The Comfort of Strangers الارتياح للغرباء

آيان مكيوان

الارتياح للغرباء

ترجمة أحمد العلي

يصدُر عن دار روايات – مجموعة كلمات في معرض الشارقة الدولي للكتاب 2018

009


ملخّص

تُثبت “الارتياح للغرباء” أن الآداب والعلوم الاجتماعيّة، معًا، تقدّمان فهمًا جديدًا لما يسمّى “أدب الكثافة الاجتماعية” بتقديم تحليلات ومعالجات حول تفضيل الفرد الخيار النّادر على الشّائع (أو العكس)، والصّدق الحميم الذي يفيض منه مع غريبٍ ما دون أهله وأصحابه. حول علاقاته العابرة اليوميّة الحدوث (وصْلًا وقطعًا)، وشعوره بالخفّة طالما أن هويته مجهولة لمن أمامه. الحياة وسط غرباء في الشارع والسّوق والحيّ، تجربة مدنيّة جديدة في التاريخ الإنساني، وأنتجت أنواعًا جديدة من العلاقات الاجتماعية، وأعادت تشكيل أخرى، بما يوافق القوّة الجديدة الكامنة في يد الفرد الناتجة عن وهن الأواصر بينه وبين الناس وعلاقاتهم. إنها قصّة سفر كولين وماري خلال إجازتهما، وانحباسهما معًا داخل كبسولتهما الحميمة في بلدٍ غريب يجتاحه السيّاح. يشعران أنّهما لا يعرفان بعضهما، ويغدو الواحد منهما يهتمّ بمظهره وملابسه كأنّ هناك من ينتظره في الخارج. يومًا ما، يلتقون رجلًا مُريبًا يحمل قصّة غريبة ليرويها، فينجذبان إلى عوالم خياليّة من الحُب والشّغَف، والسّاديّة الجامحة أيضًا.


القائمة القصيرة لجائزة مان بوكر البريطانيّة.

“القارئ لن يترك الكتابَ حتى ينهيه، فهُنا مشعوذٌ يتلو عليه سحرًا أسود” – The New York Times

“حكاية آيان مكيوان بسيطة مثل رجفة، لكنها لا ترتجف بدورها، وهذا ما سيدفعك أنت للارتجاف” – London Review of Books


مقتطف

ربما، لو كان كلّ واحد منهما وحده، لأمكنه اكتشاف المدينة بمُتعة، ستكون النّزوة دليله، سيُسلم نفسه للطّرقات، ولن يأبه أكان تائهًا أم لا، ولربما أفرحه ذلك. ثمّة ما يُكتشَف هنا، الكثير منه، على المرء أن يتنبّه فقط ويُبقي ذهنه مشتعلًا. لكنّهما يعرفان بعضهما معرفتهما نفسَيهما. والحميميّة التي بينهما، الأشبه بحقائب أمتعة كثيرة يتوجّب عليهما حملها، كانت مصدر قلقٍ لكليهما. ولهذا فهما، رفقة بعضهما، يسيران ببطء، بتثاقل – كأنهما يؤدّيان لبعضهما تسوياتٍ جنائزيّة – وينتبهان لانعطافات مزاجَيهما الدقيقة، ويجبران الكسور. لا يصبح الواحد منهما حسّاسًا إذا كان وحده، ولا يرى في أيّ كلمة أو حركة بسيطة إهانة له. لكنهما، إذا باتا معًا، يفاجِآن بعضهما بإهانات بطُرُق وأساليب لم تكن متوقعة. ثم يغدو المُسيء – حدث ذلك مرّتين منذ وصولهما – متوترًا، لأنّه لا يعرف هل أكثر من استرضاء المُساء إليه بما أشعره بالتقزّز؟ ولذلك سوف يتابعان بصمت اكتشاف أزقّة المدينة الملتوية، وانفراجاتها المفاجئة المُفضية إلى مساحات عامّة واسعة. وهكذا، مع كل خطوة يخطوانها داخل المدينة، فإن المدينة تبتعد عنهما، تبتعد بقدر ما ينغلق الواحد منهما عن الآخر وهما معًا.

