We Should All Be Feminists علينا جميعًا أن نصبح نسويين

تشيماماندا نغوزي أديتشي

علينا جميعًا أن نصبح نسويّين

ترجمة لميس بن حافظ

تحرير أحمد العلي

يصدُر عن مجموعة كلمات في معرض أبوظبي الدولي للكتاب 2018

fem

 


تقديم

أطروحة دافئة بقدر ما هي منطقيّة، تقودها أسئلة مُصاغة بإتقان. تجلب لنا الروائية النيجيريّة تشيماماندا نغوزي أديتشي همّها النّسوي في كتيّب صغير صاغته استنادًا إلى محاضرتها الشّهيرة التي قدّمتها على منصّة TED. كيف يُمكن فهم النسويّة، وتعريفها بمنطق القرن الواحد والعشرين تعريفًا يتجذّر بالانغماس في الواقع والوعي به. تستحضر المؤلّفة تجاربها الشخصيّة وملاحظاتها الثّاقبة للجنوسة (gender) وتوظيفاتها الاجتماعيّة وتجلّياتها في الحياة اليوميّة، فتُجيب بذلك عن معنى أن تكون المرأةُ امرأةً في هذا العصر، وتُطلق نداءً فيه من الاستغاثة بقدر ما فيه من الصّراخ: علينا جميعًا أن نصبح نسويّين.


“حاذقة المعاني، ناهضة بالأفكار…”

Vogue

 “أديتشي ذكيّة في كتاباتها كلّها…”

San Francisco Chronicle


مجتزأ

أوكولوما هو أحد أروع أصدقاء طفولتي. عاش معي في الشّارع نفسه، وطالما اهتمّ بي كأخ كبير. إن أعجبني صبيٌّ مثلًا، سألتُ أوكولوما رأيَه فيه. كان ذا شخصيّة مُضحكة، ذكيّة، وارتدى دومًا أحذيّة ذات أطراف مدبّبة، تلك التي يرتديها رُعاة البقر. لكنّ أوكولوما، في شهر ديسمبر من العام 2005، مات في حادث تحطّم طائرة في نيجيريا. ما زال يصعب عليّ التعبير بالكلمات عن مشاعر فقدانه. أوكولوما كان شخصًا يمكنني الضّحك معه، والجدال معه، والحديث معه بصدق. وهو أوّل مَن نعتني بالنسويّة.

تقريبًا في الرابعة عشرة من عمري، كنّا معًا في منزله نتجادل بعدائيّة، ولم تبلغ معرفتنا التي اكتسبناها من الكتب التي قرأناها آنذاك النّضجَ الكافي. لا أذكر موضوع ذلك الجدال بالضبط، لكن أذكر أنّي جادلته مرارًا وتكرارًا، فنظر إليّ أوكولوما وقال، “أنت تعلمين أنّك نسويّة.”

لم يكن ما قاله إطراءً. استطعت تمييز ذلك من نبرة صوته التي كانت تشبه نبرة شخص قد يقول لي، “أنتِ تدعمين الإرهاب.”

لم أكن أعلم حينها معنى كلمة “نسويّة”. ولم أكن أريد أن أبيّن لأوكولوما أنّي لا أعرف معنى ذلك كلّه. لذلك تجاهلت كل ما قاله وأزحته جانبًا وتابعت الجدال. وأوّل شيء خطّطْتُ لفعله بعد عودتي للمنزل هو البحث عن معنى تلك الكلمة في القاموس.

لننتقل الآن، بشكل سريع، إلى بعد ذلك بعدّة أعوام.

خلال العام 2003، كتبت رواية بعنوان “زهرة الكركديه الأرجوانيّة،” تحكي قصّة رجل يحصل فيها الكثير، من بين تلك الأحداث أنه يعتدي على زوجته بالضرب، ولا تنتهي قصته بشكل جيد أبدًا. عندما كنت أروّج لروايتي تلك في نيجيريا، قال لي صحفيّ بدا مهذّبًا وذا نيّة حسنة أنّه يودّ أن يوجه إليّ نصيحة (النيجيريّون، إن كنتم تعلمون، أسرع من يعطي النصائح حتى لو لم يُطلب منهم ذلك). أخبرني أنّ الناس يصفون روايتي بأنها نسويّة. أمّا نصيحته لي، والتي قالها ورأسه يهتزّ يُمنة ويُسرة بأسف عليّ، فهي أنه يجب ألّا أصِفَ نفسي بأنّي نسويّة مطلقًا، وذلك لأن النسويّات عُرفَ عنهن أنّهن لسن سعيدات، وأنّهن نسويّات لأنهن لم ينجحن في الحصول على أزواج في المقام الأوّل.

