I Was Told To Come Alone طُلب منّي المجيء وحدي

سعاد مِخنِت

 طُلب منّي المجيء وحدي

 ترجمة مجموعة فور كورنرز

تحرير أحمد العلي

يصدُر عن مجموعة كلمات في معرض الشارقة الدولي للكتاب 2017

told to come alone.jpg


تقديم

طوال حياتها، سعَت مُراسلةُ جريدة الواشنطن بوست، سعاد مخنت، الألمانيّة المولد ذات الأصول العربيّة-التركيّة، إلى خلق توازن بين جانبين من حياتها: الثقافة الإسلامية، والثقافة الغربيّة. وحاولت صُنعَ صوتٍ لها يتوسّط تلك الثقافتين اللتين كانتا وما زالتا في حالة من عدم التفاهم.

في كتاب مذكّراتها هذا، النّابض بالأحداث والتفاصيل، نُرافق سعاد مخنت وهي تتحرّك خلف خطوط الجهاد البارزة والخفيّة، بدءًا من حارات ألمانيا، حيث تطرّفوا في أفكارهم أولئك الذين انتهوا للتخطيط لهجمات الحادي عشر من سبتمبر في نيويورك؛ والمناطق العراقيّة حيث انقلب الشيعة والسنّة بعضهم على بعض؛ وليس انتهاءًا بالحدود التركيّة-السوريّة حيث تتواجد داعش. ففي رحلاتها عبر بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، سجّلت تجاربها وما تعرّضت له من مواقف مع الجماعات الحكوميّة والاستخباراتيّة والجهاديّة، والناس العاديين، بما يفسّر الرّبيع العربي وفشله في الوصول إلى مبتغاه المرغوب له. بعدها تعود إلى أوروبا، بدءًا من لندن، حيث كشفت عن الهويّة الحقيقيّة للجهاديّ جون، ثم فرنسا وبلجيكا، عودةً إلى ألمانيا حيث لم يتوقف الجهاديّون عن إرهابها.

إنّ خلفيّة سعاد مخنت العربيّة-التركيّة فتحت لها أبوابًا نحو أخطر الرّجال المطلوبين حول العالم، الذين يرفضون عادةً الحديث إلى الصحفيّين الغربيّين. لم تخف من مواجهة أشدّ الشخصيّات تهديدًا من داخل دائرة تنظيم القاعدة، وطالبان، وداعش، وما يتبعهم. عندما يُطلب منها المجيء وحدها لإجراء مقابلة صحفيّة ما، لم تكن تعرف ما الذي يُمكن أن يجري لها.


القائمة الطويلة لجائزة Baillie Gifford Prize 2017

“مزيج مدهش، وصادم أحيانًا، بين فن الكتابة الصحفية وتدوين المذكرات حول مراكز شبكات الجهاد والحروب في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا”

New Yorker

“بالكاد يستطيع المرء أن يقترح اسمًا آخر غير سعاد مخنت لكتابة هذا الكتاب… فهي مُراسلةٌ شجاعة، وغنيّة بالمعلومات، ودقيقة، والأهم من ذلك كلّه أنها لا تتعب…”

Washington Post

“إنه تسجيل مذهل لما خاضته امرأة مسلمة من صراع لفهم أولئك الذين يقتلون الناس باسم دينها، ولشرح ما يدور في أذهانهم لأولئك الآخرين الذين لا يفهمونهم في الغرب…”

The Economist


مجتزأ من الفصل الأول

طُلبَ منّي المجيء وحدي، لا يرافقني سوى دفتر ملاحظات وقلم، فلم يكن مسموحًا لي أن أحمل أي شيء من شأنه أن يُبرز هُوِيَّتِي؛ لذا فقد اضطررت إلى أن أترك هاتفي الخلوي ومسجل الصوت والساعة والحقيبة اليدوية في الفندق في أنطاكيا – تركيا.

