Mothering Sunday أحد الأمومة

غراهام سويفت
أحد الأمومة
(رومانسيّة)
ترجمة أحمد العلي
يصدُر عن مجموعة كلمات في معرض الشارقة الدولي للكتاب 2017
mother sunday

تقديم

جين فيرتشايلد، شابّة تعمل خادمة في أحد منازل الرّيف الإنجليزي، تلتقي عشيقها السرّي، بول شيرينغهام، الشّاب النبيل الذي ينتمي إلى العائلة السّاكنة في الجوار. يتمّ اللقاء بينهما في يوم أَحَد الأمومة (عيد الأم) حيث تُصرَف الخادمات نهارًا للسّفر كي يزُرنَ أمّهاتهن. تغدو البيوت فارغة من سكّانها حينها، فالنُّبلاء يخرجون إلى حيث يُخدَمون حتى عودة الخدَم ليلًا. لكن جين تقضيه مع بول، رغم أنّه على وشك الزواج من امرأة توافق متطلّبات طبقته العائليّة ومستواها، وقد اقترب موعد حفلة زواجه، وبدا لها أن هذا اليوم هو يومهما الأخير معًا.

يسير السّرد في الزّمن ماضيًا وحاضرًا، منذ عام 1924 وحتى نهاية القرن. تكبُر جين فيرتشايلد، الخادمة التي تتحوّل إلى أشهر روائيّة في الوسط الأدبي. تكون قد أصدرت عدّة روايات اشتُهرت بها، غير أن هناك رواية واحدة لا تستطيع كتابتها، لا تستطيع الإفصاح عمّا جرى، في ذلك اليوم العجيب السحريّ، يوم أحد الأمومة قبل عشرات السّنين.

يخلق غراهام سويفت شخصيّة جين فيرتشايلد على غرار شخصيّة سندريلا الكلاسيكيّة، ويُجدّد بذلك طريقة الحكواتي التقليدية، فيأخذها لا ليوجّهها إلى الأطفال، بل الناضجين، ويُعيد كتابة سندريلا فيحوّلها إلى جين، التي تؤمن بقدراتها وذكائها، وتقرأ الكتب، ولا رجُل في حياتها تنتظره كي يرفع من قَدْرها ومقامها، وتنزع عنها ثياب الخادمات لترتدي ما تريده هي. قصّة رومانسيّة ينقبض لها القلب، كُتبَت بأسلوب سرديّ خلّاب وتجريبيّ، ما جعل منها حكاية نادرة ومُثيرة.


“تراجيديا قصيرة ومؤلمة… رواية سويفت هذه، ولا شك، تُحفة أدبيّة”
Guardian”إنّه سيّد التفاصيل وتأجيل اللحظة، يكتب سويفت بأناةٍ وتراكُم خالقًا سردًا يحمل أكثر ممّا يجده المرء في القراءة الأولى”
Independent”«أحد الأمومة» رواية قويّة، فلسفيّة، وشديدة الخصوصيّة، عن حيواتنا التي ندفعها إلى الأمام، وتلك الحيوات الموازية لنا، تلك القصص المستغلقة التي لا يمكن لنا أبدًا معرفتها…”
Observer


