The Cement Garden الفناء الإسمنتيّ

إيان مكّيوان
الفناء الإسمنتيّ
ترجمة أسامة إسبر
تحرير أحمد العلي
يصدُر عن مجموعة كلمات في معرض الشارقة الدولي للكتاب 2017
cement garden.jpg

تقديم

عندما حاول جاك (14 عامًا) أن يقلب نظام البيت، فشل فشلًا ذريعًا. لقد أعدّ نُكتةً بالتواطؤ مع أخته كي يتندّر على والدهما أثناء تناول الطعام، أراد أن يقلب الأدوار ولو لحظة. لكنه فشل. لم يضحك أحد. وليست هذه هي العلاقة الوحيدة غير المتوازنة بين جاك ومُحيطه، بل إنّه يقف على مسافةٍ من أمّه أيضًا وإخوته، والمدرسة، والحيّ، فبات يشعر أنّه وحيد ومُهمَل.

يموت الأب أوّلًا، ثم الأم، فيغدو الأطفال الأربعة وحدهم في منزلٍ واسع شبيه بالقِلاع القديمة، ينتصب وحيدًا في حَيٍّ هُدمَت أغلب منازله لصالح بناء أبراج سكنيّة وشَقّ شوارع جديدة. متحرّرين من المراقبة وأوامر الأمْر والنّهي، يستطيعون القيام بما يشاؤون، طالما أبقوا على السّرّ المخبّأ في المنزل سرًّا: لقد مزجوا كميّة كبيرة من الإسمنت الذي جلبه والدهم لإصلاح الحديقة، ودفنوا به أمّهم في القبو.

رحلة من الانقلابات النفسيّة المُتعبة، يخوضها المؤلّف، ناقشًا بدأب تفاصيل الطفولة والمراهقة، كاشفًا عمّا يتناساه الكبار طوال الوقت، أو ينكرونه. من الأماني المُحرّمة إلى الألعاب التي يقف لها شعر الرّأس، يبني رواية ممتعة بطريقتها الغريبة للوصول إلى المسكوت عنه.


“بشكلٍ عجائبيّ، يخلق مكّيوان فضاءً من المراهقين الذين وصلوا تلك النقطة من البلوغ التي يتوقون إليها، حين تُحيط بالأمور العاديّة هالة غامضة، وحيث يغدو العجائبيّ مكانًا مفتوحًا لالتقاء الجميع…”

Sunday Times

“كتاب صادم، مشحون بأفكار مريضة منفّرة، وهي السبب في أنّ قراءته لا يُمكن مقاومتها.”

New York Review of Books

“إنّ سردَه دَقيق، حيّ، ساخر، ومُبهج للحواس… يُقلِق القارئ فورًا”

The Times


الفصل الأول

لم أقتل أبي، لكني شعرتُ أحيانًا أنّي ساعدته على شقّ طريقه إلى عالم الموت. ولولا حقيقة أن موته تزامن مع علامةٍ فارقة في نموّي الجسدي، لغدا دون أهميّة بالمقارنة مع ما أعقب ذلك. تحدّثتُ أنا وشقيقتاي عنه بعد أسبوع من وفاته، وقد أجهشتْ سو بالبكاء حين لفّه رجال سيّارة الإسعاف بغطاء أحمر فاقع ونقلوه بعيداً. كان رجلاً ضعيفاً وانفعاليًّا وموسوساً، يداه ووجهه يميلون إلى الاصفرار. وأذكر قصّة موته القصيرة هنا من أجل أن أبيّن فقط كيف حدث وصارت تلك الكميّة الكبيرة من الإسمنت تحت تصرّفنا.

في أوائل صيف سنَتِي الرابعة عشرة، صفّتْ شاحنة أمام منزلنا. كنت جالساً على العتبة الأمامية للبيت أعاود قراءة مجلة هزلية. سار السائق ومعه رجل آخر نحوي. كانا مكسوّين بغبارٍ دقيق وشاحب منح وجهيهما منظراً شبحياً. وكان كلاهما يصفر بحدة لحناً مختلفاً. نهضتُ وأزحت المجلة الهزلية بعيداً عن البصر. تمنّيت لو أنني كنت أقرأ صفحة سباق الخيول في صحيفة أبي أو نتائج مباريات كرة القدم.

قال أحد الرجلين: «إسمنت؟»

علقت إبهاميَّ في جيبيَّ، وحرّكتُ نفسي قدماً وضيّقتُ عينيَّ قليلاً. أردت أن أقول شيئاً مقتضباً وملائماً لكنني لم أكن متأكداً من أنني سمعتهما جيداً. صمتُّ طويلاً، فما كان من الذي تحدث إلا أن أدار عينيه نحو السماء، وواضعاً يديه على ردفيه حدق فوقي إلى الباب الأمامي. انفتح الباب وخرج أبي، عاضاً على غليونه وحاملاً حافظةً أسندها إلى ردفه.

