Last Orders الطلب الأخير

غراهام سويفت

الطلب الأخير

ترجمة إيمان أسعد

تحرير أحمد العلي

يصدُر عن مجموعة كلمات في معرض الشارقة الدولي للكتاب 2017

last order


تقديم

«الطّلب الأخير» هي قصّة أربعة رجال مقرّبين من صديقهم جاك، الجزّار اللندنيّ الذي توفّي مؤخّرًا، يجتمعون لتحقيق أمنيته الأخيرة: أن يُنثر رماده في البحر. الرّجال الذين تتمحور حيواتهم حول العمل والعائلة وسباقات الخيول، والمشرَب الصّغير الذي يجتمعون فيه دومًا سنوات طويلة، لابدّ أن يقطعوا الطّريق معًا إلى بلدةٍ ساحليّة لندنيّة بعيدة لإنجاز المهمّة.

عبر المحادثات والمونولوجات والذكريات، وبينما تستقلّ المرسيدس ذات اللون الأزرق الملكيّ نحو البحر، ترسم كل شخصيّة طُرُقَ حياتها التي سلكتها لتصل إلى هنا، الطُّرُق التي شقّتها باختيارها حينًا وبالحظّ والقدر أحيانًا أخرى: عبر الحرب العالمية الثانية وتبعاتها، ودراما الحياة العائلية، وعلاقات بعضها ببعض، بينما جاك ينتقل بين أحضان راكبي السيّارة، رمادًا في جرّة.

خلقَ سويفت، من خلال منح كل شخصيّة الفرصة لتتحدث عن نفسها بطريقتها وأسلوبها، تنوّعًا مميّزًا من الأصوات والتفاصيل غير المكتملة أبدًا وزوايا النظر إلى الأحداث. يكتب سويفت سرديّة تكشف بدقّة لا عن الارتياح للعادات العتيقة والأصدقاء القدامى عند كبار السّن، بل وتعقيد التقدّم في العمر، وشجاعة خوض الحياة اليوميّة، ومحاولاتهم الدائمة للعثور على مبرّر لخوضهم كل التلك السنوات الماضية دون أن يُنجزوا، وقد اقترب الموت، ما كانوا يأملون.


الرواية الفائزة بجائزة المان بوكر 1996

نهائيّات جائزة IMPAC Dublin Literary 1998

“رواية غير مسبوقة، معقّدة وتتكوّن من طبقات عدّة ما جعلها تنبض بالحياة وخُسران الحُبّ واكتسابه…”

The Globe and Mail

“سويفت، دون شك، أحد ألمع كُتّاب إنجلترا الأحياء… إنّ السّرد الذي يكتبه مؤثّرٌ بشكل تراكميّ، هادئ…”

The New York Review of Books


مجتزأ من الفصل الأول

ليس بيومٍ عادي مثل أيّام حياتك.

يتناول بيرني قدح بيرة ويضعها أمامي. يتأملني محتاراً. على وجهه المهلهل ملامحُ كلبٍ عجوزٍ يترقَّبُ كلمةً منّي، لكن سرعان ما يدرك أني لا أودُّ الحديث. فلذلك أنا هنا، خمس دقائق بعد فتحه الحانة، لأحظى بطقسي الوداعيّ، بوّو صامت، فقط أنا وقدحي. تقع عيناه على ربطة عنقي السوداء، ما زلتُ أرتديها رغم مرور أربعة أيّامٍ على الجنازة. أناوله ورقة الخمسة جنيهات، يأخذها ويتوجه نحو ماكينة الصراف ثم يعيد لي الباقي. وبينما يحدق بي، يضع العملات المعدنية برفقٍ زائد على المشرَب، جوار قدحي، ثم يقول لي:

” لن يعود الوضع كما كان، أليس كذلك؟” يهز رأسه، يتأمل النضد على طول المشرَب كأنما يتأمّل خلاءً: “لن يعود الوضع كما كان عليه.”

أقول له:” أنت لم تشهد نهايته بعد.”

“ماذا؟”

أرتشفُ الرغوة عن البيرة:” قلت، لم تشهد نهايته بعد.”

يحك وجنته عابساً بينما ما يزال ينظر إليّ:”طبعاً راي.” ثم يمضي بعيداً عني نحو الجهة الأخرى من المشرَب.

لم أقصد أيّ سخرية حين قلتُ ما قلتْ.

