What we Talk About When We Talk About Love عمّ نتحدّث حين نتحدّث عن الحُب

ريموند كارفر

عمّ نتحدّث حين نتحدّث عن الحُب

ترجمة سلطان فيصل

تحرير أحمد العلي

يصدُر عن مجموعة كلمات في معرض أبوظبي الدولي للكتاب 2018

love


تقديم

تأمّلات عميقة في الحُب والخسران والتعاطف. تأخذ القصص مشاهدها من مناطق مألوفة للجميع لكنّها معزولة في الوقت نفسه، بين رجال ونساء عاديين نلتقيهم يوميًّا، يشربون ويصطادون ويلعبون الورق، منتظرين الوقت أن يمضي وحسب.

بحسّه الحادّ الدّقيق، وأسلوبه التبسيطيّ الذي عُرِف به، كتب كارفر هذه المجموعة القصصية التي وضعته في مصافّ أكثر المؤثّرين في المشهد الأدبي في الثمانينات الأمريكيّة. وقد أُعيدَت إلى الأضواء مؤخّرًا في فيلم Birdman الحائز على أربع جوائز أوسكار عام 2015 لأنّ قصّة الكتاب الرئيسيّة (عمّ نتحدّث حين نتحدّث عن الحب) تشكّل قلب الفيلم وما تدور حوله أحداثه.


“من بين أفضل كُتّاب القصة القصيرة على مرّ العصور”

The Guardian

“أنجز كارفر ما يُخفق في إنجازه كثيرٌ من الأدباء؛ لقد ابتكر بلادًا له وحده…”

The New York Times

“كثيرٌ من الكُتّاب هم محطّ تقدير، واحترام، واحتفاء أحيانًا. لكن قليلًا منهم، ومن بينهم كارفر، محبوبون…”

New York Review of Books


أستطيع رؤية الأشياء الصغيرة

 

كنت على السرير حينما سمعت صوت البوّابة، أنصتُّ بعناية.

لم أسمع شيئاً آخر غير ما سمعت، حاولت إيقاظ كليف، كان غارقاً في النوم، لذا قمت أنظر، البدر يطلّ على المرتفعات ونوره يضيء المدينة، كان بدراً أبيض تخطه ندبات.

وكأن وجه إنسان رُسِم عليه.

نور القمر السّاطع كشف ساحة منزلنا: الكراسي الخارجية، والشجيرات، وحبل الغسيل المشدود بين الأعمدة، وزهور البتونيا، والأسوار، بينما بوّابة المنزل الخارجية مفتوحة على مصراعيها.

المكان ساكن بلا حركة، ولا ظلال مخيفة، نور البدر طال كل شيء، فبات بإمكاني رؤية الأشياء الصغيرة، حتى ملاقط الغسيل -على سبيل المثال- فوق الثياب المعلقة.

وضعت يدي على زجاج النافذة لأحجب نور البدر، حاولت حجبه أكثر بيدي مرة أخرى، ثم أرسلت سمعي إلى ما يجري في الخارج، بعدها عدت إلى السرير، لكنّي عجزت عن النوم، تقلبت على الفراش، كان ذهني مشغولاً بالبوابة المفتوحة.

كليف يتنفس بصوتٍ مقرف: فمه مفتوح، ويحضن صدره بذراعيه، وكان يحتلّ أجزاءً من مكاني على الفراش.

دفعته، لم يتزحزح.

حاولت حتى تيقنت ألّا أمل من تحريكه. لَبستُ الخُفَّ، وذهبتُ إلى المطبخ كي أعدَّ كوباً من الشاي، جلست على طاولة الطعام، ودخنت إحدى سجائر كليف.

الوقت كان متأخراً، لا أود النظر إلى الساعة، شربت كوب الشاي، ودخنت سيجارة أخرى، ثم قررت الخروج لإغلاق البوابة الخارجية.

لذا لبست معطف النوم.

البدر ينير الأرجاء: البيت والأشجار والأعمدة وأَسْلاك الكهرباء، إنّه ينير العالم كله. أرسلتُ نظرة نحو الساحة الخلفيّة قبل أن أخطو في رواق البيت، نسمات من الهواء البارد جعلتني أُحكِم إغلاق معطف النوم.

مشيت نحو البوابة.

ضجيج يصدُر بالقرب من سور جارنا سام لاتوين. دقّقت النظر. كان سام يستند بذراعه على سور منزله. ضُرِبَ بيننا بِسُورين. يخرج من صدره سعال جاف.

“طبتِ مساءً نانسي،” قال سام.

“سام! لقد أخفتني!”

“ماذا تفعلين هنا في هذا الوقت؟!” سألني.

“سمعت صوت بوّابتنا تُفتَح،” أجبته.

“لم أسمع شيئاً، ولم أرَ شيئاً، لعلّ الرياح فتحتها”

كان يعلك شيئاً، نظر نحو البوّابة ورفع كتفيه.

