The Unteathered Soul الرّوح المتحرّرة

مايكل سينغر

الرّوح المتحرّرة

ترجمة هيام عبدالحميد

تحرير أحمد العلي

يصدُر عن مجموعة كلمات في معرض أبوظبي الدولي للكتاب 2018

soul


تقديم

 

إن كنتَ من السّاعين القدماء للارتقاء الروحيّ والتحكّم بالطّاقات الداخليّة، أم أنّك حديث السّير في هذا الطريق لتحصيل السّلام والرّاحة، فإن كتاب “الرّوح المتحرّرة” سوف يأخذ بيدك لتعيش تحوّلات مختلفة تغيّر علاقتك مع عالمك الداخليّ والكَون من حولك. سوف تكتشف ما الذي يمكن فعله لتضع حدًّا لكلّ الأفكار والمشاعر العبثيّة التي تطرق ذهنك وقلبك في كلّ وقت وتقوم بتشتيت وعيك والتّشويش على رؤيتك للأمور.

يضع المؤلّف أمامك، عن طريق استعراضه المبسّط لتقاليد التأمّل وعِلم اليوغا والتّركيز، كيف تستطيع أن تطوّر نوعًا خاصًّا من الوَعي يمكّنك من العيش والانغمار في اللحظة الراهنة، بينما يترك أفكارك المؤذية وذكرياتك المؤلمة تُبحر بعيدًا عندك. إنّه كتاب يقود أصابعك إلى جذور التّعاسة كي تقتلعها، ويتلمّس فيك أفكار الحُبّ والموت والإله، والرّوح والذّاكرة والمستقبل، ثمّ يضع قدمك على درب تحقيق السّعادة بوعي واستنارة.


“الروح المتحرّرة هو علاج رائع لمسار الوعيّ الروحي. لقد كُتب بوضوح وقوّة.”

عبد العزيز سعيد، بروفيسور دراسات السّلام ورئيس قسم السّلام الإسلامي في الجامعة الأمريكية.

“لقد أطلق هذا الكتاب فرحًا غير محدود للأرواح الجائعة في هذا العالم”.

شاكتي ساراسواتي، مؤسس بعثة يوغا شاكتي الدولية.

“الشّرق هو الشّرق والغرب هو الغرب، لكن مايكل سينغر بنى الجسور بين ذينك العالمين التقليديّين العظيمين من خلال هذه الأطروحة المتألقة التي توضح كيف نحقق النجاح في حياتنا من خلال سعينا الروحيّ في خضم المِحَن التي نواجهها يوميًّا.”

راي كورزويل، المخترع الحائز على الميدالية الوطنية للتكنولوجيا، ومؤلف كتاب “عصر الآلات الروحية”.

“هذا بحق كتاب أساسي ويوضع لوحده في فئة خاصة به. يأخذنا مايكل سينغر، ببساطة وعُمق، في رحلة تبدأ بالوعي المربوط إلى الأنا، وينتهي بنا إلى ما وراء رؤيتنا، إلى حالة من الحريّة والتحرر الداخلي. كتاب مايكل سينغر هو هديّة لا تقدّر بثمن لكلّ من بحث دون جدوى ولكلّ من تاق إلى حياة أكثر ثراء وأكثر معنى، لحياة مبدعة.”

المعلم عمريت ديساي، من المعلمين الروّاد المعترف بهم دوليًّا في علم اليوغا الحديث.


مجتزأ من الفصل الأول

الصّوت داخل رأسك

     في حال أنك لم تلاحظ، فإنّ في رأسك حوار عقلي مستمر لا يتوقف أبدا. هل تساءلت يوما لمَ هذا الحوار يجري هناك؟ كيف يقرر ماذا يقول ومتى يقوله؟ كم ممّا يقوله يكون صحيحًا؟ كم ممّا يقوله ذا أهميّة؟ وإذا كنت الآن بالذات تسمع التالي، “لا أعرف تحديدا ما الذي تتحدث عنه. ليس في رأسي أي صوت!” فهذا هو بالضبط الصوت الذي أعنيه.

     إذا كنت ذكيّا، فستأخذ وقتك وتتأنّى قليلا، لتختبر هذا الصوت وتتعرف عليه بشكل أفضل. المشكلة هي أنك قريب جدا من هذا الصوت، الأمر الذي يصعُب معه أن تكون موضوعيًّا في حكمك عليه. عليك أن تتراجع كثيرا إلى الوراء كي تراقبه يتحدّث. فأنت حين تسير بسيارتك، ستسمع حوارًا يدور داخل رأسك كالتالي:

“أما كان ينبغي عليّ أن أتصل بفرويد؟ نعم كان عليّ ذلك. آه يا إلهي، لا أصدق أنّي نسيت! سيغضب مني فرويد كثيرا. ربما لن يتحدث إليّ مرّة أخرى. ربما عليّ أن أركُن جانبًا كي أحادثه الآن. لكن لا، لا أريد أن أوقف السيارة الآن…”