أتجرّعُ شرابي وسرعان ما يحمرُّ أنفي. عدايَ أنا، هناك ثلاثة أو أربعة طيورٍ مبكّرة جاءت تتجرع نصيبها من الشراب، أمّا الحانة فلا تبدو لي في أفضل حالاتها. باردةٌ حدَّ القشعريرة، رائحة المعقّم تفوح منها، وكثير كثير من المقاعد الشاغرة. شعاعٌ من ضياء الشمس يخترق النافذة الملطخة ببقعٍ ملونة، فيخيّل إليك أنك جالسٌ في رحابِ كنيسة.

أجلس هناك، أترقب ساعة الحائط القديمة خلف المشرَب. (ثوس. سلاتيري)، صانع الساعة، (ساوث وورك). القوارير مصفوفة كأنها أنابيب الأرغن الكنسيّ.

ليني وصل أولاً. لم يكن يرتدي ربطة عنقٍ سوداء، هو لم يرتدِ ربطة عنقٍ على الإطلاق. بلمحةٍ خاطفة يتأمل ملابسي، وكلانا يشعر أنه أساء الاختيار.

أسأله: “بيرة؟ الحساب على ليني.”

فيرد: “فلنبدأ لمّ الشمل.”

بيرني يأتي صوبنا، موجهاً الحديث نحو ليني:

“جدولٌ جديد؟”

يرد عليه: “صباح الخير.” وأقول له: ” قدح بيرة لليني.” بيرني لا يجيبني ويتابع حديثه مع ليني:

“كلّنا متقاعدون الآن، أليس كذلك؟”  يجيبه معترضاً: “ليس أنا، فقد تجاوزتُ مرحلة التقاعد، أليس كذلك بيرن؟ فأنا لست رجلاً متفرغاً مثل صاحبنا رايزي، فتجارةُ الخضر والفاكهة تحتاجني.”

يصب بيرني قدح البيرة ويناولها لليني:” ليس اليوم على ما يبدو.” ثم يتجه نحو ماكينة الصراف.

ينظر ليني نحو بيرني ويتساءل:

” أنت لم تخبره؟”

متأملاً قدحي، ثم ليني:

“لا.”

يرفع ليني حاجبيه. الدم يفور في وجهه المحتقن كأنما تلقى توًّا لكمةً قوية. دائماً ما يبدو هكذا، كأنما رضّةٌ ستبرز على وجهه في أيّ لحظة. يشد ياقته حيث لا ربطة عنق هناك ويقول:

“سيلتمّ شملنا. وماذا عن آمي، ألن تأتي؟ أعني، ألم تبدّل رأيها؟”

“لا، نحن فقط على ما أظن، الدائرة الأقرب.”

“هو زوجها!”

يمسك قدحه لكنه يتمهل قبل رفعها، كأنما اليوم يفرض علينا قوانين جديدة حتى في طريقة شُربنا البيرة.

“هل سنذهب إلى ڤيك؟”

“لا، ڤيك قادمٌ هنا.”

يومئ برأسه، يرفع كأسه، وبينما الكأس في منتصف طريقها نحو فمه، فجأةً يتفحصها. حاجباه يرتفعان أكثر.

“ڤيك قادمٌ هنا برفقة جاك، فاشرب ليني، اشرب.”

ڤيك يصل بعد خمس دقائق. يرتدي ربطة عنقٍ سوداء، لكن من المتوقع أن تراه يرتديها، فهو حانوتيّ، ويأتينا الآن من مقرّ عمله. لكنه ليس في كامل حُلّته الحانوتية. بل يرتدي معطفاً واقياً من المطر رمليّ اللون، قُبّعته البيريه طرفها ناتئٌ من إحدى جيبيه، كأنما يودّ إيصال الرسالة بكلِّ وضوح: اليوم الوضع مختلف، اليوم هو واحدٌ منّا، ولا ينضمّ إلينا بحكم عمله وحسب.

“صباح الخير.”

كنت أتساءل ما الذي سيُحضره معه. وأجزم أنّ ليني كان يتساءل هو الآخر. المشهد الذي توقعت هو رؤيته يفتح فيه ڤيك باب الحانة، وفي خطىً مهيبة ووقورة يسير نحونا حاملاً معه تابوتاً صغيراً من خشب البلوط ومقابضه من نحاس. لكن كل ما كان يحمله في الواقع، تحت ذراعه، هو علبةٌ بنية من الكرتون، ارتفاعها قدم وعرضها ست بوصات. دخل وبدا كرجلٍ أتانا توًّا من السوق بعد شرائه ألواح قرميدٍ للحمّام.