تخلّيت عن كل ذلك وأقدمت على تلك الخطوة في مقابل أن أتحدث إلى أحد قادة التنظيم، لعلّه يُطلعني على تلك السياسة طويلة الأمد والتي ينتهجها تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام([1])، أو كما اصطُلح عليه باسم “داعش”، كان ذلك في صيف عام 2014 أي بفارق ثلاثة أسابيع عن انضمام داعش إلى قائمة الأسماء التي بات يألفها المتابع للمشهد السياسيّ، خاصّة بعد نشر التنظيم شريطًا مصوّرًا يحوي مشاهد قطع رأس الصحفي الأمريكي چيمس فولي([2])، ولأُصْدقكُم القول فلم يخطر ببالي حتى تلك اللحظة أن يكون لداعش أي دور ذي أهمية في كواليس الجهاد العالمي.

وبصفتي صحفية مَعْنِيَّة بتغطية أخبار التشدّد الإسلامي في أوروبا والشرق الأوسط لصالح جريدة نيويورك تايمز ومنصات إخبارية ألمانية عريقة، إضافةً لجريدة واشنطن بوست التي أعمل لصالحها في الوقت الرّاهن، فقد سنحت لي الفرصة أن أتابع رحلة نشأة هذا التنظيم وَتَشَكّله في عالم تمخّضت عنه هجمات الحادي عشر من سبتمبر، وحربَين قادتهما الولايات المتحدة، إضافةً إلى حالات الغليان الشعبية أو الثورات التي عُرفت باسم “الربيع العربي”، ويبدو أنني طوال تلك الفترة كنت على تواصل مع الأفراد المُحتملين لذلك التنظيم.

وقد كانت لي شروطي أنا أيضًا، حيث طلبت ممّن سهّلوا لي مهمّة التواصل مع التنظيم أن يضمنوا لي حريّة اختيار ما أودّ طرحه من أسئلة، كما أنه ليس لزامًا عليَّ أن أُفْصِح عمّا أقتبسه، وألّا أعرض عليهم المقال قبل نشره، كما طلبتُ ضمان عدم اختطافي، فأنا هنا وحدي حسب اتفاقنا، حيث أُمرت ألّا أجلب معي أي شخص من الجريدة؛ لذا فقد طلبتُ أن يرافقني ذلك الشخص الثّقة الذي سهّل لي مهمّة إجراء تلك المقابلة.

لخلفيتي العِرقيّة ما لها وما عليها، فأنا امرأة مسلمة من أصول مغربية وتركية، لكنّي وُلدت وترعرعت في ألمانيا؛ لذا ففي مجتمع الصحافة المَعْنِيَّة بتغطية أخبار الجهاد العالمي، أُعَدُّ أمرًا شاذًّا وغير مألوف بين أقراني، لكن ومنذ بدايتي العمل على إعداد التقارير الخاصة بمنفذي هجمات 11 من سبتمبر – أيلول عندما كنت طالبة جامعية، كان لخلفيتي العرقية تأثيرها الملحوظ حيث ضمنت لي منفَذًا ذا طابع خاص للتواصل مع القادة العسكريين السرِّيِّين؛ مثال ذلك الرجل الذي كنت بصدد مقابلته ذلك اليوم في تركيا، لذا كانت أول كلماتي مع أولئك القادة هي: “أنا امرأة مسلمة لا يحلّ لي الخلوة بكم”، بذلك كنت أضمن تواجد أشخاص آخرين معنا أثناء المقابلات مع أولئك القادة العسكريّين السريّين.

كنت على علم بأن التنظيم قد اضطلع بعملية خطف واحتجاز مجموعة من الصحفيين، لكن ما لم أكن على علم به هو أن القائد الذي كنت قد خطّطت لمقابلته هو الرجل نفسه الذي أشرف على تلك العملية بعينها حيث أشرف على تدريب القاتل ذي اللكنة البريطانية الذي تصدّرَ المشهد في الشريط المصوّر، والذي عرفه العالم فيما بعد باسم “الجهادي ﭽون”، وقد عرفت أيضًا بعد ذلك أن الرجل، أو “أبا يوسف” كما قد عرفه الناس، والذي قابلته ذاك الصيف، كان له دور قيادي في تعذيب أولئك المُحْتَجَزِين، وقد تضمّنت أساليب التعذيب اتّباعهم تقنية الإيهام بالغرق.

