American War حرب أمريكية

عمر العقّاد

حرب أمريكيّة

ترجمة مجدي عبدالمجيد خاطر

تحرير أحمد العلي

يصدُر عن مجموعة كلمات في معرض الشارقة الدولي للكتاب 2017

American War


تقديم

الصّحفيّ: كتبتَ في الكتاب «أثناء الحرب تقاتل بالبنادق، لكنّك أثناء السّلام تقاتل بالحكايات.» كيف جاءتك فكرة هذه الرواية الدستوبيّة؟

عمر العقّاد: كنت أستمع إلى محلّلٍ سياسيّ في الوقت الذي اجتاحت فيه قوّات حلف الناتو أفغانستان قبل بضع سنوات. كان يُشير إلى موجة من المظاهرات تتابعَت ضدّ وجود قوّات الولايات المتحدة هناك. طرح المذيعُ سؤالًا من قبيل «لماذا يكرهوننا إلى هذا الحد؟» فأجاب المحلّل بأن الجنود الأمريكان مضطرّون أحيانًا لاجتياح قُرىً أفغانية وتفتيش البيوت هناك بعد إفراغها من ساكنيها ووضعهم تحت المراقبة المسلّحة، وأنّه في الثقافة الأفغانيّة يُعتبر هذا مُهينًا. أذكر أنني قلتُ في نفسي: سَمّ لي ثقافةً واحدة في العالم لا تعتبر ذلك إهانة، سمّها؟! ثم انطلق قطار الأفكار متسائلًا: ما الذي سيكون عليه الحال، لو أن هذه الشعوب في الشّرق، عاشَت رفاهية أن تنتقل حروبها إلى الغرب بينما تجلس هي لتشاهد من بعيد ما يحدث؟

إنّه العام 2074. اندلعت الحرب الأهليّة الأمريكيّة الثانية بعد انقسام القارّة إلى الشّمال المسيطر والجنوب المُقاوِم؛ وفيضان المحيطات والأنهار وابتلاعها أجزاء كبيرة من اليابسة؛ وانتهاء حروب الشّرق الأوسط بتشكيل كيان سياسيّ في الشّمال الأفريقي بإسم امبراطوريّة البوعزيزي بعد الرّبيع العربيّ الخامس، يُسيطر على العالم إلى جوار الصّين؛ واجتياح أكثر من وباءٍ القارّة. كانت سارة (سارات) شستنت في السادسة من عمرها وقتها، تعيش في حاوية نَقْل معطّلة مع أسرتها، بينما الطيّارات دون طيّارين تحلّق في السماء دومًا باعثَةً في الناس احتمال الموت في أيّ لحظة. لا مدارس ولا تعليم، لا خرائط ولا صور، العالم من حولها مرتبك، يحتشد فيه الجنود والمتمرّدون والمخبرون، ورجالٌ أجانب يحملون أهداف بلدانهم البعيدة.

ستكبُر سارات، ستخوض أنهارًا وتحيا في خيام وتحمل البنادق، ستكون رمز النضال الجنوبيّ لنيل الحريّة، وسترعى أهلها خير رعاية. سنرى مساحات الخوف الهائلة التي تكتشفها في داخلها، ومساحات الحُب والثّأر واللاوعي، وحجم التمزّق الذي يُمكن أن تتعرض له قارّة متنوّعة الأعراق مثل أمريكا، بينما يُرسل الشّرق الأوسط الجديد لها سفن المساعدات المحمّلة بالأغطية والطعام المعلّب. سنعرف شخصيّة نعرفها مسبقًا، لكنها ستبقى بعد الرواية تنبضُ في الصّدر بألمٍ غامض، مثل دمعةٍ مسنّنة.


“رؤية دستوبيّة للعالم قابلة للتحقّق…”

Kirkus Reviews

 “رواية تهزّ القارئ بعُمق، ليس فيها ما يدعو للارتياح سوى حقيقة أنّها عملٌ روائي متخيّل!”

The New York Times Book Review

“مُذهلة…”

O, the Oprah Magazine


مجتزأ من الفصل الأول

في صغري، كنتُ أجمع البطاقات البريديَّة وأحتفظ بها داخل صندوق أحذية أسفل فِراشي في ملجأ للأيتام. فيما بعد حين انتقلت إلى أوّل بيتٍ لي في أنكوريج الجديدة، وضعت الصندوق في قعر برميل نَفْط قديم داخل سقيفة أدوات متداعية. كنتُ قدْ أمضيتُ أغلب حياتي في دراسة تاريخ الحرب، فوجدتُ بعضًا من الاتزان النفسي في جمع اللقطات الفوتوغرافيَّة لعالم كان ذات يوم مثاليًّا وهادئ البال.