يستقر ڤيك على المقعد جوار ليني، يضع العلبة على المشرَب، ثم يفك أزرار معطفه:

“مباشرةً من الفرن.”

يسأله ليني متعجبّاً: ” تمّ الأمر؟ هذا هو؟”

ويجيبه: ” نعم. ماذا سنشرب؟”

عينا ليني ما تزالان على العلبة:

“ما الذي يوجد داخلها؟”

“ماذا تظن ليني؟”

يقلب ڤيك العلبة كي يسعنا رؤية البطاقة البيضاء الملصقة على أحد جوانبها، مدونٌ عليها تاريخ ورقم، واسم: جاك آرثر دودز.

“أعني، لا يعقل أن يكون في علبة، هل يعقل؟”

حتى يجيب تساؤل ليني، يرفع ڤيك العلبة وينقر بإبهامه المصراع أعلاها:

“صُبّ لي ويسكي، برأيي هذا يوم ويسكي.”

يتحسس ڤيك داخل العلبة، وعلى مهل يسحب مستوعبةً بلاستيكية. تبدو كجرّة قهوة سريعة-الإعداد، حتى أنها تملك السُّدادة اللولبية ذاتها، لكن الجرة ليست شفافة، بل بلاستيكية برونزية اللون مع قليل من اللمعان. توجد بطاقة أخرى على السدادة. يناول ڤيك الجرة إلى ليني:”هاك.”

يتناولها ليني منه، متردداً، كأنما لم يكن مستعداً لتناولها لكن لم يسعه رفض تناولها، كأنما وجب عليه غسل يديه أولاً. لا أظنه توقع وزنها. يعود ويجلس على مقعد المشرَب ممسكاً بها، محتاراً بما عليه أن يقول، لكني أظنه يفكر بما أفكر به. إن كانت الجرة تحوي كلَّ جاك أم تحوي بضعةً من جاك مخلوطةً ببضعة من أشخاص آخرين، هؤلاء الذين حُرِقوا قبله وأولئك الذين حُرِقوا بعده، إن كان ليني لا يمسك بين يديه جاك وحسب، بل كذلك زوجةَ رجلٍ آخر. وحتى إن فرضنا أنّ جاك وحده في الجرة التي يمسكها بين يديه، فهل الجرة تحوي كلّ جاك، أم فقط ما يكفي منه لملء الجرة، فجاك كان رجلاً ضخماً.

يناولني ليني الجرة في محاولةٍ منه لتعديل مزاجي، كأننا نمارس لعبة ” خمّن الوزن ” في حفلٍ ما:

“لا يبدو معقولاً لي، أيبدو معقولاً لك؟”

أجيبه: “ثقيل.”

يؤكد ڤيك تخميني: “معبّأ حتى العنق.”

لا أظنني سأملأ جرّةَ كهذه، فأنا رجلٌ صغير. لا أظن من الجدوى فكّ غطاء الجرة.

أعيدُها إلى ليني. وليني يعيدها إلى ڤيك، ما يزال ينتظر طلب شرابه:

“أين ذهب بيرني؟”

ڤيك رجلٌ مهندم، دائماً على أهبة الاستعداد، هو ذاك الشخص الذي دائماً ما يفرك يديه قبل أن يستهل فعل أي شيء. يداه دائماً نظيفتان. حين كنت حاملاً الجرة، أخذ ينظر إليّ كأنما أهداني توًّا هديّة. من المطمئن معرفة أن الحانوتي هو صديقك. لابدّ وأنّه كان مطمْئناً لجاك. فمن المريح معرفة أن صديقك هو من سيسجّي جثمانك ثم يعلِّبك ويفعل كل ما هو ضروري من أجلك. لذا الأجدر بڤيك أن يعيش عمراً أطول من بقيتنا.

ولابدّ أنّ جاك كان مطمئنًّا لوجود دكّانه «دودز وابنه، ملحمة عائلية» في الشارع ذاته حيث ڤيك على الرصيف المقابل، حيث الورود الشمعية وألواح بلاط الرخام والملَاك يحني رأسَه على النافذة الرئيسية لدكّانه: «تاكر وأبناؤه: خدمات جنائزيّة». ذاك مصدر راحةٍ وعامل تحفيز، وحتى نوعًا من التوافق بينهما، ففي دكان أحدهما معلقّة حيواناتٌ ميتة، وفي الآخر ترقدجثثٌ متيبسة.

ربما لهذا السبب ما كان جاك ليتزحزح أبداً من دكانه.