طلبت أن أقابل المدعوّ أبا يوسف في وضح النهار وعلى مرأى من الناس، لكن قوبل طلبي هذا بالرفض لعدم إمكانية تحقيقه؛ لذا فكان اجتماعنا ليلًا وفي مكان خاص، ثم طرأ تغيير جعلني أتوجس ريبة حيث أبلغتني مصادري قبل الاجتماع بساعات معدودة أنّ الموعد قد تغير ليكون في الحادية عشرة والنصف مساءً، وهنا قفز إلى ذاكرتي موقف قد حدث معي قبل ذلك الوقت بعام حين طرق بابي في فرانكفورت أفراد من قوات مكافحة الإرهاب ليخبروني أن هناك جهات إسلامية تحيك مخططًا ما ضدّي ويهدف ذلك المخطط إلى استقطابي لزيارة منطقة الشرق الأوسط مع وعد بإجراء مقابلة حصرية لِأُخْطَفَ بعدها وأُجْبَر على الزواج من أحد العسكريّين، ثم دارت في مُخَيِّلَتِي تساؤلات عدة حول ذلك الأمر، وإن كنت بذلك أغامر بحياتي، لكن على الرغم من تلك المخاوف قرّرت خوض التجربة، ففي حالة أن نجحت تجربتي تلك فعندها سأكون أوّل صحفيّة غربيّة يحالفها الحظ في أن تُجْرِيَ مقابلة مع أحد أكبر قادة داعش، وأن تنجو بعدها لتنقل تلك التجربة إلى العالم.

كان يومًا رمضانيًّا حارًّا تَلَحَّفْتُ فيه عباءة سوداء تغطي بنطالي الجينز وقميصًا فوقيًّا قصيرًا؛ والعباءة هي زي تقليدي شرق أوسطي ترتديه النسوة ليغطي كامل الجسد إلا الوجه والكفين والقدمين، أما عباءتي تلك فكانت من اختيار أحد أفراد جماعة أبي مصعب الزرقاوي([3]) والذي انتقاها لي منذ عدة أعوام مضت أثناء زيارتي مدينة الزّرقا مسقط رأس زعيم القاعدة السابق في الأردن، ولطالما تفاخر هذا الرجل باختياره، فكانت عباءتي المزركشة بخيوط زهريّة اللون من أجمل معروضات المتجر آنذاك، وهي مصنوعة من نسيج خفيف لِأَتَحَمَّلَ حرارة الجوّ المرتفعة، لكن لتلك العباءة مكانة خاصة عندي، فهي بالنسبة لي “تميمة حظ”، وهي رفيقة الدرب حين أُكَلَّف بمهمّة صعبة. ارتديت عباءتي وكنت قد أعددت عُدَّتي وأسئلتي أثناء مُكُوثِي في الفندق في أنطاكيا، ثم انطلقت.

كان من المقرّر أن أقابل أبا يوسف بالقرب من الحدود التركيّة – السوريّة في مكان لا يَبْعُدُ كثيرًا عن المعبر الحدوديّ المارّ بمدينة الريحانيّة وفي منطقة اعتدت زيارتها عند الصّغَر؛ فهناك ترعرعت أمي.

خرجت من الفندق تاركةً خلفي أنتوني فايولا، زميلي في الجريدة، واستودعته الأرقام التي يمكنه الاستعانة بها للتواصل مع أقاربي في حال ساءت الأمور، وفي حوالي الساعة العاشرة والربع مساءً التقاني أكرم في الفندق؛ وأكرم هو الاسم الذي سوف أطلقه على الرّجل الذي ساعدني في ترتيب تلك المقابلة. أقلّني أكرم بالسيارة في رحلة دامت خمسًا وأربعين دقيقة، توقّف بعدها في مكان مخصّص لصفّ السيارات تابع لمطعم فندق قُرب المنطقة الحدودية، ثم انتظرنا، لكن لم يَطُل انتظارنا حتى خرجت إلينا من قلب الظُّلْمَة سيارتان، تَرَجَّلَ سائق السيارة الأمامية البيضاء التي حملت العلامة التجاريّة لهوندا، كي نصعد أنا وأكرم إليها، فجلس أكرم خلف عجلة القيادة بينما جاورتُه أنا في مقعد الرّاكب الأمامي، واحتلّ المقعد الخلفي للسيارة الرجل الذي قَطَعْتُ تلك الرحلة لمقابلته.

