنة التي ألحقتْها بها الحمامةُ الصغيرة قبل زمن طويل، طويل جدًا. كانت تتمتم وهي تكنس الأرض بأنها ملعونة، منزوعة الأخت، مسلوبة الحَجَر، حجر أمها. في ذلك اليوم الذي بيعت فيه نِس عام 1796، لم تبارح شفتا أمها ذلك الخطَّ الرفيع نفسه. وتذكر نِس كيف أنها كانت تحرك ذراعيها ناحية أمها وتركل بساقيها، تصارع الرجل الذي جاء يأخذها. لكنّ إسي لم تحرّك شفةً أو تمدّ ذراعًا. وقفتْ هناك، صلبة قوية، كما عرفتها نِس دائمًا. فيما بعد قابلت نِس في مزارع أخرى عبيدًا لهم مشاعر دافئة فيّاضة، أناسًا ذوي بشرة سوداء يبتسمون ويحضنون ويقصّون الحكايات الجميلة، لكنّها ظلّت تحنّ دومًا إلى تلك الصخرة الرمادية، قلب أمها. هكذا أصبحت نِس تربط دائمًا ما بين الحب الحقيقي وصلابة الروح.

          كان تومَس آلن ستوكهم سيّدًا خيّرًا، إنْ كان ثمة شيء كهذا. فقد كان يمنحهم استراحة من خمس دقائق كلّ ثلاث ساعات، وكان مسموحًا لعبيد الحقل أن يدخلوا الرواق المسقوف كي يأخذوا جرّة ماء من عبيد المنزل.

          وفي هذا اليوم من أواخر شهر حزيران/يونيو، كانت نِس تقف إلى جانب (تِمتام) في انتظار دورها لتحصل على الماء. أما تِمتام هذا فكان هدية لأسرة ستوكهم من جيرانهم آل وِتمَن، وكثيرًا ما يطيب لتوم آلن القول إنها أفضل هدية تلقّاها في حياته، أفضل حتى من القطة ذات الذيل الرمادي التي تلقّاها من أخيه في عيد ميلاده الخامس، أو من العربة الحمراء التي حصل عليها في عيد ميلاده الثاني.

سألها تِمتام: ” كيف يومك؟”[1].

التفتت ربع التفاتة إليه وقالت: “ليس كلّها مثل بعضها؟”.

ضحك تمتام، وبدا صوت ضحكته مثل رعدٍ يدوّي من بطنه إلى فمه. “أظنّ ذلك”.

          لم تكن نِس واثقةً من أنها سوف تعتاد على سماع اللغة الإنجليزية تنسكب هكذا من شفاه السُود. في المِسِسِپي كانت أمها إسي تحدّثها باللغة التويّة قبل أن يضبطها سيّدها ويعاقبها بخمس جلدات على كل كلمة تنطقها نِس بالتويّة. وحين انعقد لسان نِس فَزَعًا من رؤية أمها المضروبة، عاقب السيد أمها بخمس جلدات على كل دقيقة تصمت فيها نِس. قبل هذه الحادثة كانت أمها تسمّيها (مامي)، تيمّنًا باسم أمها، فأخذ السيد يجلدها على ذلك أيضًا، وتوالت الجلدات تباعًا إلى أن صاحت إسي “ماي غُودنِس” [يا إلهي]. خرجت هاتان الكلمتان دون تفكير، إذْ كانت قد التقطتهما من الطباخ الذي اعتاد أن يُنهي بهما كل جملة يقولها. ولما كانت هذه العبارة هي الوحيدة التي خرجت من فم إسي دون عناء البحث عن كلمات إنجليزية، فقد وقر في نفسها أنّ بها شيئًا إلهيًا، تمامًا مثل ابنتها التي وهبها الربّ إياها. وهكذا تحوّلت كلمة “غُودنِس” إلى “نِس”.

سألها تِمتام وهو يقضم طرفًا من سنبلةٍ ويبصقه: “أنتِ من أين؟”.

فقالت: “كثيرة جدًا أسئلتك”، واستدارت بعيدًا. كان دورَها في الحصول على الماء من (مارغرِت) كبيرة العبيد في المنزل، غير أنّ المرأة صبّت لها ربع كأس فقط. “ليس عندنا اليوم كفاية”، لكنّ نِس رأت دلاء الماء من خلفها تكفي لأسبوع آخر.