     لاحظ أن الصوت يتضمّن طرفَي الحوار معًا. ولا يهمّه إلى أيّ الطرفين ينحاز طالما استمر الحوار بلا توقف. وعندما تكون متعبا وتريد أن تنام، فسيقول لك الصوت الذي في رأسك:

“ما الذي عليّ عمله؟ لا أستطيع الذهاب للنوم الآن. نسيت أن أتصل بفرويد. تذكرت ذلك في السيارة لكني لم أتصل به. إذا لم أتصل به… أوه، انتظر، إن الوقت متأخرا جدا الآن. لا ينبغي أن أتصل به. لا أعرف أصلا لمّ فكرت في هذا الأمر. أحتاج للنوم. أوه يا إلهي لا أستطيع أن أنام. لم أعد متعبا على أية حال. لكن يومًا حفلًا في انتظاري غداً، وعليّ أن أستيقظ باكرًا.”

     لا عجب أنك لا تستطيع النوم! لماذا تسمح أساسا لهذا الصوت بالتحدث إليك طوال الوقت؟ حتى لو كان ما يقوله أحيانًا مهدّئا وجميلا، فإنّه يبقى مُربكًا لكل شيء أنت بصدد القيام به.

      لو استغرقت وقتا أطول في مراقبة هذا الصوت العقلي، فأول ما ستلاحظه هو أن هذا الصوت لا يسكت إطلاقا. وعندما يُترَك لحاله، فهو فقط يسترسل في الحديث. تخيل لو أنك تشاهد شخصا يتجول هنا وهناك باستمرار ويتحدث إلى نفسه. ستعتقد أنه شخص غريب الأطوار. وسوف تتساءل “إذا كان الشخص الذي يتحدث هو نفسه الشخص الذي يسمع، فمؤكد أنه يعرف ما الذي سيقال قبل أن يقال، إذن ما الفائدة؟” وهذا هو الوضع بالنسبة للصوت الذي داخل رأسك. لماذا يتحدّث؟ إنه أنت من يتحدث وأنت من يسمع. وعندما يتجادل الصوت مع نفسه، فمع من يتجادل؟ من الذي يمكن أن يفوز؟ إنّه لأمر مربك جدا. استمع فقط لحوار كالتالي:

“أعتقد أنّه لابدّ لي من الزواج! لا! أنتِ تعرفين أنك لست مستعدة لذلك. ستندمين. لكني أحبّه. هيا، لقد شعرتِ بنفس الإحساس تجاه توم، فماذا لو أنّك تزوّجتِه؟”

     لو أنكِ انتبهتِ بدقة، فسترين أن كل ما يحاول الصوت الوصول إليه هو قرار مناسب للرّاحة. سيقوم بتغيير الأطراف في غمضة عَين لو بدا له ذلك مساعدًا. ولن يهدأ ولو قليلا عندما يتضح له أن ذلك خطأ. سيقوم ببساطة بتعديل وجهة نظره ويستمر في الحديث. ولو انتبهت قليلا إلى ما يحدث داخل نفسكِ، فستبدو هذه الأنماط التي يعمل بها العقل – بشكل آلي تقريبًا – واضحة بالنسبة اليكِ. وإنه لشعور صادم حقاً عندما تلاحظين أن عقلك يتكلم باستمرار. قد تحاولين حتى أن تصرخي عليه في محاوله يائسة لإسكاته. لكنك ستدركين حينها أن الصوت يصرخ على الصوت:

“اسكت! أريد أن أنام. لماذا عليك ان تتحدّث طوال الوقت؟”

     واضح أنّكِ أو أنّكَ لا تستطيع أن تسكته بهذه الطريقة. إن أفضل وسيلة لخلاص نفسك من هذه الثرثرة المتواصلة هو أن تتراجع إلى الوراء وتنظر إليه بموضوعيّة. فقط أنظر إلى الصوت بوصفه آليّة لفظيّة تملك القدرة على البروز وكأنما شخصًا ما هناك يتحدّث إليك. لا تفكر فيه، فقط لاحظه. وبغض النظر عمّا يقوله هذا الصوت، فإن كلامه يشبه بعضه بعضا. ليس مهمّا أكان يقول أشياء جميلة أو سيئة، أشياء دنيوية أو روحية. ليس مهمّا لأنه مجرد صوت يتحدث داخل رأسك. وفي الحقيقة، فإن الطريقة الوحيدة التي تتّخذ بها مسافة تجعلك بعيدًا عن هذا الصوت هي أن تتوقف عن مخالفة ما يقوله. توقف عن الشعور بأن ثمّة شيئا ما يقوله هو أنت، وشيئا آخر يقوله هو لست أنت. أنت من يسمع هذا الصوت. أنت من لاحظ أنه يتكلم.