نهضت ماري، مُنهيةً بذلك جلسة اليوغا. وبعد أن أمعنت طويلًا في اختيار ملابسها الداخلية، راحت ترتدي ثيابها. من خلال النافذة الفرنسية نصف المفتوحة، أمكنها رؤية كولين في الشّرفة، مرتديًا ملابسه البيضاء كاملةً، يتمدّد في كرسيّ بلاستيكيّ طويل للمسابح، ويدُه مُرخاة، تتدلّى قُرب الأرض. أخذَ نفسًا، ثم أمال رأسه وكتم نفَسه. وأخيرًا نفخ الدخان خلال أصص زهور إبرة الراعي، التي تتراصف مزيّنة سور الشّرفة. إنّها تحبه، لكن ليس في هذه اللحظة. ارتدت بلوزة حريريّة وتنّورة قطنيّة بيضاء. وعندما همّت بالجلوس على حافة السّرير كي تعقد خيوط صندلها، التقطت خريطة المدينة من منضدة السرير. وفقًا للصور، فإن المناطق الأخرى من هذه البلاد تحوي مروجًا وهضابًا وشطآنًا دون مرتادين، وثمّة طريق يشق غابةً من وسطها، ويتلوّى طويلًا لينتهي عند بحيرة خلّابة. بينما هنا، في هذا الشّهر الوحيد من العام الذي تكون فيه حُرّة دون عمل، فإن التزامها كان بزيارة المتاحف وارتياد المطاعم. طقطق كرسيّ كولين، فانتبهت ماري وخفّت إلى مرآة الزّينة، وشرعت ترجّل شعرها بضربات قصيرة قاسية.

جلب كولين معه، إلى الداخل، ما تبقّى من دُخَيْنَة الماريوانا المشتعلة، وعرضها على ماري، لكنها رفضت – كان رفضًا سريعًا، همهمةً: لا شكرًا – دون أن تستدير إليه. لكنه لم يبتعد عنها، بل تلكّأ واقفًا خلف مقعدها، ناظرًا إليها في المرآة معها، يحاول اصطياد نظرة عينيها. لكنها بقيَت تنظر باستقامة وجديّة إلى نفسها، وتابعت ترجيل شعرها. أجرى إصبعه على دائرة كتفها، فالصّمت لابد له أن ينكسر، طال الوقت أو قصر. هَمّ كولين بالذهاب، لكنّه عدل عن رأيه. فسعل وتنحنح، ثم أراح كفّه على كتفها. الغروب في الخارج يوشك على المثول، لكن ثمّة نقاشات في الداخل لا بدّ من إعادة فتحها. إنّ تردّده في طرحها، أو إحجامه عن فتح أيّ من تلك النقاشات، هي دُخَيْنَة الماريوانا، لقد دفعته إلى حَيرة لا مخرج منها: فلو ابتعد الآن عن ماري، بعد أن وضع كفه على كتفها، فإنّها قد تشعر بالإهانة… لكن ها هي مستغرقة في ترجيل شعرها دون حاجة إلى كفّة، وبدت كأنها تنتظره أن يبتعد عنها… لماذا؟ ألأنّها استشعرَت حيرَته وتردّده في البقاء جوارها، فأحسّت بالإهانة؟ لكن هل كان حقًّا محتارًا؟ وكي تزداد الأمور سوءًا، أجرى كولين إصبعه على طول عمودها الفقري. إنها الآن تقبض على المشط بيد، وفي راحة اليد الأخرى المفتوحة تقبع الشّعيرات المنزوعة جرّاء الترجيل، هكذا، وما زالت تنظر إلى نفسها في المرآة. مال كولين نحوها وقبّل ظهرَ عنقها، وعندما رآها لا تعير وجوده أيّ اهتمام، قطع الغرفة مُطلقًا زفرةً مرتفعة، وعاد إلى الشُرفة.