أخذت مارغرت تحدّق فيها، فبدا لنِس أنها كانت تخترقها بنظرتها، أو أنها كانت في واقع الأمر تنفذ إلى حياتها قبل خمس دقائق، تحاول أن تكتشف ما إذا كان حديثها مع تِمتام يشي بإعجاب بها.

بلّل تِمتام ريقه. “مارغرت، ما هكذا تعاملين الناس”.

رمقتْه مارغرت ثم أغطست مغرفها في الدلو، لكنّ نِس أبت أن تقبله، ومضت تاركة مارغرت وتمتام يستويان على نارهما. ربما كان هناك صكّ يقول إنّ نِس مملوكة لتوم آلن ستوكهم، ولكن لا يوجد صكّ كهذا يلزمها بالخضوع لأمزجة العبيد من أمثالها.

وما إن عادت نِس إلى حيث كانت حتى قالت لها امرأة هناك: “ليس يصحّ أن تقسي عليه هكذا”. كانت أكبر سنًا من نِس، في منتصف العقد الثالث من عمرها أو نهايته، غير أنّ ظهرها كان محدودبًا، حتى وهي واقفة. “أنتِ جديدة هنا، ولا تعرفين. تمتام فقد امرأته منذ فترة طويلة، وهو الذي يربي الصغيرة پِنكي منذ رَحَلت”.

نظرت إليها نِس. حاولت أن ترسم ابتسامة على وجهها، لكنّها وُلدت في سنوات البسمة الغائبة عن أمها إسي، فلم تتعلم أن تبتسم. أطراف شفتيها تختلج دومًا إلى الأعلى دون إرادة منها، ثم تهبط في أجزاء من الثانية، وكأنها ملتحمة بذلك الحزن الذي استقرّ في قلب أمها. “أليس كلّنا فقدنا أحد؟”.

كانت نِس أجمل من أن تكون زنجيّة حقل. هذا ما قاله لها توم آلن يوم حمَلها إلى مزرعته. اشتراها بُحسن نيةٍ من صديق له في جاكسن بالمسِسِپي، بعدما قال له إنها من أفضل عاملات الحقل اللاتي رآهن في حياته، ومشدّدًا على أن يستخدمها في الحقل فقط. لكنّ توم خطر له أن صديقه مخطئ بالتأكيد، بعد أن رأى بشرتها الفاتحة وشعرها المجدول المنسدل على ظهرها ليستريح على ردفيها المدوّرين. لذلك أخرج الزيّ الذي يحب أن يرتديه زنوج منزله، قميصًا أبيض اللون برقبةٍ عريضة وأكمام قصيرة عند الكتف، مع تنورة سوداء طويلة بها مريلة سوداء صغيرة. أمر مارغرت أن تأخذ نِس إلى الغرفة الخلفية لكي ترتديه، ففعلت نِس ما أُمرت به. وما إن رأتها مارغرت هناك حتى ضمّت يدها إلى قلبها وأمرتْها بالمكوث في مكانها. ألصقت نِس أذنها بالجدار تسترق السمع إلى ما تقوله مارغرت.

  • لا تنفع للبيت.
  • دعيني أراها يا مارغرت. أعتقد أنني أستطيع أن أقرّر بنفسي ما إذا كان شخص ما يصلح للعمل في منزلي أم لا، أليس كذلك؟
  • صحيح سيدي. تستطيع أكيد، لكنّه شيء لن يعجبك. هذا قصدي.

ضحك توم آلن. وعندها دخلت زوجته (سُوزَن) وسألت عما يجري. “مارغرت تحبس زنجيتنا الجديدة هناك ولا تريدنا أن نراها. دعكِ من هذا الهراء وأحضريها”.

لو أن سَوزَن كانت مثل غيرها من زوجات الأسياد، لكانت عرفت جيدًا ضرورة أن تهتمّ بالأمر حين يُحضر زوجها زنجية جديدة إلى المنزل. في هذه المقاطعة، كما في أي مقاطعة جنوبية، كان من المعروف عن رجالها أنّ عيونهم -وأعضاء أخرى من أجسادهم- لا تهجع. “نعم، مارغرت. أحضري الفتاة كي نرى. كفى سخفًا”.