الفصل الأول

كان يا ما كان، قبل مقتل الفتيان، حين كانت العربة أقلّ رواجًا من الحصان، وقبل تسريح الخَدَم الذّكور من الدُّور، في أراضي آبلي وفي بيتشوود العالية، مكتفين بخادمةٍ وطاهية، كانت هناك عائلة تُدعى آل شيرينغهام. لم تكن تملك مجرّد جيادٍ أربعة، بل إن بينها (جوادًا أصيلًا)، جواد سباق، فحْلًا، اسمه فاندانغو، يرعى في اسطبلٍ جوار نيوبيري. لكنّه لم يربح قط قرشًا. والسّبب هو تدليل العائلة له، فهم يأملون منه تحقيق الشُّهرة والنّصر في ميادين السّباق جنوبيّ إنجلترا. وقد اقتضى الاتفاق أن ماما وبابا (أو ʼالعصابة وفق معجمه الكلاميّ الغريب) لهما رأسُ الحصان ومُجمل جسده، بينما الفِتيان –هو ودِك وفريدي– لكلّ واحدٍ منهم طرفٌ من الأطراف.
«ماذا عن السّاق الرابعة؟»
«أوه، السّاق الرابعة، هذا هو السؤال الأزليّ.»
لزمنٍ طويل، لم يُعرف من الحصان سوى اسمه، ولم يُرَ قط. غير أنّه اسمٌ غُذّيَ طويلًا فغدى ثمينًا ذا جاه، ويدُلّ على حُسن الرعاية. بِيعَ عام 1915، بينما عمره خمس عشرة سنة أيضًا. «قبل دخولك حياتي يا جيجي (جين)». باستثناء ذاك الصّباح الباكر من حزيران، في زمنٍ بعيد، ذهبوا جميعًا ليُعاينوا عن قُربٍ جُموحَه وغرابته، فقط لرؤية فاندانغو، حصانهم، يعدو طَليقًا نافرًا بين المروج؛ فقط ليقفوا عند السياج ويحدّقوا فيه، ترافقه خيولٌ أخرى، ينطلق عاصفًا نحوهم ليجتازهم خطْفًا. هو وماما وبابا ودِك وفريدي، وشخصٌ آخر ربما، من يدري؟ شَريكٌ شبحيٌّ هو المالك الحقيقي للسّاق الرابعة.
وكانت يده على ساقها.
إنها المرّة الأولى التي تشهد فيها عينيه تغرورقان، فيُخيّل إليها أنها لربما كانت هناك معهم (ولسوف يرافقها هذا الإحساس حتى تبلُغ التّسعين من عمرها) وأنها ربما تستطيع بمُعجزة خارقة أن تذهب معهم مرّة أخرى، أن ترافقه هو، أن تقف بمحاذاة السّياج لترى فاندانغو يندفع مسرعًا على مسافةٍ منهم قصيرة، قاذفًا بحوافره التُّربة النديّة. لم ترَ أمرًا مشابهًا من قبل، لكنها تستطيع أن تتوهّمه إلى حدّ أن تُبصره بوضوح. شريكهم الشبحيّ. سترى الشّمس حينئذ تعلو، قُرصًا أحمر يطلّ على الحقول الرماديّة، بينما الطّقس يُرجف الهواء برْدًا، وهو –ربما– يُقاسمها الشّراب في قارورة فضيّة، ويده تتحسّسُ –في خلسةٍ من أهله– ردفها.***لكنها تراه الآن ينهض عاريًا إلّا من خاتم فضّةٍ منقوش، عابرًا الغرفة المضاءة بالشّمس. لن تقول عن رجلٍ آخر، بقيّة حياتها، مهما بلغَ جهده، أنّه فحل. إلّا هو. كان في الثالثة والعشرين من العمر، وهي في الثانية والعشرين. وكان أيضًا – لو صحّ التعبير– أصيلًا، لكنها لم تُدرك هذا التعبير الأخير وقتها، لم تعرف صفةً لما جرّبته سوى الفحولة، لم تتعلّم بعد مليون مفردة. الأصالة: هي ما تليقُ به، حيث أن ʼالنّسلʻ وʼالمنشأʻ هو كلّ ما له اعتبار لمن هُم في وضْعه وفي طبقته، ولا يهُم لأيّ غاية يُعتنى بهذا الأمر كلّه ويُحافَظ عليه.
إنّه الرابع والعشرون من آذار عام 1924. لم يكن حزيران، بل كان يومًا يشبه حزيران. ولابدّ أيضًا أنّ الوقت هو ما بعد الظّهيرة بقليل. النّافذةُ فُتحت، وراح هو يسيرُ، دون رداء، في غُرفةٍ مِلْؤها الشّمس، مرتاحًا غافلًا، مثل أيّ حيوان على الأرض، في مقدوره فعلُ ما شاء في غرفته تلك، بصراحة ووضوح. لكنها هي التي لم تكن فيها من قبل، ولن تدخلها مرّة أخرى أبدًا.