احتلّ ضيف مقابلتي المقعد الخلفي للسيارة، وعندما الْتَفَتُّ لِأُلْقِيَ نظرة عليه بدا لي أن أبا يوسف رجل طويل القامة وقويّ البِنْيَةِ، قد يبلغ من العمر سبعة وعشرين سنة أو ثمانية وعشرين، وقد ارتدى قُبَّعَةً رياضية وغطّت عينيه نظارة ملوّنة، عَلَتْ وَجْهَهُ لِحْيَةٌ قصيرة وَانْسَدَلَ شعره المُجَعَّدُ القصير خلف رأسه حتى كاد يلامس كتفيه، أما عن ملابسه فقد كانت عبارة عن قميص بولو وبنطال واسع من قماش الخاكي، بالنظر إلى مظهره يمكنني القول إنه من الممكن لأبي يوسف أن يتجول في شوارع أوروبا دون أن يثير شكوك أحد من المارّة.

الْتَقَطَتْ عيناي ثلاثة هواتف خلويّة، ربما نوكيا أو سامسونج، كانت تَقْبَعُ جوار أبي يوسف على المقعد الخلفي، فأردف شارحًا بأنه لا يمكنه أن يقتني هاتفًا من نوع الآي فون وذلك بسبب حساسيّة موقفه ولدواعٍ أمنيّة حيث إنه من شأن ذلك أن يجعله صَيْدًا سهلًا بسبب أنظمة المراقبة. ولاحظَت ارتداءه ساعة يد رقميّة تُشبه تلك التي رأيتها في يد الجنود الأمريكان في العراق وأفغانستان. ولاحظت أيضًا انتفاخ جيبه الأيمن، وكان كل ما استنتجته أنه كان يحمل سلاحًا ناريًّا، وقد جال بخاطري هاجس أن تُوقِفَنَا دوريات الشرطة التركية حينها.

ثم أدار أكرم مفتاح السيارة وبدأت السيارة تغوص في ظلام الليل بطول الجانب التركي من الحدود لتمرّ أثناء رحلتها ببعض القرى الصغيرة، وقد لفت انتباهي صوت الهواء وهو يحتك بنوافذ السيارة من الخارج وأنا أحاول جاهدةً أن أحفر في ذاكرتي هذا الطريق الذي نسلكه لكن هيهات! فحديثي مع أبي يوسف أفقدني التركيز.

كان حديثه هادئًا وسلسًا حاول فيه إخفاء أصوله المغربيّة، كما حاول إخفاء أيّ دليل يُشير إلى الدولة الأوروبية الآتي منها، لكن ملامحه شمال الأفريقية قد فضحته، كما إنني عندما تخلّيت عن اللغة العربية الفُصحى في حديثي مستعينة باللهجة المغربية، لاحظت أنه استوعب اللهجة المغربية، بل وكانت ردوده باللهجة نفسها، ثم تبيّن لي بعد ذلك أنه مغربيّ المولد لكنه عاش في هولندا منذ سنّ المراهقة، وكان قد تدرب ليصبح مهندسًا وتحدث إليَّ باللغة الألمانيّة أيضًا، وقال لي وهو يبتسم: “إن أردتي أن تتحققي أيضًا من فرنسيّتي، فلكِ ذلك”.

وأثناء الرحلة استطرد أبو يوسف في شرح وجهة نظره ورؤيته، حيث قال إنّ تنظيم داعش جاء ليحرّر المسلمين من المحيط إلى الخليج بل وحتى إسبانيا وما بعدها لينشر الإسلام في العالم كلّه، وإنّ مَنْ تُسَوِّلُ له نفسه مقاومة هذا الأمر فقد حكم على نفسه أن يُعَامَلَ معاملة العدو، “فإن رمتنا أمريكا بالورود فسنرميها بمثل ما رمتنا به”، ثم قال: “لكن إن رمتنا بالنيران فلن تجد منا إلا مثلها، بل إننا سنحاربهم في عقر دارهم، وهذا هو الحال مع غيرها من دول الغرب”.

