Self-Portrait in a Convex Mirror – صورة ذاتيّة في مرآة محدّبة

لا أحد يكتب الشّعر مثل آشبري – بول أوستر

*

جون آشبري

صورة ذاتيّة في مرآة محدّبة

(وقصائد أخرى)

ترجمة غسان الخنيزي

يصدُر عن دار روايات – مجموعة كلمات في معرض الشارقة الدولي للكتاب 2018

010


من مقدّمة المترجم

يضمّ هذا الكتاب قصائد مختارة من ثمانية عشر ديوانًا من أصل سبعة وعشرين صدرت لجون آشبري على مدى ستين عامًا. وعليه فقد كان من بين التحديات الإطّلاع على مادتّه التي تنتشر على أزيد من ثلاثة آلاف صفحة توفّر بعضها ورقيًّا والآخر إلكترونيًّا عبر صِيَغ ومنصّات مختلفة. ومن الفهرست يتّضح إننا لا نقدّم سوى عيّنات ونماذج قليلة من أعماله واشتغالاته، فبعضها قصائد ذائعة الانتشار أُشبعَت درْسًا وتدريسًا، مثل “زهرة الليلك” لبُعدها الأسطوريّ، و”الصّمت أوْجَز” لبُعدها الاجتماعيّ، و”بعض الأشجار” لصفتها الاستعاديّة، وبعضها الآخر أُضيفَت لخصوصيّتها الأسلوبيّة، مثل “الرّوح الجديدة” و”فندق لوتريامون”، ومن ثم تأتي غيرها ممّا تظافرت قابليّتها للترجمة مع الذّائقة الشخصيّة.

اطّلعتُ على شعر آشبري في مطلع الألفيّة. واستغرق الأمر فترةً للتقرّب من نصوصه ومُناوشة بعضها ترجمةً، وإن من باب تزجية الوقت، وقد شدّني ذلك السّحر والدهشة والمُتعة والرّضا في قراءة وترجمة نصوص مثل “سوناتا زرقاء” و”منازل بطابق واحد” و”صدى متأخّر”، بما تقدّمه من ثراءٍ في التخليق الصوري، والتراكيب اللغوية السيّالة، والزّخم المعتمد على التلميح والمداورة وتعدّد المرجعيّات؛ نصوص مفتوحة على السماء الشاسعة للمعنى بنَفَس غنائيّ حميمي؛ جامِع ومشترك، فيه زهو التمكّن وتواضع الرّوح.

 


“صورة ذاتيّة في مرآة محدّبة هو حتمًا أحد أرسخ دواوين الشّعر الأمريكي وأكثرها تأثيرًا على الأجيال الشّعرية بعده”

– واشنطن بوست

“آشبري هو الأدعى للنجاة في امتحان الزّمن بين كُتّاب الشّعر بالإنجليزية كافّة”

– هارولد بلوم


تاريخ حياتي

في يوم من الأيّام كان هناك شقيقان.

ثم كان هناك واحدٌ فقط: أنا نفسي.

كبُرت بسرعة خاطفة، حتى قبلَ أن

أتعلّم القيادة. كنتُ هناك: شخصًا بالغًا ونَتِنا.

فكّرتُ في تنمية اهتماماتٍ

قد تُلفت نظرَ أحدٍ ما. لا من صابون.

أصبحَت دمعتي منسكبة في ما يُفترض أنها

سنوات الشّباب البَهيجة. وكلّما

كبُرت، أصبحتُ أيضًا مُتساهلا أكثر

في ما يخصّ معتقداتي وأفكاري،

مُعتبرًا أنّها على الأقلّ بجودة أفكار أيّ شخص آخر.

ثم أتتْ سحابة كبيرة شَرِهة

ولبثتْ في الأفق، مُرتشفةً

إيّاه، لزمن بدا أشهُرًا أو سنوات.

 

هذه الغرفة

الغرفة التي دخلتُها كانت حُلمَ هذه الغرفة.

حتمًا كُلّ آثار الأقدام على الأريكة هي لي.