وكانت هي أيضًا عارية.
إنّه الثلاثون من آذار عام 1924. كان يا ما كان. وظلالُ العريشة التي تسلّقت النافذة تنام على جسده مثل زخارف المشجّرات. أمَا وقد قامَ وجمعَ في يده علبة السجائر والقدّاحة، ومنفضة فضّية صغيرة من فوق المنضدة، التفت نحوها. وهناك، خلال أجَمة من الشّعر الفاحم الكثيف، الذي تغسله الشّمس بضوئها، كان قضيبه، وكانت خُصيتاه، تتخبّط بعضها ببعض، وما تزال لزجة. في مقدورها إن أحبّت أن تنظر إلى ذاك كلّه، دون ممانعة.
لكنّه وقتها سيصطاد نظرتها وينظر إليها. كانت تستلقي منبسطة الأطراف كيفما اتّفق، عاريةً إلّا من قُرطَيها، وما أرخصهما، لكنّها لم تملك غيرهما. لم ترفع الملاءة إليها. بل وإنها كانت تجمع ذراعيها خلف رأسها كي تُحسن التمعّن فيه. يستطيع هو في المقابل التمعّن في كلّ ما فيها. أَطْعِم عينيك. تعبيرٌ وردَ إلى ذهنها، ما استدعى تعابيرَ أخرى كثيرة. أيُّها الفتى، أَطْعِم عينيك.
في الخارج، كانت مُقاطعة باركشير منبسطةً أيضًا، ترتدي أساورَ من خُضرةٍ نَضِرة، وهي تنعُمُ في آذار بشمس يومٍ من حزيران.
ما زال وقتَها يركض وراء الخيول. بمعنى أنه ما كفّ يرمي أمواله جزافًا في سبيلها. تلك هي طريقته في التوفير، أن يبعثر أمواله في عالمها. لقُرابة ثماني سنوات، عاش بأموالٍ من المُفترض أن تقسّم على ثلاثة أشخاص، نظريًّا. كان يسمّيها ʼالغنائم،ʻ وأراد أن يُثبت أنه يستطيع المضيّ في حياته دونها. وما الذي كان الاثنان الآخران ليفعلاه بها خلال السّبع سنوات الماضية (كما يُحبّ تذكيرها أحيانًا،) بالتّأكيد لا شيء، سوى التكتّم عليها، والتحسّب للمخاطر، والتحايل، ومشاركة الرّغبة في إظهار حُسن التصرّف بها أمام الآخرين.
لكنّهما لم يقوما بشيء من ذاك القَبيل قط. ولم تكن هي في هذا السّرير من قبل قط (لقد كان سريرًا لشخصٍ واحد لكنّه واسع،) ولا في هذه الغرفة قط، ولا هذا المنزل. ولمّا كان وجودها هنا لم يكلّف شيئًا، فهذه أعظم الهدايا والهِبات.
وإن لم يكلّف شيئًا (ربما كانت دومًا تذكّره بهذا) فماذا عن تلك الأيام الأُوَل، حين اعتاد استدراجها بسِتّة قروش؟ أو أنها كانت ثلاثة؟ في مُستهلّ تعارفهما، قبل أن يتحوّل ما تكرّر حدوثه دون مقابل إلى علاقة جديّة (هل هذه هي الكلمة الصائبة؟) لكنها لا تجرؤ أبدًا على تذكيره بذلك. ليس الآن على أيّ حال. ولا تجرؤ على قذف هذه الكلمة في وجهه ʼجديّʻ.
جلس على السرير جوارها. أجرى كفًّا على بطنها كأنّه يرفع عنه غبارًا خفيًّا، ثم وضع عليه القدّاحة والمنفضة، محتفظًا بعلبة السجائر. أخرج منها اثنتين، وألقم إحداهما شفتيها الممْدودتين المعترضتين. لم تُزِح ذراعيها عن مكانهما خلف رأسها. أشعل سيجارتها ثم سيجارته، ثم تمدّد إلى جانبها بعد أن نقل القدّاحة والعلبة إلى المنضدة، تاركًا المنفضة في المساحة الرّخصة بين سرّتها وما أمكنه بسعادةٍ التلفّظ باسمه في تلك الأيام، دون استعراضيّة فجّة: فرجها.
قضيب، خصيتان، فرج. كانت هناك في ذاك الزّمن أسماءٌ بسيطة وصريحة.
إنّه الثلاثون من آذار عام 1924. كان يوم أحد، وهو ما اعتاد الناس على تسميته: أحد الأمومة.

