Doctor Glas دكتور كلاس

يلمار سودربيري

دكتور كلاس

ترجمة أحمد العلي

يصدُر عن مجموعة كلمات في معرض الشارقة الدولي للكتاب 2017

Doctor Glas


تقديم

نُشرت «دكتور گلاس» في السويد عام 1905، فأثارت ضجّة القرّاء واستنكارهم بسبب تحليلاتها الجريئة، والتي اعتُبرت منفتحة جدًّا ومخزية، لمواضيع حسّاسة كثيرة. غير أن مؤلفها، يلمار سودربيري (1869-1941) باغتته ردّة الفعل تلك لأنه لم يكتب عملًا هجوميًّا، فلم تكن سطوره عنيفة، بل إنّه ألّف رواية أنيقة باتت الآن من كلاسيكيّات الأدب السويدي؛ رواية تتنفّس بعمق، وتتأمّل، وترسم الخريطة النفسيّة لشخصيّاتها بدقّة ومهارة، بينما تقرع أجراسًا لا تشذّ عن موسيقى الرواية ككُل؛ أجراس علاقة المرء بالجنس الآخر، والدين، والرغبة، والولادة والموت، والمدينة والريف، والدولة والقانون، والشباب والشيخوخة.

نضع أيدينا على يوميّات دكتور گلاس، الطبيب الذي يعالج مرضاه في عيادته المنزليّة. لهذا فنحن لا نقرأها، بل نتلصّص عليها، على أوراق سريّة لا يُفترض بأحد قراءتها، وبخاصّة عندما تخطو في عُزلة الطبيب تلك الشقراء، هيلغا، متبرّمةً من القسّ، زوجها المتولّه بها حدّ الجنون، طالبةً أن تُعفى طبيًّا من واجباتها الزوجيّة تجاهه. تأخذ البغتة كلاس من هذا الطلب الغريب، فيغدو ذهنه مشغولًا بموازنة الأمور بين الصّحيح فعله والواجب فعله، بين الفكرة ونقيضها، وبين الانتظار ولعب دور فعّال؛ فيعود لكتابة يوميّاته التي انقطع عن تدوينها لسنوات طويلة متتبعًا كل ما يحدث حتى النهاية.

كتبت مارغريت آتوود في تقديمها الترجمة الإنجليزيّة للكتاب، بأنه كلّما طلعت علينا حركة أدبيّة في العالم، وجدت في رواية «دكتور گلاس» تطبيقًا لمفهومها الجديد، وكأن الرواية لا تشيخ، بل تُكتب كل يوم؛ تنهض الرواية من المدرسة الواقعيّة للأدب والتي أسّسها الفرنسيون في القرن التاسع عشر، لكنها تتجاوز حدودها بحريّة. إن بعض فنيّات سودربيري في الكتاب، مثل مزج الأساليب الكتابية ومقاطع الكولاج الأدبية، نجدها في رواية «عوليس»؛ وهناك من المشاهد السوريالية ما لا يستطيع أحد إغفاله؛ ولو أنّ تاريخ نشرها تأخّر قليلًا لما التفت إليها أحد، ولو أنّه تقدّم بعض الشيء لواكب نهوض تيّار الوعي، ولاعتُبرت من أفضل كتبه قاطبة.


“هذه التُحفة من آداب أوروبا الشماليّة… هديّة فاخرة للقرّاء الجوعى”
سوزان سونتاغ

“يكتشفُ يلمار منطقة ما زال كُتّاب هذه الأيّام يحاولون اكتشافها، إنّها بُركانٌ يهتزّ وعلى وشك الانفجار…”
The New York Times Book Review 


مجتزأ من الفصل الأول

12 يونيو

لم أشهد صيفًا كهذا من قبل؛ هبوب مستمرّ لحرارة لاهبة منذ منتصف مايو. وطوال الوقت، فوق الشوارع والأسواق، تتعلّق غيمة غبار ثخينة لا تريد أن تتزحزح.

لكن مع هبوط الليل تنتفض روح المرء وتنتعش قليلًا. عُدت للتوّ من نزهتي الليليّة. إنها عادةٌ أحرص عليها بعد الاطمئنان على مرضاي، وهم ليسوا بكثر الآن بحُكم الصّيف. تأتي من الشرق ليلًا نسمة هواء باردة طويلة، ترفع موجة الحرارة المتّقدة، وتنفضها بتروٍّ لتصير في الأفق وشاحًا متموّجًا من الحُمرة المبتعدة حتى أقاصي الغرب. لا قرقعة لمقطورات العمّال في هذا الوقت؛ مجرّد أبواق متباعدة من هنا وهناك لعربة أو ترام. خُطاي تأخذني ببطء إلى آخر الشارع. ومن حين إلى آخر، أصادف من أعرفه من الناس لمامًا، فنتبادل الأحاديث لبعض الوقت وقوفًا عند ناصية الشارع. لكن لماذا يحدث لي مرارًا أن أقابل هذا الرجل من بين البشر أجمعين؟ أعني القسّ المبجّل غرغوريوس! لا أراه إلا وأذكر طُرفة قيلت مرّة عن شوبنهاور[1]: كان الفيلسوف الصّارم البسيط يجلس وحيدًا كعادته ذات مساء، في إحدى زوايا مقهاه المحبّب، عندما فُتح الباب وأطلّ رجل ذو سحنة ممتعضة. وفور رؤيته لتلك الهيئة من الاضطراب والقرف، حدجه شوبنهاور بنظرة حادّة، ثم هبّ قافزًا نحوه وراح بقسوة يدقّ بعصاه رأس الرجل، وما ذلك إلا بسبب مظهره الخارجي وحسب!

