The Sense of an Ending الإحساس بالنهاية

جوليان بارنز

 الإحساس بالنهاية

 ترجمة طلال فيصل

تحرير أحمد العلي

يصدُر عن مجموعة كلمات في معرض الشارقة الدولي للكتاب 2017

The Sense of an Ending


تقديم

ينسحب المراهق توني ويبستر من علاقة حُبّ جمعته بفرونيكا، ليجدها تصاحب أعزّ أصدقائه فورًا، فقد بعثا له برسالة طالبَين منه أن يتفهّم الأمر. فأجاب على رسالتهما، ثم عاش بعدها أربعين عامًا خالي البال، مرتاحًا، حتى بات رجلًا في منتصف عمره: تزوّجَ وأنجب وتقاعد من عمله. ثمّ تصله رسالة تنسف تلك الأعوام الطويلة من عمره كلّها؛ تُعيده إلى علاقةٍ نسيها تمامًا، فينفتح له باب لا يوصف سوى بأنّه يقود إلى جحيم النّدم. لقد ترك وراءه أمورًا كبُرَت في غيابه وتوحّشت مثل أشجار الغابة، وبات عليه العودة لمواجهتها.

بأسلوب أدبيّ يوصف بأنّه ما بعد حداثي، يقدّمه لنا أحد كُتّاب إنجلترا المعاصرين الكبار، نُطالع رواية فلسفيّة تُسائل مفاهيم الزّمن والذاكرة والتاريخ: هل البحث عن الذات رحلة متواصلة؟ وهل النّضج والتقدّم في العمر لا يعِدان بالرّاحة والحياة السّعيدة كما يظنّ الجميع؟ تقول الرواية: «التّاريخ ليس أكاذيب المنتصرين، إنّه أقرب لأن يكون ذكريات النّاجين: أولئك الذين لم ينتصروا، ولم ينهزموا.»


الرواية الفائزة بجائزة المان بوكر 2011

“جوهرةٌ من الدقّة والحرَفيّة… إنّها تشحنُ في صفحات وجيزة الكثير، وتُعطي القارئ شعورًا بالرّضا لا يستقيه غالبًا سوى من روايات ذات حجم ضعف حجمها…”

The Los Angeles Times

“كثيفة بالأفكار الفلسفيّة، لكنها تنجح في خلق إثارة هادئة كتلك التي نعثر عليها في روايات التحريّات”

The New York Times

“ذكيّة، استفزازيّة… تُقدّم فهمًا للذّاكرة واختبارًا لكيفيّة عملها؛ كيف تحوّل الانطباعات وتخزّنها بعيدًا وتستعيدها بشكل مختلف… “

The Minneapolis Star-Tribune


مجتزأ من الفصل الأول

أتذكّرُ بعض التفاصيل، على نحو مبعثر:

– باطنَ رسغ لامع.

– الدُّخان المتصاعد من حوض مبلّل حين أُلقيَت فيه –وسطَ ضحكٍ كثير– مقلاة ساخنة.

– لطخات سائل منويّ تدور في فتحة حوض، قبل أن تُشطَف في أنبوب الصّرف الممتدّ من أعلى البيت إلى أسفله.

– نهرٌ تتدفّق أمواجه صعودًا عكس مجراه بشكل غير معقول، فيما تُضيئها دزّينة من الكشّافات التي تلاحقها؛

– نهر آخر، عريض وقاتم، تُعاكس ريحٌ قويّة اتّجاه تيّاره فتُثير مياهه.

– مياه استحمام بردت منذ وقت طويل خلف باب مغلق.

هذه الأخيرة ليست ممّا رأيته فعليًّا، لكن ما تتذكّره ليس هو بالضرورة ما حدث.

نحن نحيا في الزمن –الذي يقبض علينا ويُشكّلنا– لكني أتصوّر أني لم أفهم ذلك ولم أشعر به قط. لا أشير بكلامي إلى تلك النظريات المتعلقة بالزمن، من قَبيل كيف ينعطف وكيف يكرّر نفسه، أو أنه يوجد في مكان آخر بشكل موازٍ. لا. إنما أعني الزمن العادي، المتكرّر يوميّا، الذي تؤكد لنا ساعات اليد والجدران مروره بانتظام: تِكْ تُكْ، كلِكْ كلُكْ. هل يوجد شيء قابل للتصديق أكثر من تلك الحقيقة المستهلكة؟ وبعد كل شيء، هل نحتاج سوى إلى قليلٍ من الألم أو البهجة لندرك مدى طواعية الزمن؟ بعض الانفعالات تُسرّع مِن إيقاعه، وبعضها تُبطئه، وأحيانا يبدو–حتى نقطة معينة– غير موجود، مفقودًا ولا سبيل لاستعادته.