هزّت مارغرت كتفيها وعادت إلى الغرفة، فسحبت نِس أذنها عن الجدار. “هيا، تعالي الآن”.

          وهكذا كان. مشت نِس إلى من ينتظر رؤيتها، كتفاها عاريان وكذلك النصفان السفليان من ربلتيها. وما إن رأتها سوزن ستوكهم حتى أُغمي عليها، وكلّ ما استطاع توم آلن فعله هو الإمساك بزوجته والصراخ على مارغرت بأن تغيّر ملابس نِس فورًا.

          هرعت بها مارغرت إلى الغرفة الخلفية وتركتْها هناك لتحضر ملابس الحقل. وقفت نِس في منتصف تلك الغرفة، تمرر يديها على جسدها، ترتعُ في عُريها القبيح. كانت تُدرك أنّ الندوب المتشابكة على كتفيها العاريين هي التي أفزعتهم جميعًا. لكنّ الندوب لم تكن على كتفيها فقط. كانت بشرتها المليئة بالندوب أشبه بجسدٍ آخر في حدّ ذاته، تبدو كصورة رجل يعانقها من الخلف بذراعين تتدلّيان حول عنقها. تصعد الندوب من نهديها، فتدور حول كتفيها، وتشقّ طريقها على طول ظهرها، لتلامس أعلى ردفيها ثم تختفي. في حقيقة الأمر لم تعد هذه بشرتها، بل غدت أقرب لأن تكون شبحًا من الماضي، مرئيًا، ملموسًا. لكنّ هذا التذكير بالماضي لم يزعجها.

          عادت مارغرت إلى الغرفة بخمار وقميص بنّي يغطّي الكتفين، وتنورة حمراء تنسدل إلى الأرض. أخذت تراقب نِس وهي ترتدي ملابسها الجديدة. “مؤسف. اعتقدت لحظة أنك أجمل مني ربما”، وطقّت بلسانها مرتين ثم تركتها.

هكذا أصبحت نِس تعمل في الحقل، ولم يكن أمرًا جديدًا عليها. هناك في المكان الذي تسميه “الجحيم”، كانت تعمل في الأرض أيضًا. كانت الشمس حارقة، تسفع القطن فيغدو ساخنًا جدًا يحرق راحتيها حين تلمسه. كان الإمساك بتلك الكريات البيضاء المنفوشة أشبه بالقبض على النار، ولكن لا قدّر الرّب أن تسقط واحدة من يدك، فالشيطان هناك يراقبك طوال الوقت. في الجحيم تعلّمت نِس أن تكون عاملة حقل جيدة، واكتسبت مهارةً جعلتها تنتقل من هناك إلى “توسكمبيا”.

كان هذا شهرَها الثاني في مزرعة ستوكهم. تنام في كوخٍ من أكواخ النساء، لكنها لم تصادق أحدًا. كانت معروفة لدى الجميع بأنها المرأة التي زَجَرت تمتام. ولقد اشتعلت النساء غيظًا من فكرة أنها كانت محطّ رغبته، وغضبن أكثر حين أدركن أنها لم تكن تهتمّ به، فأصبحن يرين فيها ما يشبه الريح القوية، شيئًا مزعجًا، ولكن يمكن تحمّله.

          في الصباحات كانت نِس تجهّز سطلها لتحمله معها إلى الحقل، تضع فيه كعكات الدقيق وشيئًا من لحم الخنزير المملّح، وربما بعض الخُضَر إن كانت محظوظة. في “الجحيم” تعلّمت أن تأكل وهي واقفة، تقطف القطن بيدها اليمنى، وتدفع اللقيمات إلى فمها باليسرى. لم يكن مطلوبًا من العمّال في مزرعة آلن أن يعملوا أثناء الأكل، لكنها لم تكن تعرف طريقة أخرى.

          هتفت امرأة بصوت عال تتقصّد أن يصل إلى نِس: “كأنها تعتقد أنها أحسن منا”.

فقالت أخرى: “وتوم آلن سيعتقد ذلك”. ردّت الأولى: “لا. توم آلن لا يهتم بها منذ طُردت من البيت الكبير”.