لكنني لست شوبنهاور. فعندما رأيت ذاك الرّجل مقبلًا في اتجاهي، عبر المسافة الممتدة بيننا من جسر فاسا، توقفت مذعورًا عن مواصلة المشي والتقدّم نحوه، مستديرًا نحو سور الجسر، مرخيًا ذراعيّ عليه وكأنني -منذ زمن- أتذوّق روعة المشهد أمامي؛ بيوت رماديّة ترتفع على جزيرة هيلغاند. وعلى وجه نهر نورسترم، الذي يروي أشجار الصفصاف القديمة قِدم الأرض ويفتّح أوراقها، تنكمش وتنحلّ انعكاسات زخارف البناء الخشبي العتيق لحمّام عام أُنشئ على الطراز الإسكندنافي. تمنّيت ألا يراني القسّ، أو ألّا يميّز هيئتي الجانبية على الأقل. كنت قد نسيته تمامًا في خضم ادّعائي عدم رؤيته، عندما وجدته فجأة يقف إلى جانبي مُرخيًا ذراعيه مثلي على السور ورأسه مائل بعض الشيء – تمامًا كما رأيته أوّل مرّة قبل عشرين عامًا في كنيسة يعقوب، عندما اعتدت الجلوس على الكرسي الخشبي المخصص لأسرتنا، إلى جانب المغفور لها والدتي. وفجأة، من لا مكان، يبزغ هذا الواعظ ذو السحنة البغيضة كرأس الفطر السّام، معتليًا المنبر، صادحًا في أسماعنا “أبَانَا الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ..” الوجه الشاحب الإسفنجي نفسه، والسوالف المعتكرة بالشّقرة نفسها، إلا أنها راحت تبيضّ كما يبدو لي. ولم يطرأ أيّ تبدّل على اللؤم غير الواعي في عينيه خلف عدسات نظّارته. يستحيل الهرب! أنا طبيبه كما أنني طبيب آخرين. وأحيانًا يزورني حاملًا آلامه ومواجعه. حسنًا.. حسنًا.. مساء الخير أيها القسّ، كيف حالك؟ لستُ على ما يرام؛ في الحقيقة لستُ بخير إطلاقًا. قلبي تعِس، يقرع دون انتظام، ومن وقتٍ لآخر يتوقّف في الليل! أو هكذا أشعر، سُعدت لسماع ذلك! قلت في نفسي، لأن آخر همّي هو أن تستطيع الموت! أيها المُسنّ الوغد، فلتمت أنّى شئت، أبعدني فقط عن مرآك. وبعد، إن لديك زوجة شابة فاتنة لا شكّ وأنك تعتصر الحياة من روحها اعتصارًا، وعندما ترحل عنها ستجد حتمًا زوجًا آخر أفضل منك. لكن ما قلتُه بصوت مسموع هو هذا: حقًّا! حقًّا! أهذا ما تشعر به؟ ربما عليك أن تعود لزيارتي خلال الأيام القريبة القادمة. سوف نبحث الأمر سويًّا. لكن كان لديه غير ذلك للحديث عنه. أمور “مهمّة”: هذه الحرارة غير طبيعية، ما هذا اللفح! وأيضًا: يا للغباء! يُنشئون مبانٍ ضخمة للبرلمان على جزيرة ضئيلة كهذه! وأيضًا: ليس الأمر مقتصرًا عليّ وحدي، زوجتي بالمثل ليست على ما يرام.

في النهاية سار الرجل في طريقه وذهبتُ إلى سبيلي. دخلت الحارة القديمة، على امتداد شارع ستورشركوبرينكن، وبقيت بين أزقّتها؛ مساء حميميّ ينغلق فضاؤه عليّ في الممرّات الضيّقة وبين المنازل؛ على الجدران تحبو ظلال مريبة، ظلال لم نعهد رؤيتها جوارنا.

السيّدة غرغوريوس، أجل! لقد كانت زيارتها الأخيرة لي غريبة نوعًا ما. جاءت إلى العيادة أثناء ساعات الاستشارات المفتوحة. لاحظتُ وجودها منذ دخولها، كان ارتباكها جليًّا. وعلى الرغم من حضورها في وقت مبكّر، فإنها انتظرت حتى فرغت العيادة من المرضى، داعيةً أولئك الذين جاؤوا بعدها لأن يأخذوا دورها. وفي النهاية دخلت عليّ، وحُمرة الخجل تعلو محيّاها، وفي وجهها جفول. ثم راحت تتخبط في حديث أرادت منه القول إنها تعاني من التهاب في الحلق. حسنًا، الوضع في تحسّن الآن. سأعود إليك في الغد أيها الطبيب، فأنا الآن في عجالة من أمري.