لست مهتمّا بأيّام الدراسة، ولا أشعر بالحنين نحوها. لكن المدرسة هي المكان الذي بدأ فيه كل شيء، لذا أجدني بحاجة للعودة باقتضاب إلى بعض الحوادث التي نمَت وصارت حكايات، وإلى بعض الذّكريات غير الدّقيقة التي تكفّل الزّمن بتحويلها إلى حقائق. فإذا لم أكن قادرًا على التيقّن من الأحداث مرة أخرى، فإنّه في مقدوري التيقّن من الانطباعات التي تركتها فيّ على الأقلّ. وذلك أقصى ما يمكنني السّيطرة عليه.

كُنّا ثلاثة، وصار هو رابعنا. لم نكن نتوقّع أن نضمّ أحدًا إلى مجموعتنا المُغلقة؛ كانت دوائر الصّداقات والجماعات قد تكوّنت من زمن طويل، وكنّا على عتبة التّفكير في أمر انتهائنا من المدرسة والخروج إلى الحياة أخيرًا. كان اسمه أدريان فِن: صبيٌّ طويل وخجول، يحتفظ بعينيه تنظران إلى الأرض، وبما في رأسه لنفسه. خلال أوّل يوم له في المدرسة، أو يومين، لم يُلفت انتباه أحد؛ فمدرستنا لا تُقيم حفلات ترحيب للطلّاب الجدد (بغضّ النظر عن العكس: تعريفه بالعقوبة التأديبيّة لكلّ مخالفة). لقد سجّلنا وجوده ولبثنا ننتظر.

كان المدرسون أكثر اهتماما به منّا؛ إذ عليهم التحقق من ذكائه وانضباطه، وتقدير مدى ما تعلّمه من قبل، وإذا ما كان سيُثبت أنّه “خامة صالحة للحصول على مِنحة”. خلال اليوم الثالث للفصل الدراسي في الخريف، كانت مُقرّرةً علينا حصّة تاريخ مع المعلّم جو هنت الأب، الذي يرتدي دومًا بذلته ذات القطع الثلاث اللطيفة، وله طريقته في الحفاظ على النظام، وهي تعتمد على قَدْرٍ لا يُستهان به من الملل.

“حسنًا، لعلّكم تذكرون أنّي طلبت منكم أن تأتوا مستعدّين إلى الحصّة وذلك بأن تقرؤوا حول فترة حكم هنري الثامن”. نظرتُ أنا وألكس وكولن بعضنا إلى بعض، آملين ألّا يسقط السؤال فوق رأس أحدنا. “من يُحبّ أن يتقدّم ويصف لنا ذلك العصر؟” أدركَ المدرّس الموقف من خلال أعيننا التي كانت تتحاشاه، فقال: “حسنًا، مارشال، ربما يمكنك أن تصف لنا فترة حكم هنري الثامن؟”

كان شعورنا بالارتياح أكبر من فضولنا؛ لأن مارشال كان بليدًا حذرًا لا يحمل أيّ شيء ممّا في الجهل الحقيقي من ابتكار. بحثَ عن التعقيدات المحتملة الكامنة في السؤال قبل أن يُعطي جوابه: “كانت هناك اضطرابات، أستاذي”.

انفجرت الضحكات غير القابلة للسيطرة تمامًا، حتى أنّ المدرّس نفسه ابتسم، ثم قال: “هل يمكنك أن تُسهب قليلًا في إجابتك؟”

أومأ مارشال برأسه موافقَا. فكّر فترةً أطول قليلًا، ثمّ قرّر أن الوقت ليس مناسبًا للحذَر، فقال: “يمكنني القول إنه كانت هناك اضطرابات عظيمة، أستاذي!”

“فِن، إذن، هل يمكنك أن تحدّثنا عن تلك الفترة؟”

كان الصبيّ الجديد يجلس إلى صفّ الطاولات الذي يليني مباشرة، إلى اليسار. لم يكن قد أظهر أيّ ردّ فعل على حماقات مارشال.

“لم يجرِ كما ينبغي، أستاذي. لكن هناك عبارة تنطبق على أيّ حدث تاريخيّ، بما فيها اندلاع الحرب العالمية الأولى مثلًا، وهي: إنّ شيئًا ما قد حدث!”.

“فعلًا؟ حسنًا، هذا يُنهي مهمّتي كمعلّم تاريخ، أليس كذلك؟”

بعد عدّة ضحكات متملّقة، التمس جو هنت الأب العذرَ لتكاسلنا بعد العُطلة، وزوّدنا بعدّة معلومات عن هنري الثامن، الجزّار الملكيّ متعدّد الزوجات.