ثم أخبرني أبو يوسف عن امتلاك داعش خبرات وموارد لا تُعَدُّ ولا تُحْصَى، بل إنه أوضح لي أن التنظيم قد بدأ رحلته قبل ظهوره على الساحة العالمية بوقت طويل، فضمّ بين جنباته أفرادًا مثقفين مِمَّن تلقّوا قدْرًا وافرًا من التعليم في دول الغرب، بالإضافة إلى أفراد أمنٍ تابعين للحرس الرئاسي للرئيس العراقي الراحل صدام حسين ومساعدين ممّن كانوا في السابق في صفوف تنظيم القاعدة. ثم أضاف أبو يوسف: “تعتقدون أن رجالنا هم حفنة من المختلين الذين قرروا الانضمام إلى صفوفنا، لكن الحقيقة غير ذلك، فصفوفنا تضم أناسًا جاؤوا من مختلف دول العالم، فلدينا إخوة من بريطانيا مِن حَمَلَة الشهادات الجامعيّة وممّن ينحدرون من أصول عدّة، فلدينا باكستانيون وصوماليون ويمنيون، ولدينا حتى إخوة من دولة الكويت”.

علمت بعد ذلك أنه في ثنايا حديثه أشار إلى الحَرَس الذين أطلق عليهم المُحتَجَزون اسم “البيتلز”([4]) بسبب لكنتهم البريطانية، وهم “الجهادي ﭽون” مع ثلاثة آخرين.

ثم توجهت له بالسؤال عن السبب وراء انضمامه للتنظيم، فكان ردّه أنه كان قد ضاق ذرعًا بما تمارسه حكومات الغرب من ممارسات تتسم بالكذب والنفاق، فها هي تتشدق دومًا بحقوق الإنسان وبالحريات الدينية في الوقت الذي تغض فيه البصر عن حقوق مواطنيها ذوي الخلفيات المسلمة فتعاملهم بصفتهم مواطنين من الدرجة الثانية. قال: “لتنظري إلى الطريقة التي كُنّا نُعَامَلُ بها في أوروبا”.

ثم أضاف: “لقد أردت العيش في مجتمعٍ أنمو فيه وأتطور معه، لكن كل ما قابلته كان عبارات مثل: أنت مجرّد مسلم، أنت مغربيّ وحسب، لن يتقبّلك المجتمع”.

وفي وصفه الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 قال: “إنه ظلم وبغي، فلم يكن في العراق أسلحة دمار شامل، وقد عُذِّبَ العراقيون في سجن أبي غريب بينما لم يُحَاسَب الأمريكان على ما اقترفت أيديهم،” وأضاف: “ومن ثَمَّ يوجهون أصبع الاتهام لنا ويصفوننا بالبربرية”.

سألته قائلةً: “تزعم أنك ضد قتل الأبرياء، لماذا إذن تقتل وتخطف ما تقتل وتخطف من أبرياء؟”

عمّ الصمت مجلسنا لحظات قطعها ردّه حين قال: “لكل دولة الحق في نَيل حرية أهلها”، وأضاف: “فإن لم يفعلوا ذلك فهذه مشكلتهم، أمّا نحن… فنحن لم نبدأ الهجوم، بل هم من بدأه”.

رددت في استفسار: “ما الذي تتوقعونه عند احتجازكم الرهائن؟”

فإذا به يتحدّث عن جدّه المغربي الذي قاوم وحارب المستعمرين الفرنسيين من أجل أن ينال الحرية، وفي حديثه عن جدّه حاول أن يخلق نوعًا من المطابقة أو الموازنة بين الجهاد وبين هذه النقطة حين قال: “هذا ما جناه الاستعمار الأمريكيّ على العراق، ومعركتنا الدائرة الآن هي جهاد لتحرير العالم الإسلامي”.

لكن جدّي أنا أيضًا كان ممّن حاربوا من أجل الحرية في المغرب، ففي صغري اعتاد جدي أن يحدثني عن “الجهاد” وعن مشاركة المسلمين “إخوانهم اليهود” الحرب لطرد الفرنسيين الذين بسطوا أيديهم على أراضي الأجداد عُنْوَةً، لطالما قالها جدي: “نحن لسنا قتلة أطفال أو نساء أو مدنيين”، كما قال لي: “هذا ليس من الجهاد في شيء”، فجهاد جدّي بعيد كل البعد عن الممارسات الدموية التي يضطلع بها تنظيم داعش.

وقلت: “لكنّ جدّي كان يحارب من أجل أرضه، وهذه ليست بأرضك”.

“هذه أرض مسلمة… هذه بلد لكلّ مسلم”، هذا كان رده.