لم تعد حتى الآن.

طالعًا من الأزقة، سرت إلى نهاية رصيف ميناء شيبسبرون. يعلو القمر سماء جزيرة شيبسهولمان، يطفو على صُفرة ليمونيّة محاطة بالأزرق الشفقيّ. لكن مزاجي الهادئ المسالم قد ودّعني. لقاء رجل الدين ذاك أفسد نزهتي. كأن العالم بحاجة إلى أمثال هذا الرجل! مَن منّا لم يوضع يومًا في مواجهة تلك المشكلة المحيّرة التي يناقشها شيطانان أو ثلاثة عندما يجلسون حول طاولة مقهى: لو كان بإمكانك عبر الضغط على هذا الزر الذي في الجدار أن تقتل ثريًّا صينيًّا ثم ترث أملاكه جمعاء، هل تُقدم على ذلك؟ لم أشغل بالي بهذه المشكلة بحثًا عن إجابة، ربما لأنني لم أتعرّف على البؤس القاسي المتمثّل في أن أكون فقيرًا بشكل حقيقي وواقعي. لكن إن كان الكبس على الزر سوف يتسبب في قتل ذاك القسّ، فأظن أنه من واجبي القيام بذلك.

بينما أمضي صوب المنزل، مخترقًا شحوب الشفق الغريب، صارت الحرارة أكثر قسوة منها في عزّ الظهيرة؛ وغيوم الغبار تلك، داكنة الحُمرة، الطافية طبقات طبقات خلف مداخن مصانع كونسهولمان، باتت تميل إلى السواد وكأنها تُنذر بالشرور والكوارث. وبخُطى طويلة ومتأنيّة، عبرت جوار كنيسة كلارا، نازلًا الشارع، في يدي قبّعتي، والعرق يجري بغزارة من جبيني. على الرغم من أن الهواء لم يكن باردًا في أيّ بقعة، حتى في الظلال تحت أشجار الكنيسة العملاقة، فإن همس العشّاق، اثنين اثنين، لم ينقطع عن الكراسي الخشبية تحت كل غصن؛ بأعيُنٍ سكرانة يجلس بعضهم في أحضان بعض، ويتبادلون القُبل.

*        *        *

أجلس الآن عند نافذتي المفتوحة، وأكتب لمن؟ لا لصديق ولا خليلة. بالكاد أكتب لنفسي. لا أقرأ اليوم ما كتبته البارحة؛ ولن أقرأ كلماتي هذه في الغد. أكتب لأُشْغِلَ يدي وحسب، لتجري أفكاري مسترسلة فأستبينها. أكتب لأغدر بساعة أرَق واحدة على الأقل. لماذا يهجرني النوم هكذا؟ لم أرتكب أيّ جُرم.

*        *        *

ما أدسّه في هذه الصفحات ليس اعترافًا -لمن أعترف؟- ولست أُخبر عن حقيقتي كاملة. أبوح بما يُرضيني فقط، وما هو صحيح.. ففي النهاية، لا أستطيع حلّ اللعنة المعقودة على روحي -إن كانت حقًّا ملعونة- باختلاق الأكاذيب.

*        *        *

في الخارج، يتدلّى الليل الكحليّ فوق فناء الكنيسة وأشجارها الباسقة، ويرين على الحيّ صمت مطبق يجعل تلك الأنفاس والهمسات بين الظلال في الأسفل مسموعةً من عُشّي العالي هنا. ضحكةٌ واحدة منذ قليل ثقبت الظلمة نحوي. أشعر في هذه اللحظات أن لا أحد في الكون وحيد غيري أنا، أنا تيكو گابرييل گلاس، الطبيب الذي في بعض الأوقات يُنجد الآخرين، لكنه لم يكن قادرًا قط على مساعدة نفسه، والذي خلال الثلاثين عامًا المنصرمة من حياته لم يقرَبْ امرأة.

*        *        *

14 يونيو

يا لها من مهنة! كيف حدث أن اخترتها وهي أقلّ المهن على الإطلاق لياقة بي؟ الطبيب واحد من اثنين: إمّا ساع للخير أو راكض وراء التشريفات. في الحقيقة، مرّ عليّ وقت ظننت فيه أنني الاثنان معًا.

مرّة أخرى، جاءت إلى العيادة امرأة فقيرة مسكينة، تنوح راجية معونتي؛ امرأة عرفتها لسنوات طويلة. تزوّجت موظّفًا حكوميًّا قليل الشّأن، ما يكسبه من المال يساوي لا شيء، حوالي أربعة آلاف كرونة في السنة، ثم أنجبت منه ثلاثة أبناء، جاؤوا جميعًا في السنوات الثلاثة الأولى من الزواج. بعدها، ولخمس سنوات أو ست، أُسْتُبقيَت كما هي. عاد إليها بعض صحّتها، قوّتها وشبابها. حظيت بوقت كاف لتدير منزلها وترتب أموره، لتتعافى بعد تعب مديد. وعلى الرغم من أن الرغيف الذي يجلبونه إلى المنزل يقصُر عن حاجتهم، فإنهم نجحوا في تدبّر أمورهم على نحو ما. والآن، على حين غرة، ها هي أمامي مرة أخرى.