          تعلّمت نِس منذ زمنٍ أن تصمّ أذنيها. حاولت أن تتذكر اللغة التويّة التي كانت إسي تكلّمها بها، حاولت أن تعطّل عقلها إلى أن لا يبقى سوى ذلك الخيط الرفيع القاسي على فم أمها، تلك الشفتان اللتان تخرج منهما كلمات الحب بلسانٍ لم تعد نِس تفهمه. كانت تأتيها العبارات والكلمات مختلطة، خاطئة.

          ظلّت هكذا تعمل يومًا وراء يوم، تستمع إلى أصوات الجنوب. ذلك الطنين المتواصل للبعوض، والصراخ الذي تطلقه حشرة السيكادا، وهمهمات النميمة بين العبيد. كانت تعود إلى مهجعها ليلًا، فتضرب فراشها إلى أن يخرج الغبار منه، فينتشر حولها كأنه يحضنها. تضع الفراش مرة أخرى وتنتظر نومًا قلّما يأتي، وتحاول قدر استطاعتها أن توقف سيل الصور التي تتراقص خلف جفنيها المطبقين.

          في إحدى هذه الليالي حين كانت تضرب فراشها في الهواء، بدأ الخبطُ على الباب. قبضة تضرب على باب كوخ النساء في إيقاعٍ ملحٍّ مستمر. “أرجوكم، ساعدونا، أرجوكم!”.

          تقدّمت امرأة تُدعى (مافِس) لتفتح الباب. كان تمتام يحمل ابنته پِنكي بين ذراعيه، فاندفع إلى داخل الغرفة بصوت متحشرج رغم أنه لم يكن يبكي. “أعتقد فيها ما كان في أمّها”.

          أفسحت النساء مكانًا للطفلة، فوضعها تمتام هناك قبل أن يذرع المكان جيئة وذهابًا. “يا رب، يا رب، يا رب”.

          قالت له (روثي): “الأحسن أن تُخبر توم آلن ليُحضر الطبيب”.

  • لم ينفعنا الطبيب بشيء آخر مرة.

وقفت نِس خلف صفٍّ من النساء، متحفزات كمن ينطلق إلى معركة. شقت طريقها عبرهنّ إلى وسط الغرفة لكي تسترق نظرةً إلى الطفلة. كانت پنكي صغيرة بأطراف حادة، وكأنّ جسمها مقدود من عصيٍّ لا التواء فيها. شعرها مربوط للأعلى في كرتين كبيرتين. وفيما كانت النساء تتفرج عليها، لم تصدر أي صوتٍ سوى شهقات سريعة.

قالت نِس: “ليس فيها شيء”.

فجأةً توقّف تمتام عن مشيه، في حين التفت الجميع محدّقين في نِس. قال تمتام: “ليس لك وقت طويل هنا. پِنكي لم تنطق بكلمة منذ ماتت أمها. والآن حازوقاتها لا تتوقف”.

قالت نس: “ليس فيها إلا حازوقات. لا أحد يموت من حازوقات”. ونظرت إلى النساء يهززن رؤوسهن في استنكار، لكنها لم تعرف ما الخطأ الذي ارتكبته.

سحبها تمتام جانبًا وهمس لها: “هؤلاء ألم يقولوا لك؟”، فهزّت نِس رأسها. نادرًا ما تحدثت إليها النساء، وقد استطاعت أخيرًا أن تصمّ أذنيها عن نمائمهن. بلّل تمتام ريقه وأخفض رأسه قليلا. “اسمعي، نعرف ليس فيها شيء إلا الحازوقات، لكنْ نريدها أن تتكلم، لذلك…”.

تراجع صوته، فيما بدأت نِس تدرك أنّ الأمر برمّته مجرد لعبة لخداع الصغيرة كي تتحدث. سحبت نِس نفسها بعيدًا عن تمتام ونظرت إلى بقية النساء نظرة فاحصة من واحدة إلى الأخرى إلى الأخرى. مضت إلى وسط الغرفة حيث تستلقي الطفلة على فراش صغير، وعيناها تحدّقان في السقف. أدارت الطفلة عينيها إلى نِس وحَزقت مرة أخرى.