     أنت تسمعه عندما يتكلم، أليس كذلك؟ اجعله يقول “مرحبا”، عدّة مرات. الآن قم بإسكاته داخليا. هل تسمع نفسك تقول “مرحبا” في الداخل؟ بالطبع تستطيع سماع ذلك. هناك صوت يتحدث، وهناك أنت من يلاحظ أن هناك صوتًا يتحدث. تكمن المشكلة في أنه من السهل ملاحظة أن الصوت يقول “مرحبا” لكن من الصعب أن ترى أنه بغض النظر عمّا يقوله الصوت، إلّا أنه يبقى مجرد صوت يتحدث وأنت تستمع. ليس هناك من شيء يستطيع هذا الصوت أن يقوله ويكون معبّراً عنك أنت أكثر من أي شيء آخر يقوله وتراه لا يمثلك أو لا يعبّر عنك. افترض أنك تنظر إلى ثلاثة أشياء – إناء للزهور، وصورة، وكتاب. ثم تُسأل: أيّ هذه الأشياء هو أنت؟ ستقول: ولا أيّ واحد منها! فأنا من ينظر إلى تلك الاشياء. ولا يهمّ ما تمّ وضعه أمامي، لأنه سيبقى دائما بعيداً ومنفصلاً عنّي، وأنا من ينظر إليه من مسافة أو ضفّة أخرى. هل ترى ذلك؟ هناك شخصٌ يقوم بملاحظة أشياء مختلفة. وهذا يصحُّ أيضاً في حال كنت تسمع صوتاً داخلياً وتختار أن تلاحظه وتراقبه كشيء منفصل عنك. لا يوجد هناك فرق فيما يقوله، فأنت الوحيد الواعي له. وطالما اعتقدتَ أن شيئا من الأشياء التي يقولها تمثّلك أنت، وشيئا آخر يقوله لا يمثلك أنت، فهنا ستفقد موضوعيّتك. ربما اعتقدتَ أنه صوتك عندما يقول الأشياء الطيّبة فقط، لكن يبقى هو الصوت الذي يتحدّث وليس أنت. وربما تحبّ ما يقوله، لكنك لست أنت من يقول.

     ليس هناك ما هو أكثر أهميّة كي تنمو وترتقي بشكل حقيقي من إدراكك بأنّك لست أنت ذلك الصوت الذي في رأسك. أنت فقط من يسمع هذا الصوت. إذا لم تستوعب هذه الحقيقة، فستظلّ في صراع وبحثٍ دائم عن الجزئيّة التي تمثّلك أنت في كلّ ما يقوله. وفي العادة، يجرّب الناس التغيير، في محاولة “البحث عن الذات”. فهم يرغبون في اكتشاف أيّ من هذه الأصوات والحوارات الذهنيّة المستمرّة هو صوتهم، وأي جزئية من هذا الصوت تعبّر عن شخصيتهم ومن يكونون حقاً. والإجابة بسيطة، وهي: ولا أيّ واحد منها.

     إذا راقبت الصوت بموضوعية، فسترى أن كثيرا ممّا يردّده هو كلام بلا معنى. معظم ما يقوله هو ضياع للوقت والطّاقة. وفي الحقيقة، إن معظم ما يحدث في الحياة إنما يحدث وفقا لقوى خارجة عن سيطرتك بغض النظر عمّا يقوله عقلك. يبدو الموضوع وكأنّك تجلس في ليلة ما لتقرّر ما إن كانت الشمس ستشرق في اليوم التالي أم لا. وخلاصة القول هو أن الشمس ستشرق وستغيب في كل الأحوال. مليارات الأشياء يستمر حدوثها في هذا العالم. تستطيع أن تفكر فيها كيفما شئت، لكن الحياة ستستمر والأمور ستستمر في الحدوث دوما.

     الحقيقة هي أن لأفكارك تأثير أبسط بكثير ممّا تعتقد على هذا العالم. وإذا رغبت في أن تكون موضوعيا وتقوم بمراقبة أفكارك، سترى أن غالبيتها لا علاقة له بما يحدث في الخارج. فليس لأفكارك أيّ تأثير على أيّ شيء وأيّ شخص سواك أنت. أفكارك ببساطة تجعلك تشعر أفضل أو أسوأ بخصوص ما يحدث من حولك الآن، وما حدث في الماضي، وما قد يحدث في المستقبل. فلو كنت تمضي وقتك متمنيًا أن لا تمطر السّماء في الغد، فأنت تضيّع وقتك سدى. أفكارك لن توقف سقوط المطر. يوما ما ستدرك أنه لا فائدة من الثرثرة الداخلية المتواصلة، وليس هناك من سبب لمحاولاتك المستمرة لمعرفة كل ما يحدث أو سيحدث أو حدث. وسترى في النهاية أن السبب الرئيسي وراء المشاكل ليست الحياة نفسها، بل إن الاضطراب الذي يُحدثه العقل بشأن الحياة هو الذي يتسبب في حدوث المشاكل لك.

هذا الأمر يفرز تساؤلا هامّا هنا: إذا كان كل ما يقوله هذا الصوت الذي في الرأس بلا معنى ولا ضرورة له، إذن لمّ هو أصلا موجود؟