كان الدمع يخنق كلامها فتتحدث بصعوبة.

لكنني، بالطبع، ألقيت عليها درسي المعتاد الذي أحفظه حتى النخاع، وأكرره دومًا على أمثالها في مناسبات كهذه: واجبي كطبيب يحتّم عليّ احترام الحياة مهما بلغت هشاشتها!

كنت جادًّا، وليس لشيء أن يؤثر فيّ، حتى صار عليها في النهاية أن ترحل؛ خجلةً حائرة ودون عون.

دوّنت في السجلّ ملحوظة عن زيارتها هذه، فحالتها هي الحالة الثامنة عشرة في قائمة الحالات المشابهة التي عاينتُها، على الرغم من أنني لست بطبيب أمراض نسائية.

لن يأخذ مني النسيان ذِكرى الحالة الأولى. كانت صبيّة في حوالي الثانية والعشرين من عمرها؛ ممتلئة، داكنة الشّعر غزيرته. جمالها فاجر فظّ، يفرض نفسه على الرائي منذ أوّل وهلة، ذلك النوع من الجمال الذي لا بد وأنه ملأ الأرض في أيّام لوثر عندما قال: يستحيل على امرأة الحياة دون رجل استحالة عظ المرء أنفه. لدمها كثافة الطبقة الوسطى ولا ريب، ووالدها من أثرى أثرياء رجال الأعمال. كنت طبيب العائلة، ولهذا هرعَت إليّ شديدة الاضطراب، ذاهلة وخارج سجيّتها، لكن دون قطرة حياء. أنقذني، ترجّتني، أنقذني. أجبتها بأن ألقيت محاضرتي المعتادة: واجبي كطبيب يحتّم…الخ. لكنها لم تفهم ما تفوّهت به بوضوح، ولم يعنها في شيء على الإطلاق. شرحت لها أن القانون لا يتواطأ مع أحد في حالات اللف والدوران كحالتك. حدجتني بنظرة عدم الاستيعاب. القانون؟ نصحتها بأن تعترف لوالدتها وتستشيرها: لسوف تتحدث إلى “البابا”، ثم سُيقام عرس كبير. أوه، لا. خطيبي لا يملك قرشًا، ووالدي لن يغفر لي فعلتي أبدًا. لم يكونا مخطوبين بالطبع. لقد استخدمت صفة “خطيبي” لأنها لم تجد غيرها. أمّا “عاشق” فهي كلمة روائيّة، كلمة حمقاء في كلام الفم. أنجدني! أليس في قلبك أي رحمة؟ لا أعرف ما أفعل، سألقي بنفسي من الجُرف البحريّ، سأنتحر.

نفد صبري. وللحق، لم تستطع هذه الفتاة أن تثير فيّ أيّ إحساس بالرحمة. فأمور كهذه لا تنصلح إلا إذا كان الثراء هو مفتاحها. حينها، وحده الكبرياء مَن عليه أن يعاني قليلًا ويمحو زهوه. لكن “خطيبها” لا يملك المفتاح، فهو فقير بالنسبة لعائلتها. شخرت بأنفها، ثم تمخّطت، وأطنبت في شروحها بهيجان كامل، وفي النهاية رمت نفسها على الأرض وراحت تركل الهواء وتصرخ.

أجل، انتهى الأمر طبعًا كما توقّعت له منذ البداية. صفعها والدها الجلف المأزوم صفعتين أو ثلاثة، ثم زوّجها بسرعة فائقة من شريكها في الجريمة، ورحّلهما فورًا خارج الديار بحجّة قضاء شهر العسل.

حالات كهذه لا تقلقني. بينما كنت جدُّ آسف على المرأة الفقيرة التي زارتني اليوم. كثير من المعاناة والتعاسة مقابل حفنة صغيرة من البهجة.

احترام الحياة البشريّة! أيّ تفاهة تخرج من فمي هذا، أيّ نفاق رخيص؟ وما الذي يمكن أن تحمله شِفاه رجل يُزجي ساعات فراغه، على الدوام، في تقليب الأفكار؟ الحياة البشريّة.. إنها تجري بطرق لا تعد ولا تحصى حولنا. أما الحيوات البعيدة عنا، البشر الذين لم نرهم حتى، فمن اهتمّ بهم قيد أنملة؟ من اهتم؟ الجميع يثبتون ذلك بأفعالهم، خلا بعض المُحسنين السذّج. كل الحكومات ومجالس النوّاب على وجه البسيطة يثبتون ذلك أيضًا.

والواجب! ما هو إلا نافذة أنيقة نسترق النظر من وراءها عندما لا نريد المُضيّ في ما يلزمنا القيام به.