          وجّهت نِس كلامها لهم: “يا ربّ، ليس أعرف ماذا جاءْ بي إلى هذا الغباء. اتركوا البنت وحدها. ربما لا تريد أن تتكلم لأنها تعرف أنّ سكوتها يعذبكم، أو ربما ليس عندها شيء تقوله. ولا أظن أنها ستبدأ الكلام اليوم بسبب تمثيليتكم”.

          عصرت النساء أياديهنّ وأخذن ينقّلن أقدامهنّ ارتباكًا، ورأس تمتام يتهاوى أكثر فأكثر.

مشت نِس عائدة إلى فراشها، وانتهت من نفض الغبار، ثم استلقت.

          تقدّم تمتام إلى پنكي، وقال وهو يمدّ يده إليها: “هيا”، لكنها سحبت يدها بعيدًا. اكتسى وجهه لون خزيٍ رمادي وقال: “قلتُ هيا”. لكنّ الطفلة انتزعت نفسها مرة أخرى. ذهبتْ إلى حيث تستلقي نِس، عيناها مطبقتان بقوة كأنما تستجدي النوم لكي يأتي سريعًا. مسحت پنكي بيدها على كتف نِس، ففتحت هذه عينيها فرأت الطفلة تحدّق فيها، بعينين مدوّرتين واسعتين تتضرّعان. ولأنّ نِس كانت تعرف الفَقد جيدًا، وتفهم جيدًا معنى أن تكون بلا أمٍ، وأن تشعر بالاحتياج، وأن تصمت، فقد مدّت يدها للطفلة وجذبتها إلى السرير.

          قالت لتمتام: “اذهب انت”. كان رأس پنكي قد استقرّ على صدرها متوسّدًا نهديها. “هي ستبقى معي الليلة”.

منذ ذلك اليوم أصبحت لا تفارق نِس، بل إنها انتقلت من كوخ النساء الآخر إلى كوخ نِس. كانت تنام معها، وتأكل معها، وتمشي معها، وتطبخ معها. غير أنها لم تتكلم، ولم تطلب منها نِس أن تتكلم أبدًا. كانت تعرف جيدًا أنّ پنكي سوف تتحدث حينما يكون لديها ما تقوله، وتضحك حينما يكون هناك ما يُضحك فعلًا. أما نِس، التي لم تكن تُدرك قبل ذلك كم تفتقد رفقةً تؤنسها، فقد شعرت بالارتياح بهذه الرفيقة الهادئة.

          كانت پنكي فتاة الماء، لها في اليوم الواحد ما يصل إلى أربعين رَوحةً إلى الجدول الصغير على طرف المزرعة. تحمل لوحًا خشبيًا على ظهرها، تلفّه بذراعيها من الخلف فتبدو كمن يحمل صليبًا، وعلى كل طرفٍ من اللوح سطلان فضّيان كبيران. وما إن تصل إلى الجدول حتى تملأ السطلين وتعود بهما إلى المنزل، فتفرغ ما بهما في دلاء الماء الكبيرة الموضوعة في الرواق، وتملأ الأحواض التي يستحمّ فيها أطفال ستوكهم بعد الظهر، وتسقي الأزهار على تسريحة سوزَن ستوكهم، ثم تذهب للمطبخ لتسلّم مارغرت سطلين كاملين من ماء الطبخ. هكذا كانت پنكي تذرع الدرب نفسه كل يوم، بين الجدول والمنزل. وفي نهاية اليوم تظلّ ذراعاها تنبضان بشدّة، حتى أنّ نِس تسمع خفقات قلبها منهما حين تنسلّ الصبيّة إلى الفراش ليلًا معها، فتضمّها هذه بقوة.

          لكنّ الحازوقات لم تتوقف منذ اليوم الذي أحضرها فيه تمتام إلى كوخ نِس أملًا في أن يُفزع الطفلة فتتحدث. الجميع أدلى بدلوه في طريقة العلاج.

  • اقلب البنت على رأسها.
  • دعها تحبس نَفَسها وتبلعه.
  • ضع قشتين متعامدتين فوق رأسها.