بدى شعره مغمورًا باللون الفضي تحت نور القمر ومنتصباً فوق رأسه. يمكنني رؤية أنفه الطويل، والتجاعيد على وجهه الحزين.

اقتربت من سور البيت. “ما الذي تفعله الآن يا سام؟” سألته.

“أبحث عن شيء ما”، قال.

“سآتي ناحيتك،” قلتُ.

منحت نفسي الفرصة. سرت بمحاذاة سور البيت، أجد نفسي مضحكة وأنا بملابس النوم الداخلية يغطيها المعطف، قلت في نفسي لا بدّ أنّي سأتذكّر هذا الموقف دائماً، السّير خارجاً بهذه الملابس.

توقف سام بمحاذاتي من جهة سور منزله، بيجامة نومه القصيرة تُظهر نعله الأبيض البنيّ، كان يحمل مصباحاً بيد، وبالأخرى عُلبة.

كليف وسام كانا صديقين، وفي أحد الأيام ثملا، فتبادلا الشتائم، بعدها قام سام ببناء سور يفصل بيته عن بيتنا، وكليف هو الآخر بنى سوراً إضافياً من جهتنا يفصل بيتنا عن بيته.

كان ذلك بعد أن فقد سام زوجته الأولى ميلي، ثم تزوج امرةً أخرى، وصار أباً مرة أخرى، كل ذلك حدث بين ليلة وضحاها، الراحلة ميلي كانت صديقة مقربة حتى توفيت في الخامسة والأربعين من عمرها، توفيت إثر سكتة قلبية، أصابتها عند مدخل البيت، لحظتها صدمت بسيارتها مرآب بيتهم.

“انظري إلى هذا”، قال سام.

رفع بيجامته ونزل نحو الأرض، ثم وجّه مصباحه نحو شيء ما. نظرت فوجدت دودة تزحف على مرتفع من الرمل. قال “حشرة البُزاق، للتو رششتها بهذا المبيد”. كان يحمل في يده علبة مبيدات يخيل لي أنها من نوع أجاكس. قال “الحشرة تحاول المقاومة”. يكلمني بينما يمضغ شيئاً في فمه. بصقَه. قد يكون تبغاً. أكمل كلامه “لذا علي أن أضع الحشرة في هذه القارورة، لضمان موتها”. وجّه المصباح نحو القارورة التي يحملها، كانت ممتلئة بحشرات البزاق، قال “أضع لهم الطعم، وكل فترة آتي كي أرى، موت البُزاق جزاءً لجرائمهم، انظري داخل القَارُورَة”.

نهض من مكانه. أمسك يدي وسار بي نحو شجيرات الورد. أراني ثقوباً صغيرة في أوراقها، علَّقَ قائلاً “حشرة البُزاق”. ثم تابع “سرت بالمبيد في كل محيط الحديقة، أضع الطُّعْم، ثم أعود كي أرى النتيجة، كم هي سيئة هذه الحشرات، لدي قَارُورَةُ مَمْلُوءة بالبُزاق”.

ثم سطع بضوء المصباح ناحية أغصان شُجَيْرَات الورد.

طائرة رُكّاب تُحلّق فوقنا، أتخيّل الناس فيها جالسين إلى مقاعدهم رابطين أحزمتهم، بعضهم يقرأ، وبعضهم الآخر يحدّق نحو الأسفل. سألتُ سام “كيف حال الجميع؟ هل هم بخير؟” رفع كتفيه وأجاب “هم بخير”. سألني وشيئاً ما في فمه يمضغه “كيف حال كليف؟”. أجبته “هو كالمعتاد”.

حدّثني قائلاً “بعض الأحيان، وأنا هنا، خلف حشرات البزاق، أتمنى أن يعود كليف صديقاً مرة أخرى”. أخذ نفساً عميقاً، وتابع “انظري الآن، هذه حشرة بزاق أخرى، هنا، حيث أشير بضوء المصباح”. مدّ عصاه نحو الحشرة اللاصقة بغصن شُجَيْرَة الورد، قال لي “انظري الآن”. وضعتُ يدي على صدري، انحنيتُ حيث يشير بالضوء، الشيء الصغير توقّف عن الحركة وراح يحرّك رأسه يمنة ويُسْرة، ثم رشّها بمسحوق المبيد. قال سام “مُقرِفة”. حمل الحشرة بمِجْرفة صغيرة ووضعها في القارورة.

قال “لقد أقلعتُ عن التدخين”. واصل قائلًا “منذ فترة توقّفَت حشرات البزاق عن الظهور، ثم عادت، لا أعلم من أين تأتي! وما زلت أكافحها حول البيت، هذا كل ما يمكنني فعله”.

أومأتُ برأسي.

نظرَ نحوي. أطال النظر.

“يتعيّن عليّ العودة إلى بيتي،” قلت له.

“بالتأكيد، أنا سأكمل عملي هذا، وحين أنتهي سأعود إلى بيتي أيضًا،” قال.

“مساء جميل أتمناه لك يا سام” ودّعتُه.