علاوة على ذلك، لن يغامر أحد بمكانته الاجتماعية وسمعته المحترمة ومستقبله وكل شيء في سبيل إزجاء المعونة لغرباء لا يعنونه شيئًا على الإطلاق. يساعدهم متوكّلًا على وعودهم بالكتمان؟ هذا تصرّف صبياني. قد تواجه صديقتها المعضلة نفسها، ثم تهمس لها الأولى أين يمكنها طلب المساعدة؛ ثم تجد نفسك رجلًا دُهنت عليه علامة استفهام. لا. الأفضل هو الالتزام بالواجب، حتى لو كان لا شيء سوى محض لوحة تشكيليّة مصبوغة بمشهد طبيعي كقُرى بوتيمكين[2]. خوفي يكمن في أنني قد أعتاد على تكرار درسي المزيّف للمرضى حتى أصدّقه في النهاية. إن كان بوتيمكين قد ضلّل امبراطورته وخدعها، فكم على المرء أن يكون مخادعًا ليضلّل نفسه؟

*        *        *

المكانة، الاحترام، المستقبل؛ وكأنني لست مستعدًا في أيّ يوم، وأيّة لحظة، لقذف هذه الحمولات على ظهر أوّل سفينة تعبر بمحاذاتنا في سبيلها إلى البعيد.

*        *        *

أجلس مرّة أخرى عند نافذتي. زُرقة الليل مستيقظة خلفي؛ وتحت الأشجار همسٌ وخشخشة.

بالأمس، أثناء نزهتي الليلة، وقعت عيناي على زوجين. ميّزت المرأة فورًا. لم تمضِ سنوات كثيرة على مراقصتي لها في إحدى الحفلات. ولم أنس أنني كلّما التقيتها بعد ذلك، راحت تشكو ليلتها الخالية من النوم. وغير ذلك لا شيء، فهي لا تدرك شيئًا. لم تكن حينها امرأةً بعد. كانت عذراء. كانت حُلمًا حيًّا بلحمٍ وعظام: حلم الرجل بامرأة.

والآن تتأبط ذراع زوجها نازلةً الشارع. تلبس ما هو أغلى ممّا ارتدته سابقًا، لكنه مبتذل، سوَقيّ الذّوق. وأرى في نظرتها ما هو منطفئ، بال. لكنها في الوقت نفسه نظرة تواصليّة زوجيّة، كأنها تحمل أحشاءها أمامها على طبق من فضّة.

لا، لست أفهم. لماذا عليه أن يجري على هذا النحو؟ لماذا عليه أن ينتهي دومًا هكذا؟ لماذا على الحب أن يكون الذّهب الخرافيّ الملعون الذي يتحوّل في الغد إلى وريقات مفتتة، هباء، أو نتانة طالعة من الانغماس في السُّكر؟ هذا التردّي الحتميّ لكل علاقة، والذي هو جانب من طبيعتنا، مصمّم بشكل غير مباشر لإطعام جوعنا الأبديّ لحبّ جديد، أو دحر ما يعوق ذلك.. أليس هذا التردّي الأزليّ ينبع من سَعي الآدميّ المستمرّ نحو الحب؟ إن عشقنا الدائم للجمال لا يعرف منبعًا آخر غير طبيعتنا هذه.

الشّعر والموسيقى والفنون كلّها سكرانة من دفقات ذاك النبع. كل شيء، حتى أتفه اللوحات التشكيلية من تاريخ العالم الحديث، وكل جزء من تصويرات رفائيل لقداسة مريم العذراء، وحتى لوحات ستينلين عن الكادحات الباريسيّات الصغيرات؛ من “ملاك الموت” كأغنية الأغنيات إلى كتاب الأغاني لهاينرش هاينه. حتى التراتيل الكنَسيّة ورقصات الفالس في ڤييَنَّا، أجل، وكل الزخارف الجصيّة في منزلي الموحش هذا؛ كل تكوين على ورق الجدران، وهيئة المزهريّة الصينيّة هناك، والنقش على وشاحي، وكل ما صُنع ليُبهر ويؤنّق —لا يهم إن كان حقّق مبتغاه أم لا— أليس ينبجس من النبع نفسه، حتى وإن اتخذ أطول الطرق وأكثرها مَيْلًا ومواربة؟ هذه ليست فكرة عبقريّة من بنات أفكاري، ليست وليدة الليلة، بل فكرة أُثبتت مئات المرات على مرّ الزمن.

ذاك النبع لم يكن اسمه الحبّ على أيّ حال. بل حُلمنا عن الحب.

 إن كل ما نقوم به سعيًا منّا لتحقيق حلمنا عن الحب يُرضي غرائزنا، وهذا ما يدفعنا إلى المضيّ أبعد في إرضائها، على الرغم من شعور غرائزنا العميقة نفسها بوخز من الذنب، فالحُب يجعل من كل شيء عيبًا. وهذا لا يُمكن إثباته. إنه مجرّد إحساس أحسّ به وأعتقد أن الجميع يتملّكهم الشعور نفسه منفردين. يُقابل الناس قصصَ حب الآخرين باستخفاف، وكأنها قصص هزليّة، وأحيانًا لا يستثنون حتى أنفسهم من السخرية. أمّا التبعات فإن المرأة الحامل كائنٌ مرعب! والمولود الذي ستضعه شيءٌ كريه. ما أقلّ ما يبعثه سرير الإعدام من فظاعة مقابل ولادة طفل؛ تلك السيمفونيّة المفزعة من الصُّراخ والقرَف وأخلاط الدم.