«إسمنت،» قال الرجل ثانية، وهذه المرة بنبرة صوت منخفضة. هزَّ والدي رأسه. طويت المجلة الهزلية ووضعتها في جيبي الخلفي وتبعت الرجال الثلاثة على الممر إلى الشاحنة. وقف أبي على رؤوس أصابع قدميه كي ينظر فوق طرف الشاحنة، أخرج غليونه من فمه وهز رأسه ثانية. ضرب الرجل الذي لم يتحدث بعد ضربة وحشية بيده فتحرر رتاج فولاذي وانفتح طرف الشاحنة محدثاً ضجة كبيرة. كانت أكياس الإسمنت الورقية المحزومة بإحكام مرتبة عميقاً في الداخل على أرضية الشاحنة.

أحصى والدي الأكياس، ونظر إلى حافظته وقال «خمسة عشر!» نخر الرجلان. أحببت هذا النوع من الحديث. قلتُ أيضاً لنفسي «خمسة عشر.» حمل كل رجل منهما كيساً على كتفه وعدنا سالكين الممر، وهذه المرة كنت أنا في الأمام ويتبعني أبي. وحين درنا عند أحد جوانب المنزل أشار بقصبة الغليون المبللة إلى فتحة الفحم. ألقمَ الرجلان كيسيهما الفُتحة، ثم عادا إلى شاحنتهما لإحضار المزيد. وضع والدي علامة على الحافظة بقلم رصاص يتدلّى منها بقطعة خيط. تراجع إلى الخلف على كعبيه، منتظراً. استندت إلى السياج. لم أعرف لماذا جِيء بالإسمنت، ولم أرغب بأن أُقْصى خارج جماعة العمل هذه مُظْهراً الجهل. أحصيتُ الأكياس أيضاً، وحين انتهوا منها كلها وقفتُ قرب أبي بينما كان يوقّع وصل الاستلام. ثم عاد إلى الداخل دون أن يتفوه بكلمة.

في تلك الليلة تجادل أبي وأمي حول أكياس الإسمنت. ذلك أن أمي، والتي هي من النوع الهادئ، استشاطت غضباً. أرادت أن يعيد أبي الكمية كلها. كنا قد انتهينا لتونا من تناول العشاء. وبينما كانت أمي تتحدث استخدم أبي مطواة كي يكشط قشوراً سوداء من تجويف غليونه على الطعام الذي بالكاد لمسه. كان يعرف كيف يستخدم غليونه ضدها. قالت له إن النقود التي لدينا قليلة وإن توم سيحتاج في الحال إلى ثياب جديدة للذهاب إلى المدرسة. أعاد وضع الغليون بين أسنانه كقطعة مفقودة من بنيته الجسدية وقاطعها كي يقول إن أمرَ إعادة الأكياس «مستحيل» وأنّه قد «انتهى النقاش.» وبعد أن رأيت بنفسي الشاحنة والأكياس الثقيلة والرجلين الذين أحضراها، شعرت بأنه على حق. لكنه بدا مغروراً وأحمق إلى أقصى حد حين أخرج الغليون من فمه، وحمله من تجويفه وأشار بالمبسم المبلل إلى أمي. اشتد غضبها، واختنق صوتها من الحنق. اندفعتُ بسرعة أنا وجولي وسو وصعدنا الدرج نحو الطابق العلوي إلى غرفة نوم جولي وأغلقنا الباب. وقد وصل إلينا ارتفاع وانخفاض صوت أمنا من خلال الأرضية، لكن الكلمات لم تكن واضحة.

استلقت سو على السرير ضاحكة وبراجمها في فمها، بينما وضعت جولي كرسياً وثبتته على الباب. عرّينا معاً سو بسرعة من ثيابها، وحين كنّا نُنزل بنطالها تلامست أيدينا. كانت سو نحيلة وجلدها مشدود بقوة على قفصها الصدري فيما الحافة العضلية القاسية لردفيها تشبه على نحو غريب لوحي كتفيها. كان شعر بنيّ زنجبيلي خفيف ينمو بين ساقيها. وكانت اللعبة هي أنني أنا وجولي عالمان يفحصان عينة من الفضاء الخارجي. تحدثنا بألفاظ ألمانية مختصرة ونحن نواجه بعضنا بعضاً فوق جسدها العاري. ومن الأسفل وصل إلينا الطنين المتعب والملحّ لصوت أمنا. عظام وجنتَي جولي عالية تحت عينيها، ما وهبها تلك النظرة العميقة لحيوان برّيٍّ نادر. وفي الضوء الكهربائي بدت عيناها سوداوين وكبيرتين. وكان الخط الناعم لفمها مكسوراً فحسب بسنّين أماميين، وعليها أن تتجهم قليلاً كي تخفي ابتسامتها. واشتهيت أن أفحص أختي الأكبر لكن اللعبة لم تسمح بذلك.