أما هذا العلاج الأخير الذي نصحت به امرأة تُدعى (هارِيِت) فهو الذي بدا ناجعًا. إذْ استطاعت پنكي أنْ تكمل أربعًا وثلاثين رَوحةً إلى الجدول دون حازوقة واحدة. وعند قدومها من الروحة الخامسة والثلاثين كانت نِس عند الرواق تنتظر حصّتها من الماء. هناك كان طفلا ستوكهم يلهوان في الخارج، الصبيّ اسمه (توم الصغير)، والصبيّة اسمها (ماري). كانا يجريان على السلّم في الوقت الذي اقتربت فيه پنكي، فصَدم توم اللوحَ صدمة طيّرت أحد السطلين في الهواء، وانهمر الماء مطرًا على من في الرواق. هنا انطلقت ماري في البكاء. “تبلّل فستاني كلّه”.

          كانت مارغرت قد انتهت لتوّها من غَرف الماء للعبيد الآخرين، فوضعت المغرفة. “لا تبكي آنسة ماري”.

لم يكن من طبع توم قطّ أن ينبري للآخرين نخوةً أو شجاعة، لكنه قرّر أن يجرّبها في تلك اللحظة من أجل أخته. قال لپنكي: “اعتذري لماري!”. كان الاثنان في سنٍ واحدة، غير أنّ پنكي كانت أطول منه بنحو قَدَم.

          فتحت پنكي فمها، لكنّ الكلمات لم تخرج.  فأسرعت نِس قائلة: “هي آسفة”.

  • لم أكن أتكلم معك.

كانت ماري قد توقفت عن البكاء وأخذت تحدّق في پنكي. “توم، تعرف أنها لا تتكلم. لا بأس يا پنكي”. فقال توم وهو يدفع أخته: “سوف تتكلم ما دمتُ أمرتُها بذلك. هيا، اعتذري لماري”. فوقهم لاحت الشمس في وسط السماء شديدة الحرارة، فما لبثت القطرتان على فستان ماري أن جفّتا.

أما پنكي التي غاصت عيناها بالدموع ففتحت فمها مرة أخرى، ولم تخرج منه سوى موجة من الحازوقات، عالية، مضطربة. هزّ توم رأسه، وهرع إلى داخل المنزل على مرأى من الجميع، وعاد بعصا ستوكهم. كانت العصا في ضعف طوله، مصنوعةً من خشب البتولا الباهت. لم تكن سميكة، لكنّها ثقيلة جدًا حتى أنّ اضطرّ إلى مسكها بيديه الاثنتين، ناهيك عن أن يستطيع الضرب بها بيدٍ واحدة.

          قال توم: “تكلّمي أيتها الزنجية!”، في حين هرعت مارغرت إلى المنزل وهي تصرخ: “طيّب يا توم، سأنادي والدك”.

          كانت پنكي تنشج وتحزق في الوقت نفسه، فتمنعُ الحازوقات أي كلام يمكن أن يخرج من فمها. رفع توم العصا بيمناه بجهدٍ جهيد، وحاول أن يضرب بها من فوق كتفه، لكنّ نِس التي كانت تقف خلفه التقطت طرف العصا. غاصت العصا في راحتيها وهي تمسك بقوةٍ، حتى سقط توم أرضًا وانجرّ بضعة سنتيمترات.

          في تلك اللحظة ظهر توم آلن الأب على الرواق مع مارغرت التي كانت تقبض على صدرها من شدة اللهاث.

  • ما هذا؟

          انطلق توم الابن يبكي. “كانت ستضربني يا بابا”.

          حاولت مارغرت أن تتدخل: “سيدي توم، أنت تكذب! كنتَ…”، لكنّ توم آلن أسكتها برفعةٍ من يده وأخذ يحدّق في نِس. لعلّه في هذه اللحظة تذكّر الندوب على كتفيها، وكيف أنها جعلت زوجته تستلقي في الفراش طوال ذلك اليوم، وأفسدت شهيّته عن العشاء أسبوعًا كاملًا. ولعله أخذ يتفكّر في الفِعلة التي يمكن أن يقوم بها زنجيّ ما فيستحقّ عقابًا كالذي حلّ بجسدها، إذ ما الذي قد تتجاسر زنجيّة مثلها على فعله. وهناك كان ابنه ساقطًا على الأرض متسخًا بالتراب، والطفلة البكماء تبكي. كانت نِس متيقّنة من وضوح الموقف أمامه، غير أنّ ذكرى ندوبها هي التي حرّكت فيه الشكوك. زنجيّة بتلك الندوب على جسدها، وابنه طريح الأرض: قُضي الأمر إذًا.