قلت: “أنا شأني شأنك، نشأت وترعرعت في أوروبا كما أنني درست فيها”

فردّ متسائلًا: “لماذا تؤمنون بأن أوروبا تمتلك نظام عدل وحق؟”

فكان ردّي: “وما البديل إذن؟”

فقال: “البديل هو إقامة دولة الخلافة”

احتدم الحديث بيننا وبدأ يأخذ طابعًا شخصيًّا، فعلى الرغم من تلاقينا في أكثر من نقطة لِما نملكه من خلفية مشتركة فقد اختار كل منّا طريقه، ولم يكن طريقي هو “الطريق المستقيم” الذي يجب على المرأة المسلمة اتباعه حسبما يرى أبو يوسف.

بادرني أبو يوسف بالسؤال: “لماذا تفعلين كل ذلك؟ وهل تؤمنين حقًّا بأن الغرب يُكِنُّ لنا أيّ احترام؟ هل يعاملنا الغرب بعدل على أننا مسلمين؟ إن الطريق الحق الأوحد هو طريقنا”، وهنا كان يشير أبو يوسف إلى ما يُسمّى بالدولة الإسلامية.

ثم تساءل: “لقد اطّلعت على كتاباتك وعرفت بأمر إجرائك مقابلة مع زعيم القاعدة في المغرب الإسلامي، لكن ما يثير فضولي حقًّا هو كونك مجرّد مراسلة صحفية، لماذا لا يكون لك برنامج تلفزيوني خاص بك في التلفزيون الألماني؟ لماذا لا تصنعين لنفسك مسيرة وظيفية مرموقة خاصة بعد كل ما حصلتِ عليه من جوائز؟”

لم أتمكّن من اصطناع عدم فهم ما يرمي إليه أبو يوسف، فبرغم كل ما يزعمه فهو على حقّ؛ فأنا امرأة مسلمة أعيش في أوروبا لأشقّ طريقي وَأُمْضِي سنوات عمري في كدٍّ لأصنع لي اسمًا في عالم الصحافة، وأنا لا أرتدي الحجاب ويُنْظَرُ إليَّ بصفتي ليبرالية ومن مؤيّدات الحركة النسويّة، وكنت قد شاركت كاتبًا آخر في تأليف كتاب عن واحد من آخِر مَنْ تبقى من النازيين، والذي يعيش في القاهرة، وبفضل ذلك الكتاب حصلت على أعلى الزمالات الفخرية الممنوحة في أمريكا، لكن رغم كل ما حققته فهو على حق؛ فأنا لا أملك برنامجي الخاص في التلفزيون الألماني كما قال، وفي بلدي وبصفتي مهاجرة ذات خلفية إسلامية أو من سلالة مهاجرين وكي أتدرج إلى أعلى المناصب فعليَّ أن أتّبع التعليمات بحذافيرها، وعليَّ أن أشيد بأمجاد أوروبا وتقدُّمها؛ لذا إن سَوَّلَتْ لك نفسك يومًا أن تنتقد الحكومة على نحو قد يلحظه الناس حولك أو في حالة طَرْحك أسئلة ذات مغزى حول السياسة الخارجية للدولة أو ظاهرة الإسلاموفوبيا أو رُهاب الإسلام فلتعلم أن لذلك عواقب وخيمة قد تطالك.

من الجَلِيِّ أنني رفضت ما قاله أبو يوسف عن فكرة دولة الخلافة كحلّ بديل، إلا أنني لا أستطيع أن أنكر الدور الذي لعبته المجتمعات الغربية وساستها في التحوّل الراديكالي والتطرّف الذي تعرّض له الشباب مثل أبي يوسف وغيره، فلا يُعد فرض الجهات الاستخبارية للمزيد من القيود على الناس هو الحل الأسلم، كما أن الحل ليس أيضًا فيما تضطلع به شبكات المراقبة العالمية من تدابير من شأنها أن تخلط الحابل بالنابل وأن تنتهك خصوصية الأبرياء.

يُعد أبو يوسف فردًا من جيل بأكمله ارتكن إلى الفكر الراديكالي المتطرف بسبب غزو العراق، وهو جيل لا يختلف كثيرًا عما سبقه، فقد سبقه جيل لاقى المصير نفسه بسبب غزو الاتحاد السوفييتي أفغانستان عام 1979.