استوى كولين على كرسيّه، تعلوه قُبّة هائلة الاتساع من السماوات الصافية. زفرَ مرّة أخرى، لكنّها هذه المرّة زفرة راحة. توقف عمّال المراكب عن الطّرق، ووضعوا أدواتهم جانبًا، ثمّ تفرّقوا في مجموعات تواجه الغروب وتدخّن السجائر. أمّا النزلاء في المقهى العائم، فقد بدأوا يحتسون الشّراب كي يفتحوا شهيّتهم أكثر لتناول الأطعمة، فباتت أحاديثهم خافتة ومتواصلة. قرقعة مكعبات الثّلج في كؤوسهم مسموعة، وكذلك نقرُ كعوب أحذية النادلات الحصيفات، شبه الميكانيكي، على أرضيّة المقهى الخشبيّة. نهض كولين ومدّ نظره إلى عابري الشارع أسفل الفندق. سُيّاح، أكثرهم مُسنّ، في أأْنق حُلَل الصّيف وأزياءه، يقطعون الرّصيف ببطء الزواحف. ومن حين إلى آخر، يتوقّف زوجان عن السّير ينظرا باستحسان إلى النزلاء في المقهى العائم، يحتسون الشّراب بينما تنتصب خلفهم ستارة عملاقة من الغروب والمياه الأرجوانية. أحد المسنّين أوقف زوجته أمام المقهى، ثم انحنى بفخذين هزيلين مرتعشين كي يلتقط لها صورة. مُحتسو الشّراب على طاولة خلف المرأة مباشرة رفعوا كؤوسهم بلُطفٍ بالغ للكاميرا. لكن المصوّر، السّاعي إلى التقاط عفويّة الأجواء، استقامَ ولوّح بيده الثانية لهم محاولًا إعادتهم إلى ناصية وجودهم العفويّ غير المبالي. وفقط حين فقدَ محتسو الشّراب الاهتمام بالأمر – كانوا جميعهم شُبّانًا – رفع المُسنّ الكاميرا وقرّبها من وجهه، ثانيًا رجليه الرّاعشتين مرّة أخرى. لكن زوجته حينها كانت قد ابتعدت قليلًا عن مكانها السابق، وانشغلت بالتنقيب داخل شيء ما في يدها، مُعطيةً الكاميرا ظهرها لتقابل الغروب، سامحةً لأشعة الشمس الأخيرة بإضاءة جوف حقيبة يدها. صاح عليها زوجها، فعادت إلى مكانها بخفّة. لكنّ صوت انطباق حقيبة اليد أثار من جديد اهتمام الشُبّان إلى الزّوجَين، فعادوا إلى الحياة. استووا جميعًا على كراسيهم، ورفعوا كؤوسهم وتبسّموا ابتسامات واسعة بريئة. وبزفرةٍ عالية وامتعاظ واضح، جذب الرّجل ذراع زوجته بعيدًا عنهم، لكنّهم لم يلحظوا ذلك، بل صاحوا بغتة بأنخابهم وقرعوا كؤوسهم ووزّعوا الابتسامات فيما بينهم.

ظهرت ماري عند النافذة الفرنسيّة حيث كولين، مرتدية سترة محبوكة من الصّوف، مهفهفة، معلّقة على طرفَي كتفَيها. فاستثاره ذلك، وبتجاهل لقواعد اللعبة الدائرة بينهما، راح يروي لها الدراما القصيرة التي حدثت للتوّ في الشارع. وقفَت إلى سور الشُرفة، وراحت تتأمّل الغروب بينما يُنهي كلامه. لم تنقُل نظرتها إليه عندما أشار إلى الشبّان حول الطاولة في الأسفل، بل أومأت إيماءة واهنة وحسب. لم يستطع كولين بلُطف أن يُعيد تصوير سوء الفهم والخلافات المُبهمة التي تُشكّل، وِفقًا له، أساس قصّة الشبّان والمُسنّ. بل وجد نفسه، عوضًا عن ذلك، يضخّم أحزانها الصّغيرة، ويصنع منها مسرحيّة ڤودڤيليّة ، ربما كي يجذب انتباه ماري. لقد وصف الرّجل المسنّ بأنّه “طاعن في السنّ وهزيل بشكل مُدهش” بينما زوجته “معتوهة فوق كلّ تصوّر” وشُبّان الطاولة “ثيرانٌ بَليدة” وحوّل زفرة المُسنّ وامتعاظه إلى “صرخة غضب عارمة بشكل مُدهش”. في الحقيقة، إن استعماله المتكرّر لعبارة “بشكل مُدهش” يُشير إلى خوفه من أنّ ماري قد لا تصدّقه، أو أنّه هو لم يصدّق نفسه. عندما انتهى، ابتسمت ماري نصف ابتسامة وأطلقت همهمةً قصيرة، وتابعت صمتها.