          قال مخاطبًا نِس: “سوف أتصرف في هذا الأمر قريبًا”، فأخذ الجميع يتساءل عما يمكن أن يحدث.

في ذلك المساء عادت نِس إلى مهجعها، زحفت إلى فراشها وأغمضت عينيها في انتظار أن تتوقف الصور التي تتراقص خلف جفنيها كي يحلّ الظلام. إلى جانبها كانت حازوقات پنكي قد بدأت.

          تبرّمت إحدى النساء: “يا رب، بدأنا مرة ثانية! ليس كفاية تعب اليوم؟ لا نرتاح إذا بدأ هذه البنت تحزق”.

          أطبقت پنكي يدها على فمها خجلًا، وكأنها بذلك يمكن أن تصنع حاجزًا لصوت الحازوقات. فهمست لها نِس: “لا تفكري بها. التفكير يجعلها أسوأ”. ولم تكن نِس تعرف ما إذا كانت تتحدث إلى پنكي أم إلى نفسها.

          عصرت پنكي عينيها بقوّة، فانفجرت سلسلة من الحازوقات من شفتيها. فقالت نِس لجوقة الأصوات المتبرّمة: “اتركوها”، وكان ذلك. فالأحداث التي جرت ذلك اليوم غرست لنِس بذرة إكبار وإشفاق بين العبيد ظلّت ترتوي باحترام النساء لها. لم يكنّ يعرفن ما الذي سيقدم عليه توم آلن.

          ليلًا، حين جاء النوم أخيرًا، تقلّبت پنكي في الفراش وغاصت في بطن نِس الناعمة. سمحت نِس لنفسها باحتضان الصبيّة، وسمحت لأفكارها بالانحراف بعيدًا باتجاه الذاكرة.

          نِس في “الجحيم” مرة أخرى. تجد هناك نفسها متزوجة من رجل يُدعى (سام)، لكنه في الحقيقة قادم من أوروبا ولا يفقه الإنجليزية. يفضّل سيد الجحيم، الشيطان شخصيًا ببشرته الحمراء وشعره الرمادي، أن يكون عبيده متزوجين، لأسباب تتعلق بـ”الضمان”. ولما كانت نِس جديدة على الجحيم ولم يطالب بها أحد بعد، فقد تقرر أن تُعطى للعبد الجديد سام كي تهدّئ من طبعه.

          أوّل الأمر لا يتبادلان حديثًا. نِس لا تفهم شيئًا من لغته الغريبة، رغم انبهارها به، إذ إنه أجمل رجل رأته في حياتها ببشرته الداكنة الناعمة جدًا حتى أنّ النظر إليها قد يساوي تذوّقها. هو ذاك الجسد الكبير المفتول، جسد الحيوان الإفريقي الذي يأبى على الحبس، حتى وإن كان مع هديته نِس. تعلم نِس جيدًا أن الشيطان لا بدّ وأن دفع مبلغًا كبيرًا لقاء هذا العبد، لذلك فهو ينتظر منه أن يؤدي أعمالًا شاقة، غير أنّ أحدًا لم ينجح في ترويضه. في يومه الأول تشاجر مع عبدٍ آخر، وبصق على الذي كان واقفًا يتفرج، ثم وُضع على منصةٍ وجُلد أمام الجميع حتى ملأت دماؤه ما يكفي لاستحمام طفل رضيع.

          يرفض سام أن يتعلم الإنجليزية، فيلاقي الجزاء على لسانه الذي لا يزال “أسود”، إذْ يعيده الشيطان كل ليلة إلى فراشه بجروح لا تكاد تبرأ حتى تنفتح من جديد. وذات ليلة، في واحدة من سَورات غضبه أخذ يحطّم مهجع العبيد، بما في ذلك غرفتهما التي تدمّرت بأكملها. وما إن يسمع الشيطان بما حدث حتى يأتي للعقاب.

          تقول نِس: “أنا فعلت هذا”. كانت قد قضت تلك الليلة مختبئة في الركن الأيسر من الغرفة تراقب هذا الرجل الذي قيل لها إنه زوجها، يتحوّل إلى الحيوان الذي يُقال له إنه هو.