في المحصلة، يكمن الأمر في الفعل نفسه، في ممارسة الحب. لا يسعني أبدًا نسيان نفسي صغيرًا، جالسًا أستظل بصفّ من أشجار الكستناء العملاقة في فناء المدرسة، منصتًا إلى زملائي يشرحون “ما يحدث”. رفضت تصديق ما تفوّهوا به. كان على صِبيان آخرين أن يقتربوا مني، ضاحكين من غبائي، ومؤكدين الأمر، لكنني لم أصدقهم كلّ التصديق وقتها، وهربت منهم مختليًا بنفسي الغاضبة. هل فعل أبي وأمي ذلك؟ وهل عليّ اقتراف هذه الفظاعة عندما أكبر؟ ألا سبيل للهرب؟

لطالما احتقرت بفجاجة الصّبيان السيئين الذين يخربشون البذاءات على الجدران ولوحات الإعلانات. أما في تلك اللحظة فقد خيّل لي أن الإله نفسه قد رسم البذاءة على امتداد السماء الزرقاء الربيعية المثقلة بالسّحب؛ وأظن أنني حينها شككت في وجوده لأوّل مرة.

إلى اليوم، لم أتعافَ من صدمتي تلك. لماذا تُحفظ استمراريّة جنسنا الحيوانيّ في الحياة وتُصان بأعضاء نستخدمها عدّة مرات يوميًّا للتخلّص من الدّنَس؟ لماذا لا ترتهن ديمومتنا بسُبلٍ وأفعال قائمة على الكرامة والجمال، وفي الوقت نفسه باعثة لأعلى درجات إبهاج الحواس؟ أفعال يمكن القيام بها مثلًا في الكنيسة أمام أنظار الجميع، تمامًا كما تكون في الظلمة والعزلة؟ أو في ضريح من الورود، تحت عين الشمس، بامتداد هتاف الجوقة، وعلى وقع الضيوف الراقصين في الزّفاف؟

*        *        *

كم مرّ عليّ من الوقت وأنا أذرع الغرفة؟ لست أدري.

 الظلمة في الخارج باتت أخفّ، يلمع من ديك الكنيسة[3] جانبه الشرقيّ، وعصافير الدوريّ تغرّد هائجة جائعة.

غريب؛ كيف لرعشةٍ أن تعبر جسد الهواء دومًا قبل الشروق.

*        *        *

18 يونيو

هواء اليوم أبرد قليلًا. ولأوّل مرة منذ حوالي الشّهر، أتنزه على حصاني.

يا له من صباح! استضافني سرير البارحة مبكّرًا، ونمت كما يبدو طوال الليل. لا أنام دون أن أحلم، غير أن أحلام البارحة كانت زرقاء، شفّافة. ركبتُ حصاني صوب منتزه هاغا، ملتفًّا حول ضريح الصّدى، قاطعًا الخيم النحاسيّة[4].على العشب والأغصان شباك العناكب والندى، وحفيف يتعالى بين الأشجار. الإله ديڤا اليوم في أوسع عطاياه؛ كانت الأرض ترقص تحت أقدامنا، فتيّة جميلة كأنّها في صباح خلْقها الأوّل. مررت بحانة اعتدتُ الاستراحة فيها خلال نزهاتي أيّام الربيع المنصرم. ميّزت المكان، فترجّلت عنده، وأفرغت كأسًا كاملة من الجعّة في جوفي بشربة واحدة. قابضًا على خصر الفتاة ذات العينين البنيّتين، أدرتها حولي مرارًا وقبّلت شعرها، ثم ودّعتها خارجًا.

هكذا، كما في الأغاني.

*        *        *

19 يونيو

نعود إلى السيّدة غرغوريوس، هناك ما يشغل بالها. أعترف أنني استغربت حركاتها.

هذه المرّة جاءت متأخّرة، انتهت الفترة المحددة للاستشارات العامة وتُركت وحدها تترقّب في غرفة الانتظار.

دخلت عليّ شديدة الشحوب، حيّتني، صباح الخير، وبقيت واقفة وسط غرفة الفحص. أشرت إليها بالجلوس، لكنها لم تبرح مكانها. قالت لي:

—كنت أخدعك في المرّة السابقة، لستُ مريضة، بل إن صحّتي في زهوها. أتيتك في شأن مختلف تمامًا أردت محادثتك عنه. لم أستطع وقتها، أيها الطبيب، أن ادفع نفسي للتفوّه به.

في الأسفل عبرت الشارع عربة أحصنة، تحمل براميل كبيرة، فارتفع منها ضجيج عال وهرعت لإغلاق النافذة. وفي الصمت المفاجئ، سمعتها تتمتم بصوت خفيض سريع بكلمات مرتجفة على حافة الدمع:

—صرت أشعر بنفور مريع تجاه زوجي.