ثم جاءت امرأة أكاديميّة نيجيريّة وقالت لي إنّ النسويّة ليست من تقاليدنا في شيء، فهي أمر لا ينتمي إلى أفريقيا، وترى أنّي أصف نفسي بالنسويّة فقط لأنّي تأثّرت بالكتب الغربيّة (كان ذلك أمرًا أثار اهتمامي، فمُعظَم قراءاتي الأولى لا تمتّ إلى النسويّة بصلة. أعتقد أنني قرأت قصص سلسلة ميلز وبون الرومانسيّة كلّها قبل بلوغي السادسة عشرة. وكلّما حاولت قراءة تلك الكتب المسمّاة بـ “النصوص النسويّة الكلاسيكية” أشعر بمللٍ هائل ويصعُب عليّ الانتهاء من قراءتها).

على العموم، بما أن النسويّة أمرٌ لا ينتمي لأفريقيا، قرّرت تسمية نفسي بالنسويّة الأفريقية السّعيدة! ثم جاءتني صديقة عزيزة وقالت لي أنّ وصفي لنفسي بالنسويّة يعني أنّي أكره الرجال. لذلك قرّرت أن أصبح النسويّة الأفريقية السّعيدة التي لا تكره الرّجال. وفي بعض الأحيان أسمّي نفسي النسويّة الأفريقيّة السّعيدة التي لا تكره الرّجال وتضع ملمّع الشّفاه وترتدي الكعب العالي لإرضاء نفسها وليس من أجل الرّجال.

بالتّأكيد كنت أنظر إلى ذلك على أنّه نوع من المزاح، لكن اتّضح لي بالفعل أنّ كلمة نسويّة ثقيلة جدًّا، وذات حمولة ومعانٍ ثقيلة وسلبيّة.

أنت تكرهين الرجال؛ أنت تكرهين حمّالات الصدر؛ أنت تكرهين التقاليد الأفريقية؛ وتعتقدين أن المرأة يجب أن تكون دائمًا هي المسؤولة؛ أنت لا تضعين مساحيق تحميل؛ أنت لا تحلِقين؛ أنت دائماً غاضبة، ولا تحملين حسّ الدعابة، ولا تستخدمين مزيلاً لرائحة العرق.

إليكم قصّة من طفولتي:

عندما كنت في المدرسة الابتدائية في نسوكا، وهي مدينة جامعية في جنوب شرقي نيجيريا، قالت معلمتي في بداية الفصل الدراسي إنّها سوف تُجري اختبارًا، ومَن يحصل على أعلى علامة فيه سيُصبح مراقبًا للفصل. تولّي مهمّة مراقب الفصل كانت ذات أهمية كبيرة بالنسبة لنا في عمرنا ذاك، فهي تُتيح للواحد منّا الفرصة لكتابة أسماء مثيري الشغب يوميًّا، وهذا بحدّ ذاته يُعتبر قوّة جذّابة، لكن معلّمتي كذلك كانت تعطي مراقب الفصل عصًا يهُزّها بيده في وجوه مثيري الشغب. بالتأكيد كان استخدام العصا بشكل فعليّ ممنوع. لكنه أمر رائع بالنسبة لطفل في التاسعة من عمره. أردت بشدّة أن أصبح مراقبة للفصل. وحصلتُ على علامات مرتفعة في الاختبار.

لكن الأمر الذي فاجأني، هو أن معلّمتي قالت إن مراقب الفصل يجب أن يكون صبيًّا. نسيَتْ أن توضح ذلك في السابق. افترضَت أنّ الأمر كان واضحًا. الصبيّ الذي حصل على ثاني أعلى علامة في الفصل هو الذي أصبح المراقب.

وما كان مُثيراً للاهتمام أكثر من ذلك كلّه هو أن ذاك الصبيّ اللطيف، صاحب الروح الطيّبة، لم تكن لديه الرغبة في أن يقود الفصل ممسكًا العصا. في حين كنتُ أنا، وكُلّي طموح، أرغب أن أحصل على ذلك المنصب.

 لكنّي أنثى وهو ذكَر، لذلك أصبح هو مراقب الفصل. لم أتمكّن من نسيان تلك الواقعة أبدًا.

عندما نقوم بفعل الشيء مرارًا وتكرارًا فإنه يصبح عاديًّا. إنْ رأينا الشيء يتكرّر مرات عدّة فإنه يصبح عاديًّا. إن تمّ تكليف الصّبيان فقط كمراقبين للفصل، سنصل إلى نُقطة نُدرك عندها بشكل لا إرادي أنّ مراقب الفصل يجب أن يكون صبيًّا. إنْ رأينا الرجال بشكل مستمر في مناصب قيادية في المؤسسات، سنشعر أنّه من الطبيعي أن يشغل الرجال المناصب القيادية في المؤسسات.