الصّورة الشخصيّة البيضَويّة

لكلبٍ هي صورتي في عُمر مبكّر.

شيء ما يتلألأ، شيء ما قد اِمّحَى.

كنّا نأكل المعكرونة ظُهر كلّ يوم

ما عدا الآحاد، عندما يُستجلب طائرُ سمّان صغير

كيما يُقدّم إلينا. لماذا أُخبرك هذا كلّه؟

أنت لست حتى هنا.

 

شغَب الطيور

نتحرّك على طول الطريق عبر القرن السّابع عشر.

الفترة الأخيرة منه على ما يرام، أحدث كثيرًا

من سابقتها. الآن لدينا مَلهاة استرداد المَلكيّة.

كان وبستر وشكسبير وكورنيل مناسبِين

لعصرهم إنما ليسوا حديثين بما يكفي،

وإنْ مثّلوا ارتقاءً عن القرن السادس عشر

الخاصّ بهنري الثامن، ولاسوس وبيتروس كريستوس، اللذين، ويا للمفارقة،

يبدوان أحدث من خلفائهما المباشرين،

تينديل، موروني، ولوكا مارينزيو بينهم.

المسألة غالبًا هي أن “تبدو” حديثًا، لا أن “تكون”.

أن تبدو هو أمرٌ يغدو أحيانًا، مِن ساعة لأخرى

على القدْر نفسه من الاعتبار كأن تكون. أكانَ ذلك أفضلَ طوال الوقت

فتلك مسألة من الأجدى تركُها للفلاسفة

وأمثالهم، الذين يعرفون الأمور

بطريقة لا يمكن للآخرين معرفتها، رغم أن تلك الأمور

هي غالبًا وتقريبًا نفسها التي نعرفها.

نحن نعرف، مثلًا، كيف أثّر كاريسيمي على شاربنتيير،

وكيف عايَر المقطوعات الموسيقيّة بإضافة لازِمة في نهايتها

لتجلب الأشياءَ إلى البداية، إنما على مستوى

أعلى قليلًا. اللازمة فكرة إيطاليّة المنشأ،

جُلبت إلى البلاط الفرنسيّ وقُوبلت بازدراء بدايةً،

ثم قُبلت دون أيّ إشارة إلى مكان

منشئها، كما هي عادة الفرنسيين.

ربما تعرّف البعض عليها

في شكلها الجديد – وهذه مسألة يمكن تأجيلها

حتى قرن آخر، عندما يدّعي

المؤرّخون أنّ كلّ شيء حدث كالعادة، نتيجة للتاريخ.

(ولعصر الباروك أسلوبه في التدحرج علينا

كلّما ظننّا أنه قد حُفظ بعيدًا بأمان.

والعصر الكلاسيكي يتجاهل ذلك، أو لا يمانع كثيرًا.

لديه أشياء أخرى في خلدِه، ذات أهميّة أقل،

كما تبيّن) ومع هذا، فنحن على حقّ في مواكبته،

متطلّعين بفارغ صبر إلى الحداثة، حين

تتظافر الأشياء كلّها نحو الأحسن، بطريقة أو بأخرى.

وحتى ذلك الحين فمن الأفضل الانغماس بحواسّنا

في كل ما احتسبوه مناسبًا: فهذا الحذاء،

وهذا الخيط لربط الحذاء، سوف يبدوان من الأمور النافعة

عندما يُنَصّب الحضورُ المتأمّل للحداثة

في كلّ مكان، مثل مخلّفات مشروع إنشائيّ.

من الجيّد أن تكون حديثًا إذا كنت قادرًا على احتمال الأمر.

فذلك يشبه أن تُترَك وحيدًا تحت المطر، وتصلَ

إلى معرفة أنّك كنت دائمًا على هذا النحو: حديثًا،

مبّللًا، مهجورًا، إنّما معيّةَ ذلك الحدْس الخاص

الذي يجعلك تُدرك أنه لم يكنْ من المقصود

أن تكون شخصًا آخر، لأجله يمْثُل

صُنَّاع الحداثة للمساءلة

حتى وهم يذوون ويتلاشون في وهج الحاضر.