مقابلتي مع أبي يوسف ذكرتني بأخي، فهو يذكرني به، ومعه خالجني إحساس بالمسؤولية كإحساس الأخت الكبرى التي من واجبها حماية أخيها، لكن الوقت قد فات… لقد سبق السيف العذل!

فردَدْتُ قائلة: “قد تكون على حق فيما قلته، إننا نعاني بالفعل من العنصرية، والعالم ليس دار عدل، لكن ليس الجهاد هو ما تقومون به… ليس الجهاد ما تحاربون من أجله… الجهاد هو أن تبقى في أوروبا وأنت تصنع مجدك بيدك وعملك، ولكان الأمر حينها أشقّ وأصعب؛ لكنّكم اخترتم الطريق الأسهل”.

عمّ الصمت المكان لحظات… ولم ينبس أي منّا ببنت شفة.

أصرّ أبو يوسف على أن يأخذني إلى أنطاكيا بدلًا من أن يعود إلى مكان التقائنا، وبذلك اقتربت من الفندق الذي أمكث فيه فشكرته وترجلت من السيارة، على الرغم من تأخر الوقت حينها إلا أن المقاهي كانت تَعُجُّ بِمُرْتَادِيهَا الذين أَتَوْا لتناول الطعام قبل الفجر تمامًا كما يفعل المسلمون عند تناولهم وجبة السحور ليستعدوا لصيام اليوم اللاحق، أحسست بغبطة تغمرني فقد حصلت على مقابلتي، إلا أن الشعور بالقلق لم يفارقني، فكلمات أبي يوسف ما يزال وَقْعُهَا في نفسي، فحديثه كان مِلْؤُهُ الثقة خاصة حين قال: “مَن اعتدى علينا اعتدينا عليه وفي عقر داره، ولن يهمنا إن كانت تلك أمريكا أو فرنسا أو بريطانيا أو أيّ بلد عربي كان”.

قُلتُ في نفسي: إننا نخسرهم جميعًا، الواحد تلو الآخر. كان يمكن لذاك الرّجل أن يكون شخصًا مختلفًا، كان يمكن له أن يعيش حياةً أُخرى.

———————————-

([1]) تنظيم الدولة الإسلامية كان يُسمى بتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام الذي يُعرف اختصارًا بـ “داعش”، وهو تنظيم مسلَّح يتبع الأفكار السلفية الجهادية، ويهدف أعضاؤه –حسب اعتقادهم– إلى إعادة “الخلافة الإسلامية وتطبيق الشريعة”، ويتواجد أفراده وينتشر نفوذه بشكل رئيسي في العراق وسوريا مع أنباء بوجوده في مناطق دول أخرى هي جنوب اليمن وليبيا وسيناء وأزواد والصومال وشمال شرق نيجيريا وباكستان، وزعيم هذا التنظيم هو أبو بكر البغدادي.

([2]) جيمس فولي (بالإنجليزية: James Foley) هو مصور صحفي أمريكي مستقل ولد في يوم 18 أكتوبر 1973 في بلدة روتشستر في ولاية نيو هامبشير في الولايات المتحدة، وكان يعمل مع وكالة جلوبال بوست الإعلامية الأمريكية، وفي يوم 22 نوفمبر 2012 خُطف من قبل عناصر تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام في سوريا خلال تغطيته أحداث الحرب الأهلية السورية، وبقي محتجزًا إلى يوم 19 أغسطس 2014 حيث قام التنظيم بقطع رأسه ردًّا على قيام الولايات المتحدة بشن غارات جوية ضد عناصر تنظيم الدولة في شمال العراق.

([3]) أحمد فاضل نزال الخلايلة، وكنيته أبو مصعب الزرقاوي (30 أكتوبر 1966 – 7 يونيو 2006) كان عضوًا في تنظيم القاعدة في العراق، قاد معسكرات تدريب لمسلّحين في أفغانستان. اشتهر بعد ذهابه إلى العراق لكونه مسؤولًا عن سلسلة من الهجمات والتفجيرات خلال حرب العراق. أسّس ما سُمِّيَ بتنظيم “التوحيد والجهاد” في التسعينيات والذي ظلّ زعيمه حتى مقتله في يونيو 2006.

([4]) اسم فرقة غنائية بريطانية.