وقفتُ في زاوية الغرفة وظهري نحو الموقد، وأحنيت رأسي في إشارة إلى تفهّمي وضعها. مضت في كلامها:

—لا أكرهه كإنسان، بل هو لطيف معي وخيّر. لم يفه بما يسيء إليّ قط. لكنه يوقظ فيّ إحساسًا نفّاذًا بالنفور منه.

ثم أخذت نفسًا عميقًا قبل أن تكمل:

—لا أعرف كيف أعبّر عن نفسي. ما طرأ على بالي سؤالك إياه هو أمر شاذّ جدًا، وربما يناقض معتقداتك. لا أدري ما هو رأيك في الأمور التي تشبه ما جئتك به، أيها الطبيب. لكني أعثر فيك على ما يلهمني الثّقة بك، ولا أعرف أحدًا آخر أستطيع البوح له بأمري، لا أحد في هذا العالم على اتساعه يمكنه مساعدتي. أيها الطبيب، هل تستطيع التحدث مع زوجي؟  هلّا أخبرته أنني أعاني من مرض ما، أعاني من مرض مُعدٍ في رحمي، وعليه لذلك أن يتنازل عن حقوقه الزوجيّة، على الأقل لفترة من الوقت؟

حقوق! مررت بكفّي على جبيني. كلّما تناهت إلى سمعي هذه الكلمة تُظلم الدنيا في عينيّ. أيها الرّب في عليائه، ما الذي حلّ بعقول البشر ليبتكروا أمورًا كالحقوق والواجبات!

اتضح لي وضوحًا لحظيًّا أن عليّ نجدتها، إن كان بيدي ما أستطيع فعله. لكن وقتها لم أجد ما أقوله، أردتها أن تمضي في حديثها. ربما كان تعاطفي معها مخلوطًا بجرعة من الفضول الصّرف.

قلت لها:

—سيّدة غرغوريوس، أعذريني على سؤالي هذا، لكن كم مضى على زواجكما؟

—ست سنوات.

—وهل كان ما تسمّينه حقوقًا زوجيّة أمرًا عسيرًا طوال الوقت، كما هو الآن؟

احمرّ وجهها بعض الشيء. قالت:

—لطالما استصعبتها. لكنها مؤخرًا باتت غير محتملة. لا أستطيع الاحتمال أكثر من ذلك، لا أعرف ما قد يصدر عني.

—لكنني لاحظت أن القسّ ليس بالرّجل الفتيّ الشاب. إنه ليفاجئني أنه وفي عمره هذا يستيطع أن.. أن يتعبك كثيرًا كما تقولين! كم عمره إن تحرّينا الدقّة؟

—ستة وخمسون عامًا، كما أظن. لا، ربما سبعة وخمسون، لكنه يبدو أكبر من ذلك بالطبع.

—حسنًا. لكن أخبريني سيّدة غرغوريوس، هل فاتحته بهذا الموضوع من قبل، وأعلمته كم يعذبك ذلك، سائلة إياه بودّ وبساطة أن يعذرك؟

—نعم، طلبت منه ذلك مرّة، فألقى عليّ عِظة دينيّة. قال إننا لا نعلم إن كان الله قد قدّر لنا أن نحظى بطفل أم لا، فنحن لم ننجب حتى الآن؛ ولذلك ستكون خطيئة ما بعدها خطيئة أن نحجم عن ما أمرنا الله بفعله كي نُرزق بالأبناء.. قد يكون على حق، لكنه أمر يعسُر عليّ.

ذُهلت، ولم أقو على منع ابتسامتي. يا له من عجوز خطّاء قاس!

انتبهت السيّدة لابتسامتي، وأعتقد أنها أساءت فهمها. وقفَت في مكانها صامتة لبعض الوقت، وكأنها تجمع شتات أفكارها، ثم استأنفت حديثها بصوت ضعيف راعش، والدم ينتشر في وجهها، والحُمرة تجتاح بشرتها كلها. قالت:

—لا، عليك أن تسمع القصة كلها. يبدو أنك خمّنتها بالفعل، فأنت ترى دخيلتي. أطلب منك أن تلعب دور الأحمق من أجلي. ولهذا عليّ أن أكون صريحة معك على الأقل. إنني زوجة خائنة. أعشق رجلًا آخر. ولهذا بات الأمر صعبًا عليّ صعوبة لا تطاق.

راوغت نظرتي لها وهي تفضي بكلامها ذاك. لكنني أنا، للتوّ وحسب، ولأوّل مرّة، أراها بحق. في تلك الوهلة رأيت امرأة تقف في غرفتي، امرأة لها قلب غامض يطفح بالرغبة، في وردة شبابها، معطّرة بالحُب، لكنها محمرّة خجلًا، لأن شذى عشقها العِطريّ نفّاذ، وسهل الملاحظة.

شعرت بنفسي أشحب.

رفعت رأسها والتقت أعيننا. لا أعرف ما الذي قرأتَه في عينيّ، لكنها لم تقوَ بعدها على الاستمرار في الوقوف، فغاصت في المقعد، مرتعشةً نائحة. ربما ظنّتني أحمل الأمر كلّه محمل الطيش، أو ربما غير مبال بها ويابس الفؤاد، وأنها فضحت نفسها لرجل غريب دون طائل.