«حسناً»، أدرنا سو على جانبها، ثم على بطنها. داعبنا ظهرها وفخذيها بأظافرنا. ونظرنا في فمها وبين ساقيها بمصباح يدوي وعثرنا على الزهرة الصغيرة المصنوعة من اللحم.

«ما رأيك بهذا أيها الطبيب؟» داعبتْه جولي بإصبع مبلل فسرتْ رعشة خفيفة عبر الهيكل العظمي النحيل لسو. راقبتُ عن كثب. بللتُ إصبعي وأدخلته وراء إصبع جولي.

«لا شيء يدعو للاهتمام»، قالت في النهاية، وأغلقت الشقّ بإصبعها وإبهامها «لكن سنبقى نراقب من أجل أيّ تطوّرات أخرى، حسنٌ؟» توسّلتْ إلينا أن نواصل. نظرتُ أنا وجولي إلى بعضنا بمعرفة، دون أن نعرف شيئاً.

قلت: «إنه دور جولي.»

قالت ما تقوله دوماً: «كلا، إنّه دورك.»

وهي ما تزال على ظهرها، توسلت إلينا. عبرتُ الغرفة، التقطتُ تنورة سو ورميتها لها.

قلتُ «مستحيل» عبر غليون خيالي «انتهى النقاش.»

حبست نفسي في الحمام وجلستُ على حافة الحوض وبنطالي حول كاحلي. فكرتُ بأصابع جولي الشاحبة البنية بين ساقيْ سو وأنا أقود نفسي إلى طعنة المتعة الجافة والسريعة الخاصة بي. بقيتُ منحنياً بعد أن مرَّ التشنج وانتبهتُ إلى أن الأصوات في الأسفل توقفت منذ وقت طويل.

في صباح اليوم التالي نزلتُ إلى القبو مع توم، أخي الأصغر. كان القبو كبيراً ومقسماً إلى عدد من الغرف التي لا فائدة منها. تعلّق توم بجانبي ونحن ننزل الدرج الحجري. سمع عن أكياس الإسمنت ويريد الآن أن يشاهدها. كانت فتحة الفحم الحجري مفتوحة على أكبر الغرف والأكياس متناثرة كما سقطت فوق ما تبقى من فحم العام الماضي. وإلى أحد الجدران استند صندوقٌ صفيحيٌّ ضخم، يعود إلى الفترة القصيرة التي أمضاها أبي في الجيش، وقد استُخْدِمَ فيما مضى لتخزين فحم الكوك (coke) وفصله عن الفحم العادي (coal). أراد توم أن ينظر إلى الداخل، فرفعت الغطاء له. كان الداخل فارغاً ومسوداً، فلم نستطع في ذلك الضوء الغباري أن نرى القاع. معتقداً أنه يحدق في حفرة عميقة، أمسك توم الحافة وصاح في الصندوق وانتظر الصدى. وحين لم يحدث أي شيء طلب أن أريه الغرف الأخرى. أخذتهُ إلى الغرفة الأقرب إلى الدرج. كان بابها مخلوع المفصلات تقريباً وحين دفعته انخلع بشكل كامل. ضحك توم وعاد إليه أخيراً صداه من الغرفة التي غادرناها لتونا. وُضعت في هذه الغرفة علب كرتونية فيها ثياب متعفنة، غير مألوفة لي. وعثر توم على بعض لعبه القديمة. قلبها باحتقار بقدمه وقال لي إنها للأطفال. خلف الباب تكوم سرير أطفال نحاسي قديم نمنا جميعنا فيه، الواحد تلو الآخر، عبر السنين. أرادني توم أن أركّبه له فقلت له إن هذا السرير للأطفال فقط.

عند قدم الدرج التقينا بوالدنا وهو نازل. طلب مني أن أساعده في حمل الأكياس. تبعناه عائدين إلى الغرفة الكبيرة. كان توم خائفاً من أبينا فبقي خلفي. قالت لي جولي مؤخراً إن والدنا الآن شبه مريض ويتنافس مع توم على جذب انتباه أمنا. كانت فكرة فائقة للعادة وبقيتُ أفكّر فيها وقتاً طويلاً. كان ساذجاً وغريباً أن يتنافس صبي صغير ورجل ناضج. فيما بعد سألتُ جولي من سيفوز، فقالت دون تردّد: «توم طبعاً، وسيوظّف والدنا هذا الأمرَ ضدّه.»