***

«حسنٌ، هذا يوم جميل تقضين فيه حاجتك» قال لها السيّد نايفن بينما تجدّد له القهوة والخبز المحمّص.
«أجل، سيّدي» أجابته، وراحت تفكّر إلامَ يرمي بقوله ʼحاجتكʻ.
«إنّه يوم رائع حقًّا،» وكأنّه قد أهداها إيّاه من واسع كرمه. ثم التفت إلى السيّدة نايفن قائلًا: «تدرين، لو أخبرَنا أحد إنّنا سنتمتّع بهذا الطقس اليوم، لأعدَدْنا سِلال الطعام كي نتنزّه جميعًا جهة النهر.»
قال ذلك بلهفةٍ وحماسة دفعتاه لوضع صحن القهوة جانبًا، ما دفعها للظنّ وهلةً أنّ هناك تبديلًا في الخطّة الأساسيّة، وبالتالي فإنّه من المطلوب منها ومن ميلي إعداد سلّة النّزهة. مهما كانت السلّة التي لربما ستُعدّانها، ومهما كان ما ستحضّرانه لملئها في ظلّ هذا القرار المفاجئ المستهتر، فاليوم هو يومهما.
قالت السيّدة نايفن بعدها: «إنّه آذار يا عزيزي غودفري،» ثمّ حدجت النافذة بنظرة ملؤها الشّك.
حسنٌ، لقد أخطأَت التّقدير. لم يزدَدْ طقس اليوم سوى روعة وصفاء.
وعلى أيّ حال، إنّ لآلِ نايفن خطّتهم اليوم، والتي لن يستطيع الطقس سوى الابتسام بينما يُتابع مجرياتها. إن عليهم السّياقة إلى هينلي كي يُقابلوا آل هوبداي وآل شيرينغهام. يجتمعون آخذين في الاعتبار ورطتهم المشتركة (والتي تحدُث مرّة واحدة في السّنة ولجُزءٍ من اليوم وحسب.) لهذا يلتقون لتناول طعام الغداء في هينلي، متأفّفين من العناء المؤقّت الذي يسبّبه غياب الخدم.
تلك كانت فكرة آل هوبداي، أو لنقُل دعوَتهم؛ فبالنظر إلى أن بول شيرينغهام سيتزوّج إيما هوبداي خلال أسبوعين، فقد قام آل هوبداي بطرح الفكرة على آل شيرينغهام؛ نُزهةٌ للغداء: فُرصةً لرفع الأنخاب وتجاذب أطراف الكلام عن الحدث القادم، كما أنّه حَلٌّ مقبول للمُعضلة العمليّة التي يعيشونها في أحد الأمومة. ولأن آل نايفن أصدقاء مقرّبون من آل شيرينغهام وجيرانهم، وسيكونون ضيوف الشّرف في حفلة الزواج (ولذلك سيُشاركون في تذليل بعض الصعوبات،) فإن آل نايفن (كما قال لها السيّد نايفن عندما أخبرها عن الترتيبات التي لا مناص من إنجازها) قد ʼتورّطواʻ.
وهذا ما أكّد لها أمرًا لطالما تيقّنته. مهما كانت هويّة التي سيتزوّجها بول شيرينغهام، فإنّه في الحقيقة يتزوّج أموالها. رُبما هو مضطرٌّ إلى ذلك، نظرًا إلى الطريقة المستهترة التي عاش بها خلال السّنوات الماضية. سيتحمل آل هوبداي تكاليف حفلة زواجٍ كامل، وهل احتاجوا أيضًا إلى الاحتفال اليوم بقدوم احتفال؟! ليس إلّا أن تملك ما يكفي ويزيد. قد لا يتكبّد آل نايفن اليوم شيئًا سوى قنّينة شامبين؛ فعندما أتى السيّد نايفن على ذِكر سلّة النّزهة، ربما كان مشغول الذّهن بمدى سخاء آل هوبداي، وإلى أيّ حدّ يمكن الاتّكال على ثروتهم، أو كم سيتكلّف هو اليوم من جيبه الخاصّ.
غير أن امتلاك آل هوبداي ما يكفي ويزيد أمرٌ أسعدها. لا شأن لها بذلك إطلاقًا، لكنّه أسعدها. أسعدها أن إيما هوبداي عبارة عن أوراق نقديّة من خمسة جنيهات، وأن هذه الزّيجة هي سبيلٌ مدروس لتحصيل ʼالغنائمʻ. أسعدها ذلك، أو بمعنى أدقّ: واساها. لكنها تلك الأمور الأخرى التي قد تتطلّب مشاركتها (أو كما قال السيّد نايفن عن ʼالورطةʻ) هي ما تسوؤها.
وهل سينضمّ السيّد بول والسيّدة هوبداي إلى حفل الغداء اليوم؟ لم تستطع أن تستفسر عن ذلك مباشرة، مهما بلغت أهميّة الجواب بالنسبة لها حدّ الموت، فالسيّد نايفن لم يتبرّع بالإفصاح عن هذه المعلومة.
«هل لكِ أن تعيدي كلّ ما قلتُه بشأن الترتيبات على مسامع ميلي؟ لا شيء منها بالطبع سيؤثّر على ما أعددْتُماه لنفسيكما من خطط مسبقة.»
بالطّبع، قليلة هي تلك المناسبات التي تُتيح له قول مثل ذلك، فلا يوفّرها.
«بالطّبع، سيّدي.»
«سنقيم كرنفالًا صاخبًا في هينلي، يا جين! إنّه لقاء الأعراق! لنأمل أن يواتينا الطّقس على قدْر المناسبة.»
لم تكن متيقّنة من معنى ʼكرنفالʻ. لكنها شعرت أنها قرأت الكلمة في كتابٍ ما. لكن ʼفالʻ أو ʼفألʻ تقترح معنىً ما: سعادةً قادمة.
«آمُلُ ذلك أيضًا، سيّدي.»