كنتُ أفكِّر أحيانًا في التخلّص من البرميل. لكنّ قلقًا كان يساورني من أنْ يراه أحد، زميلٌ لي في الجامعة مثلًا، فيظنّه بيانًا سياسيًّا فظًّا يُشبه الراية الانفصاليّة العابرة، أو أحشاء سيّارة رياضيّة كالتي أمام المنازل في الولايات الحمراء القديمة -حُليّ التمرّدِ ضعيفِ الحيلة، ومكاييل ماضٍ خراب ومُخرِّب. أنا، على أي حال، جنوبيّ المولد. ورغم أنّي أعيشُ في ولاية مُحايدة مُذ كنتُ في السادسة، ولم أتكلّم قط مع أي شخص عن حياتي التي مضت، غير أنني أعجز عن استبعاد احتمال أنْ يظن بعض زملائي فيّ، سِرًّا، أنّني لم أزل أحمل شيئًا من التمرّد الأحمر في عروقي.

ترجع بطاقاتي البريدية الأثيرة إلى ثلاثينيات وأربعينيات القرن الحادي والعشرين. العقدان الأخيران قبل أنْ يُجهز الكوكب على البلاد وتُجهز البلاد على نفسها. كانت تُبرز صورًا لشواطئ المُحيط الشّاسع قبل أن تغمرها المياه، وللجنوب الغربيّ قبل أن يتحوّل إلى جَمْر. صور لسهول الغرب الأوسط الخالية المترامية الأطراف تحت سماء شديدة الزُّرقة قبل أن تملأها الهجرة الدّاخليّة بالنازحين من سكّان السّاحل. تذكير بصَريّ بأمريكا كما كانت في النصف الأوّل من القرن الحادي والعشرين: مُحلِّقة، هادرة، وغافلة.

أذكر أوّل بطاقة بريديَّة اشتريتها. كانت صورة فوتوغرافيَّة لمدينة أنكوريج القديمة، بينما ضفّتها المائيّة مرتفعة جرّاء ثلوج تساقطت عليها حديثًا، وقد تغطّى سطح الماء بألواح من الجليد وغطست الشّمس وراء الجبال.

كنتُ في السادسة حين شاهدت أوّل غروب ألاسكيٍّ حقيقيّ. آنذاك، وقفتُ على سطح زَوْرَق مُهرِّب بضائع، صبيٌّ من جورجيا لَسعَتْه الشّمس، محضُ لاجئ.

أذكر ملمس النّدف الأبيض الغريب فوق أهدابي، واصطكاك أسناني اللاإرادي – إذْ كنتُ أحسّ، لأوّل مرّة في حياتي، بالبرد. ولمّا رأيت بالقرب من قمَم الجبال قرص الشّمس الأصفر يتدلّى من السّماء، فكّرت أنّني بلغت آخر تخوم العالم الحيّ. آخر تخوم الحياة.

*     *     *

أنتمي لِما يطلقون عليه الجيل الأعجوبة: هؤلاء الّذين وُلِدوا في الأعوام بين بداية الحرب الأهليّة الأمريكيَّة الثانية عام 2074، ونهايتها عام 2093. البعض يوسِّع التعريف أكثر ليشمل هؤلاء الّذين وُلِدوا خلال سنوات الوباء العشر التي تلَت نهاية الحرب. لهذه البلاد تاريخ طويل في تعريف أجيالها وفق الصراعات التي لابد أزهقت أرواحهم، وجيلي ليس استثناءً من ذلك. نحنُ القِلّة التي هربت من حنق الانتحاريين والطائرات المُقاتلة دون طيّارين؛ القِلّة التي حُشرت داخل الأقبية المزدحمة أو ملاجئ الأعاصير قبل انتشار وباء إعادة توحيد البلاد في كلّ أرجاء القارّة، القِلّة المحظوظة بكلّ بساطة.

لقد عكفتُ طوال حياتي المهنيّة على دراسة حرب هذه البلاد الضروس ضدّ نفسها. كتبت أوراقًا بحثيَّة ومقالات في المجلّات، وترّأست ما لا يُحصى من الندوات وورش العمل. درست كل ما نجا من الوثائق الأصليّة؛ وتقارير الكونجرس؛ والتاريخ الشفهيّ؛ وشهادات الناجين من الوباء المروّعة. أعدت بناء أحداث يوم الوحدة الجديدة المُخزية، عندما نجحَت إحدى اللائي تبقّين من متمردي الجنوب بالتسلّل داخل عاصمة الاتحاد، وأطلقت عنان مَرَضٍ كلّف البلاد عشر سنوات كاملة من الموت. قُدّرَ عدد من لقوا حتفهم أثناء الحرب بأحد عشر مليونًا، وضعفهم عشر مرّات تقريبًا أثناء الوباء.

تلقّيت ما لا يُحصى من رسائل القُرّاء والنُقّاد الّذين يعارضون كافّة التفاصيل التاريخية التي أُوْرِدها. هل كان المتمرّدون مسؤولون حقًّا عن عمليّة انتحاريّة بعينها، أو هل كانت مذبحة كذا وكذا بالسّوء الّذي تصوّره دعاية الجنوبيّين؟ تضمّ ملفّاتي المئات من تلك المراسلات، كلها تنويعات على الموضوع نفسه: أنّني أنا، الشماليُّ المدلّلُ، ابن أنكوريج الجديدة، أحد الأفراد الصّفوة من ولاية مُحايدة، لم أشهد قط يومًا من القتال الحقيقيّ، وأجهل جَوهر الحرب.