كان صارماً مع توم، ويعامله دوماً بطريقة قاسية. كان يستخدم والدتنا ضد توم بقدر ما استخدم غليونه ضدها. «لا تتحدث مع أمك هكذا» أو «اجلس منتصبًا حين تتحدث أمك معك.» وكان يتلقّى كل هذا صامتاً. وحين يغادر والدنا الغرفة تبتسم بشكل وجيز لتوم أو ترتب شعره بأصابعها. وكان توم يراقبنا الآن من المدخل نجر كل كيس بيننا على الأرض ونرتب الأكياس في صفين أنيقين عل طول الجدار. كان أبي ممنوعاً من ممارسة هذا النوع من العمل بسبب إصابته بنوبة قلبية لكنني حرصتُ على جعله يحمل من الوزن بقدر ما أحمل.

حين كنا ننحني ويمسك كل واحد منا بزاوية من الكيس شعرت بأنه يتأخر، وينتظرني كي أبذل الجهد. لكنني كنت أعدّ «واحد اثنان ثلاثة…» وأسحب فقط حين أرى ساعده يتصلّب. فإذا كان يريدني أن أبذل المزيد، فإنني أريده أن يطلب ذلك الآن وبصوت مرتفع. حين انتهينا وقفنا وخطونا إلى الخلف ناظرين إلى العمل كما يفعل العمال. استند والدي بيد واحدة إلى الجدار ملتقطًا أنفاسه بصعوبة. فتنفّستُ، عامِدًا، قدرَ الإمكان من أنفي، بخفّة، رغم أنّ ذلك أصابني بالدوار. أبقيت يدي بشكل عرَضي على ردفي.

«من أجل ماذا تريد كل هذا؟» شعرت أنني أمتلك الحق في السؤال الآن.

انتزعَ الكلمات من بين أنفاسه «من أجل…الفناء.»

انتظرت المزيد. لكنّه بعد لحظات استدار كي يغادر. وفي الردهة أمسك ذراع توم.

«انظر إلى حالة يديك!» انتقد ذلك غير منتبه للأوساخ التي انتقلت من يديه إلى قميص توم. «هيّا اصعد خارجًا.»

تريّثت في الخلف لحظةً، ثم بدأت أطفئ الأضواء. وحين سمع الطقطقة، كما بدا لي، توقف أبي عند قدم الدرج وطلب مني بصوت حاد أن أطفئ كل الأضواء قبل الصعود.

«كنت أفعل هذا،» قلت باستياء. لكنه كان يسعل بصوت مرتفع وهو يصعد الدرج.

لقد بنى فناءه بدلاً من أن يحرثه ويعتني به وفقاً لخطط كان ينشرها أحياناً فوق طاولة المطبخ في المساءات بينما كنا نحدق من فوق كتفه. كانت هناك ممرات ضيقة من الحجر الرملي صنعت منحنيات متقنة للوصول إلى أحواض الزهور التي تبعد بضعة أقدام فقط. وكان أحد الممرات يلتف حلزونياً حول البقعة المحاطة بالصخور كأنه ممر جبلي. وقد استاء مرة حين شاهد توم يسير بشكل مستقيم إلى جانب البقعة المحاطة بالصخور، مستخدماً الممر كمجموعة قصيرة من درجات السلم.

«سِرْ عليه بحرص،» صاح من نافذة المطبخ. كانت هناك بقعة معشوشبة بحجم طاولة للعب الورق ترتفع قدمين على كومة من الصخور. حول حافة البقعة فراغ لصف واحد من أزهار الأقحوان. وقد أطلق عليها وحدَه اسم الحديقة المعلّقة. ويقف في مركز الحديقة المعلقة تمثالٌ جصّي لِبَان الرّاقص. وكانت تتناثر هنا وهناك مجموعات مفاجئة من الأدراج إلى الأسفل والأعلى. وهناك بركة ذات قاع بلاستيكي أزرق. جلب مرة إلى المنزل سمكتين ذهبيتين في كيس بلاستيكي. أكلتهما الطيور في اليوم نفسه. وكانت الممرات ضيقة بحيث من الوارد أن تفقد توازنك وتسقط في حوض الأزهار. اختار الأزهار لأناقتها وتناسقها. وكان يحب الزنابق أكثر من غيرها ويزرعها منفصلة بعضها عن بعض بشكل جيّد. لم يحب الأعشاب أو اللبلاب أو الورود. ولم يزرع أي شيء يتشابك. أُخليَت المنازل التي على جانبَي منزلنا من سُكّانها، ولهذا فإن أفنيتها في الصّيف تمتلئ بالأعشاب وأزهارها. قبل نوبته القلبيّة الأولى، كان قد نوى أن يبني سوراً مرتفعاً حول عالمه الخاص.