كلاهما يقف على مسافة بضع أقدام من الآخر، يحدّق في امتداد المياه بصمت. الكنيسة الضخمة الواقفة وراء قناة المياه الواسعة، باتت الآن أشبه بالظّلال، وعبَرَ القناَة جوارها رجُلٌ في قارب ضيّق، كان يُعيد نظّارته إلى محفظتها، ثم جثا ليعيد تشغيل المحرّك. شارَة الفندق الخضراء تعلوهما إلى اليسار، تحمل أضواء نيون تُصدر طقطقة عالية متّصلة مصحوبة بأزيز خافت. ذكّرَت ماري كولينَ أنّ الوقت سيتأخّر إن لم ينطلقا فورًا قبل أن تُغلق المطاعم أبوابها. فوافقها، لكنّهما لم يتحرّكا. جلس كولين على أحد كراسي المسابح الطويلة تلك، ولم يمضِ من الوقت الكثير حتى جلست ماري على أحدها أيضًا. صمتٌ قصيرٌ آخر، ثمّ مدّ كلّ منهما يده نحو الآخر. يعتصر واحدهما كفّ الآخر، فيُجيبه بمثلها. قارَبَا بين كرسيّيهما، وهمسا معتذرَين. راح كولين يتحسّس نهدَي ماري، فقبّلت شفتيه أوّلًا، ثمّ بنعومة – وأمومة بطريقة ما – قبّلت أنفَه. تابَعا الهمس والتقبيل، ثم نهضا واحتضنا بعضهما، وعادا إلى غرفة النوم، حيث تعرّيا في الظُّلمة الشّفيفة.

ما عاد الجنس بينهما شغفًا محلول الوثاق. لقد غدت المُتعة في بُطئه دون عجَل؛ في اللطافة؛ في أُلفَة طقوسه وأساليبه؛ في الأمان، حين ينطبق الجسدان وتتداخل الأطراف بدقّة؛ في الرّاحة، كأنّ واحدهما قالَب والآخر قد صُبّ فيه. كانا سخيّين على بعضهما ومُسترخيين، لا إلحاح ولا ضجّة. ليس لمضاجعتهما بداية واضحة أو نهاية، وغالبًا ما يُنهيها، أو يعترضها، النوم. يُنكران لبعضهما، دومًا وبسخط، أنّ الجنسَ بات مُملًّا. ويزيدان أحيانًا بالقول إنّه يصعب حينها على واحدهما الشّعور بأن الشخص الآخر كائنٌ منفصل عنه. عندما ينظران إلى بعضهما خلال اشتباكهما، كأنهما ينظران في مرآة مضبّبة. وعندما يتحادثان عن أصول الجنس وسياساته، لم يكونا يقصدان من كلامهما نفسَيهما. إنّه هذا التواطؤ، تحديدًا، ما جعل الواحد منهما حسّاسًا وهشًّا تجاه الآخر، ويُجرَح بسهولة عندما يكتشف من جديد أنّ حاجاته ورغباته تختلف الاختلاف كلّه عن رغبات الآخر وحاجاته. كانا يُديران تلك المحادثات في داخلهما بصمت، ثمّ تأتي ساعة الاسترضاء وتسوية الخلافات، مثل هذه السّاعة التي يكونان فيها في أشدّ حالات الشدّ والجذب، فيغدوان ممتنّان لها بعُمق.