          لا يبدي الشيطان أيّ رحمة، حتى وهو يعلم جيدًا أنها تكذب، ورغم محاولة سام مرة بعد مرة أن يتحمل مسؤولية ما فعل. تتوالى الضربات على نِس إلى أن يرتدّ السوطُ عن ظهرها غليظًا كالحلوى الدبقة، ثم تُركل إلى الأرض.

          يغادر الشيطان، وفي الغرفة سام يجهش بالبكاء ونِس لا تكاد تعي شيئًا من حولها. تخرج كلماته في دَعَوات ثقيلة محمومة، لكنّ نِس لا تفهم شيئًا منها. يحملها بحذر ويضعها على الفراش، ثم يغادر بحثًا عن مداوٍ شعبي على بعد خمسة أميال، فيأتي هذا بجذور وأوراق ومراهم يمسح بها على ظهر نِس وهي تُراوح ما بين الوعي والإغماء.  هي الليلة الأولى التي ينام فيها سام في الفراش إلى جانبها، وحين تصحو في الصباح على آلامها وقروحها التي لم تبرأ بعد، تجدهُ عند قدميها يتأمّل وجهها بعينيه الكبيرتين المتعبتين: “أم سوري”. أول كلمات إنجليزية يقولها لها، أول كلمات إنجليزية يقولها لأي أحد.

          في ذلك الأسبوع كانا يعملان في الحقل جنبًا إلى جنب. ورغم أنّ الشيطان لم يغفل عنهما، إلا أنه لم يمسسهما بسوء. في المساءات يعودان إلى الفراش، لكنّهما يستلقيان على جانبيه منفصلين. في بعض الليالي يخطر لهما أن الشيطان يراقبهما في المهجع، فيحتضنها سام في انتظار بندول الخوف الذي في قلبها أن يهدأ. مع الوقت ازداد مخزونه اللغوي، فأضاف اسمها و”اطمئني”، و”اهدئي”. وبعد شهر من الآن سوف يضيف كلمة أخرى: “أحبك”.

          في غضون شهر لا أكثر، وما إن تحوّلت الجروح على ظهريهما إلى ندوب جافة، حتى أتمّا زيجتهما. كان يحملها عاليًا فيُخيّل إليها أنها أصبحت واحدة من تلك الدمى التي تصنعها من الخِرَق كي يلعب الأطفال بها. لم يسبق لرجل أن اختلى بها، لكنها لا تنظر إلى سام على أنه رجل. فهو بالنسبة إليها أصبح شيئًا أكبر بكثير من مجرد رجل، أصبح برج بابل نفسه، ذاك الذي تَطاول حتى بلغ مقربةً من الرب فوجب إسقاطه. يمرر يديه على ظهرها المتقرّح ، وتمرر يديها هي أيضًا على ظهره، وشيئًا فشيئًا ما إن تستحيل اللمساتُ إلى قبضات حتى تنفتح الندوب من جديد. الاثنان داميان الآن، العروس والعريس، في هذا “القِران المقدّس” غير المقدّس. تنطلق أنفاسه من فمه إلى فمها، ثم يستلقيان معًا إلى أن يصيح الديك، إلى أن تحين العودة إلى الحقل من جديد.

          استيقظت نِس على إصبع پنكي ينكزها في كتفها. “نِس، نِس!”. التفتت هذه إلى وجه الطفلة، تحاول أن تخفي دهشتها. “رأيتِ حلمًا مزعجًا؟”.

  • لا.

“كأنك رأيتِ حلمًا مزعجًا”. قالتها الطفلة بشيء من خيبة الأمل، إذْ كان يحالفها الحظ أحيانًا فتحكي لها نِس بعض الحكايات.

  • كان مزعجًا. لكنه ليس حلم.

[1]  سوف يلاحظ القارئ في حوارات العبيد في هذا الفصل أنّ اللغة متخففة قليلًا من القواعد والتراكيب اللغوية المعتادة، وهذا مقصود لمحاكاة اللغة الإنجليزية الركيكة التي كان يتحدث بها العبيد في الفترة الأولى من وجودهم هناك. (المترجم).