لكن هناك أمورٌ أخرى لا يعرفها أحد غيري. أعرفها لأنّ تلك الفتاة أخبرتني بها. ومعرفتي هذه تجعلني متورّطًا بها.

*     *     *

الآن، وأنا أقترب من نهاية حياتي، أقضي وقتي في استعراض ما مرّ بي أثناء شبابي. اكتشفت مؤخّرًا أوّل بطاقة بريديّة اشتريتُها. مضت أكثر من مائة سنة منذُ التُقِطَت الصورة التي تزيّنها، فانمحى كل ما بها عدا البحر والجبال. أنكوريج الجديدة، امتدادٌ من المباني الخفيضة والضواحي الموْسِرَة عند سفوح التلال، ازداد زحفها إلى الأراضي الداخليّة بعيدًا عن السّاحل على مرّ السنين. فقد ارتفعَت أحواضُ السّفن حيثُ وصلتُ أنا ذات يوم يتيمَ حَربٍ مشوّش، وتحصّنت مرّة تلو الأخرى. أمّا أرصفة الميناء المصنوعة من الخشب المعقود التي كانت موجودة يومًا، فقد حلّت مكانها منصّات منتظمة صُمّمت كي يتم فكّها ونقلها بسرعة. إذْ لا تستأذن العواصف الضارية عند المجيء.

أمشي بين الحين والآخر بمحاذاة ضفّة أنكوريج الجديدة، وأمرّ برصيف الميناء والمرفأ. هذه أقرب نقطة أستطيع الوصول إليها الآن، دون استئجار مركب صَيد، من مكان وصولي الأوّل إلى الولاية المُحايدة. ينصحني طبيبي بالمشي بانتظام، وأنّه من الضروري بالنسبة لي الحفاظ على هذه العادة طالما لا تُسبّب لي ألمًا. أحسب أنّ هذه الوصفة هي القُوْت غير المؤذِ الّذي يُطعمه لمَرْضاه في محطّاتهم الأخيرة، أعني هؤلاء الّذين انتقلوا منذ زمن بعيد من مرحلة «سيفيدك هذا،» إلى «لن يضرّك ذلك

الاحتضار حالة غريبة. فلقد ظننْتُ لفترة طويلة أنّ نهاية حياتي ستأتي بغتة. سيعثُر الوباء على طريقه إلى الشّمال في الولاية المُحايدة، أو ستتمرّد الولايات الحمراء من جديد لنسقط داخل موجة اقتتال أخرى. لكن، بدلًا من ذلك، حُكِمَ عليّ بخَوْض أكثر المِيْتات عاديّة، من خلال تعرّضي لتلف الخلايا المُفرط. لقد قرأت ذات مرّة أنّ السرطان متوسِّط الشّدة هو، من وجهة نظر براغماتيّة، أي أنّه ليس سوى طريقةٍ لائقةٍ للموت – ذلك أنّه لا يفرض على المريض سنوات طوال من المعاناة، بل يُتيح ما يكفي من الوقت كي تسنح له الفرصة لإجراء الترتيبات الضروريّة، وأن يقول ما ينبغي أن يُقال.

*     *     *

لم يسقط الثلج منذ سنوات، لكن تتسلّق نوافذنا، من حين لآخر في أواخر يناير، طبقة رقيقة من الجليد. في تلك الأيام يروق لي أن أخرج إلى الضفّة وأراقب أنفاسي عالقة في الهواء. أتخفف من العبء، ولا أعود خائفًا.

أقف عند حافّة الممرّ وأراقب الماء. أفكّر في كلّ ما أخذته وكلّ ما اُنتزع مني. أحدّق تارة في البحر لساعات، إلى ما بعد حلول الظّلام، فأصير في زمنٍ ومكانٍ آخرَين: هناك في الولايات الحمراء المقصوفة حيثُ وُلِدت.

وهناك أراها مرّة أخرى، تخرج من الماء. تمامًا كما أتذكّرها: جسد هائل برونزيّ اللون، وظَهْرٌ مُغطّى بالندوب الشّاحبة التي تشكّل كلّ واحدة منها بيانًا على التعذيب الّذي كابدَتْه، والجرائم السّريّة التي اُرتكبَت في حقّها. تصعد كمِسَلّةٍ من لحم، وُلِدت من جديد من رحم نهر السافانا المبتور. وأعود طفلًا مرّةً أُخرى، كي اُنتزع من أهلي ومن بيتي، وأتعرّض للخيانة. أعود إلى منزلي مُحاذيًا ضفّة النهر، أحسّ بالسعادة، وما أزال أحبّها. سِرّي هو أنّني ما أزال أحبّها.

هذه ليست قصّةً عن الحرب. بل عن الخراب.