اقتربت منها، أخذت كفّها ورحت أربت عليه: هنا، أنا هنا، لا يقلقنّك شيء، لا تبكي، لا تبكي بعد الآن. سأساعدك، هذا وعد.

—شكرًا، شكرًا…

قبّلت كفّي وبلّلتها بدموعها. راحت تنشج من جديد، ثم أشرقت ابتسامة من ظلمات نواحها. فكان عليّ أن أبتسم أيضًا. قلت:

—لكنك حمقاء لإخباري بالمعلومة الأخيرة! لا لأنك من المفترض أن تخافي من خيانتي ثقتَك بي، أو أنني قد أبتزّك؛ لكن لأن أمورًا كهذه لا بد من بقائها طيّ الكتمان دومًا ودون استثناءات! ولأنني بالطبع سأساعدك على أي حال. فأجابت:

—لقد أردت أن أخبرك! أردت من شخص أحترمه وأجلّه أن يحيط علمًا بذلك دون أن يحتقرني.

وهنا تذكّرت، وعرفت لماذا أنا بالتحديد. إنها قصة طويلة حدثت قبل عام، عندما سمعَت نقاشًا دار بيني وبين زوجها القسّ- كان مريضًا وكنت أعوده وقتها. قادنا نقاشنا إلى الحديث عن الدعارة. استعادت السيّدة كل ما قلته حينها، والآن راحت تعيده على مسمعي- قلت كلامًا بسيطًا وجِدُّ عاديّ، فحواه أن أولاء البنات الفقيرات لسن سوى بشر في النهاية، ولهذا يجب علينا معاملتهن والحديث عنهن كبشر…الخ. كلام عادي، لكن المختلف هو أنها لم تسمع أحدًا يتفوّه به قبلي. ومنذ ذلك اليوم وهي تُكبِرني، ولهذا استجمعت شجاعتها لتقف أمامي وتصارحني.

كنت ناسيًا ذاك كله. لكن ما تطمره الثلوج، تُخرجه السيول!

وعدتها أن أفاتح زوجها بالأمر اليوم، فغادرَت. لكنها نسيت قفّازيها ومظلّتها. فعادت باحثةً عنهما، وعندما اختفت من جديد كانت مشرقة، سعيدة، دائخة بالبهجة، مثل طفلة وجدت طريقها، وتتطلّع إلى نَيل فرحها الأكبر.

—————————

[1] أرتور شوبنهاور (1788–1860) فيلسوف ألماني، عُرف بفلسفته التشاؤمية وتبجيله العدم، من أقواله: الحياة تتأرجح كالبندول بين الألم والملل. (المترجم)

[2] بعد ما استولت روسيا على ممتلكات واسعة من الدولة العثمانية، سعى غريغوري بوتيمكين لإقناع الإمبراطورة بنجاح سياسته الاستعمارية والهادفة لاستعمار هذه الأراضي. ثم دعا الإمبراطورة لرحلة عبر النهر لتشاهد بنفسها من المركب عملية الاستيطان، وكانت حيلته هي صنع مجموعة من واجهات القرى المتحركة التي كانت تحتل المناطق التي تمر من أمامها سفينة الإمبراطورة، حيث يقوم المواطنون الروس بالتلويح لها وإطلاق صيحات السعادة والحب والترحيب. وفي المساء يجري فكّ القرى سريعا ونقلها إلى المناطق التي من المقرر أن تمر أمامها السفينة في اليوم التالي، وهكذا تقتنع الإمبراطورة بأن الأرض قد عُمّرت، وأن الناس يدعون لها ويهللون لها بالرخاء والسعادة. م.

[3]  يُرفع على قبب الكنائس عادةً تمثال ديك، وهو رمز لصدق المسيح، مأخوذ من قصّة نكران الحواريّ بطرس علاقته به؛ إذ قال له المسيح: «الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنَّكَ الْيَوْمَ فِي هذِهِ اللَّيْلَةِ، قَبْلَ أَنْ يَصِيحَ الدِّيكُ مَرَّتَيْنِ، تُنْكِرُنِي ثَلاَثَ مَرَّاتٍ» فأجابه بطرس «وَلَوِ اضْطُرِرْتُ أَنْ أَمُوتَ مَعَكَ لاَ أُنْكِرُكَ!» لكن بطرس بالفعل أنكر معرفته ثلاث مرّات عندما سُئل عن علاقته به في دار رئيس الكهنة، وما إن سمع صياح الديك مرّتين حتى تذكر نبوءة المسيح «فَلَمَّا تَفَكَّرَ بِهِ بَكَى». الآيات مأخوذة من إنجيل مرقس 14. م.

[4] ضريح الصدى هو بناء أنشئ عام 1790 كغرفة عشاء صيفية لملك السويد غوستاف الثالث في منتزه هاغا شماليّ ستوكهولم لحبّه تناول العشاء في الهواء الطلق. يشمل المنتزه أيضًا مبنى سرادق الملك، والخِيام النحاسيّة البديعة المصممة على شكل خيم الحرب الرومانية. م.