“اسمعي،” قال. توقّف عن علك ما في فمه، وأكمل “بلّغي كليف تحيّاتي”.

قلت “سأبلغه يا سام”.

سرّحَ سام شعره الفضي بيده، كأنه يود أن يسوّيه، ثم استدرك ولوّح مودّعًا.

في غرفة النوم، نزعتُ المعطف وطويته، ثمّ وضعته في مكان قريبٍ منّي. تأكّدتُ من أنّ منبّه السّاعة مُدار، تجنّبتُ النظر إلى عقاربها. دخلتُ فراشي، سحبتُ اللحاف، وأغمضتُ عينيَّ.

فتحتُ عينيَّ، واضطجعت هناك، نقرت كليف لينزاح، مسح فمه، ثم بلع ريقه، كحّ، ثم مسح ما سال من لعابه عن صدره.

لا أعلم كيف، لكن مرأى كليف دفعني للتفكير في الحشرات التي يرشها سام بالمبيد!

فكّرتُ لحظةً في العالم خارج هذا البيت، ولم تكن في بالي فكرة أكثر إلحاحاً من فكرة الاستعجال في النوم.

 

عالم الميكانيكا

مبكّرًا في ذلك اليوم، تبدّل الطقس وذاب الثلج متحوّلًا إلى ماء قذر. خطوط من الماء ذاك تنساب من نافذة صغيرة يصل علوّها إلى مستوى الكتف، وتُطلّ على الفناء الخلفي. السيّارات تعبر الشوارع مُصدرةً صوت نثْرها المياه من حولها. وبينما الظّلام راح يهبط في الخارج، ثمّة سِواهُ ظلامٌ آخر حلّ في الداخل.

هو في غرفة النوم، يحشر ملابسه في حقيبة الثياب حين جاءت إلى الباب.

“أنا مسرورة لرحيلك، أنا مسرورة لرحيلك…” قالت له. “ألا تسمع؟”

واصل وضع أغراضه في حقيبة الثياب

“يا ابن العاهرة، أنا مسرورة لرحيلك!” وشرعت تبكي. “أنت لا تجرؤ حتى على النظر إلى وجهي، أتقوى على ذلك؟”

انتبهت حينها إلى صورة الطفل على السرير. فتناولتها.

راح يحدّق بها. فمسحت عينيها وراحت تحدّق بها قبل أن تعود إلى صالة الجلوس.

“أعيدي الصورة إليّ،” قال.

“خُذ أغراضك فقط وانصرف،” قالت.

لم يجبها. أغلق حقيبته، ولبس معطفه. تفقّد غرفة النوم قبل أن يُطفئ أنوارها، ثم خرج نحو صالة الجلوس.

وقفت عند مدخل باب المطبخ الصّغير حاملةً الطفل.

“أريد الطفل،” قال.

“أأنت مخبول؟” قالت.

“كلا،” قال. “لكنّي أريد الطفل، وسأبعث أحدهم ليأتي ويأخذ أغراضه لاحقًا.”

“لن تلمس الطفل،” قالت.

بدأ الطفل في البكاء، فأماطت البطانيّة عن رأسه.

قالت: “أَوَّه، أَوَّه،” ناظرةً للطفل.

تقدّم نحوها.

“من أجل الله،” قالت.

ثم خطت للوراء نحو المطبخ.

“أريد الطفل.”

“اخرج من هنا!”

استدارت محاولةً الاحتفاظ بالطفل في زاويةٍ خلف الفرن.

توجّه نحوها، ووقف في مواجهة الفرن، وقبض بيديه على الطفل.

“دعه،” صاحت. “انصرف، انصرف.”

وجهُ الطفل علَته الحُمْرَة وأخذ في الصياح. خلال عراكهما أطاحا أرضًا أصيص ورد معلّق خلف الفُرْن. حشرها إلى الجدار ثم حاول فكّ قبضتها، أمسك الطفل دافعاً بكل ثقله.

“أَفْلتيه!” قال لها.

“لا تفعل هذا،” قالت. “أنت تؤذي الطفل.”

“أنا لا أؤذي الطفل.”

نافذة المطبخ لا تبعث أيّ ضوء. وفي شبه العتمة ذاك، عمد بإحدى كفّية إلى فكّ قبضة يدها، وبالأخرى شدَّ إلى الأعلى ذراع الطفل الصائح، شدَّهُ من الطرف الأقرب لكتفه.

شعرت أن أصابعها بدأت تنفرج كُرْهًا. شعرت أن طفلها يبتعد عنها.

“لا…” صاحت ما إن شعرت أن يديها لا تقبضان على شيء.

لكنّها ستأخذ هذا الشيء، هذا الطفل، فشدّت الطفل من ذراعه الآخر، سحبته من رسغه ومالت بثقلها إلى الوراء.

رغم ذلك، لم يكن هو ليفلته، بل شعر أن الطفل ينزلق من يده، فشدَّهُ للخلف بقوة.

وبهذه الآليّة، بُتَّ في الموضوع.