في الفسحة التالية، ذهبتُ إلى فِن. “أنا توني وبستر” نظر نحوي بحذر “كان ردّك جيّدًا على هنت” بدا وكأنه لا يعرف ما أعنيه “حول أن شيئا ما قد حدث…”

“أوه، نعم. لقد أحبطني نوعًا ما أنه لم يتّخذ أيّ ردّ فعل”

لم يكن هذا هو الجواب الذي توقعتُه.

أتذكّرُ تفصيلًا آخر: ثلاثتنا، وعلى سبيل تأكيد عُمق صداقتنا، ارتدى كلّ واحدٍ منّا ساعة يده بينما وجهها إلى باطن الرسغ. كان ذلك متكلّفًا بالطبع، لكنه كان يعني لنا وقتها كثيرًا ربما. كان يجعل الزمن يبدو مثل شيء شخصيّ، أو حتى سريّ. توقّعنا أن يلاحظ أدريان الإشارة، وأن يرتدي الساعة مثلنا. لكنّه لم يفعل.

لاحقًا في ذلك اليوم –أو ربما في يوم آخر– كان مُقرّرًا علينا حصّتَا لغة إنجليزية مع فِيل ديكسون، وهو مدرّس شاب تخرّج توًّا من جامعة كامبردج. كان يحبّ الشّرح باستخدام نصوص مُعاصرة، وإلقاء الأسئلة المفاجئة مِن قَبيل “الميلاد والتزاوج والموت… ذاك كلّ ما يتحدّث عنه ت. إس. إليوت (T.S.Eliot) هل من تعليق؟” وراح ذات مرّة يقارن بين البطل الشكسبيريّ وبين البطل في فيلم سبارتاكوس (Spartacus) كما جسّده الممثّل كيرك دوغلاس (Kirk Douglas). وأتذكّر، بينما كنّا نُناقش ذات مرّة أشعار تيد هيوز، كيف راح يهزّ رأسه بطريقة متحذلقة ويغمغم ساخرًا “بالطبع، لابدّ أن نفكّر جميعًا في ما سيحدث لو نفد كلّ ما لديه من حيوانات![1]” كان في كثير من الأحيان يخاطبنا كالكبار بالقول “أيّها السّادة…” ولهذا غدونا، بالطّبع، مُعجبين به.

خلال ظَهيرةٍ ما، وزّع علينا أوراق قصيدة دون عنوان ولا تاريخ ولا اسم مؤلف، وأمهلنا عشر دقائق كي نقرأها. ثم بدأ يسألنا.

“هل نبدأ بك، فِن؟ هل يمكنك أن تقول لنا، ببساطة، عمّ تتحدث هذه القصيدة؟”

نظر فِن نحوه قائلا “إيروس وثانَتوس، سيدي”

“اممم، استمر”

“الجنس والموت…” واصل فِن كلامه، كأنّ أغبياء الصفّ الأخير بطيئي الفهم هم وحدهم من لا يعرفون اللغة اليونانية. “…أو الحُب والموت، لو كنتَ تفضّل ذلك. المفهوم الحسّي في كلّ أيّ أحواله، وصراعه مع مفهوم الموت، وما ينشأ عن ذاك الصّراع، أستاذي”

كنت أبدو أكثر انبهارًا ممّا كان ينبغي، بحسب تعليق ديكسون.

“وبستر، هل أَضِئ لنا النصّ أكثر”

“لقد ظننتُها قصيدة عن بومةٍ بيضاء (Barn owl)، أستاذي”

ذاك كان أحد الاختلافات بيننا وبين صديقنا الجديد. كنّا نبدو كالحمقى، حتى ونحن جادّون، بينما يبدو هو جادًّا، حتى لو كان يهزل. استغرق إدراك تلك الحقيقة منّا وقتًا لا بأس به.

ترك أدريان فِن نفسه يذوب وسط مجموعتنا، دون أن يصرّح أنّه يسعى إلى ذلك. وربما لم يكن يسعى إليه، فلم يغيّر آراءه لتوافق آراءنا. في صلوات الصباح المدرسيّة، كان يُمكن سماع صوته بوضوح مُشارِكًا الجميع في الكورال، بينما أنا وألكس بالكاد نحرّك شِفاهنا مع الكلمات، فيما كان كولن يفضّل الحيلة الساخرة المتمثّلة في الصّياح الحماسيّ المُفتعَل. كنّا ثلاثتنا نعتبر الرياضة المدرسيّة خطّة سريّة فاشيّة لكبت رغباتنا الجنسيّة، بينما انضمّ أدريان إلى نادي القَفْز فوق الحواجز وأدّى قفزات عالية. حِسّنا الموسيقيّ كان معدومًا كأننا صُمّ، بينما هو جاء إلى المدرسة بآلة اليراعة[2] خاصّته. حين عابَ كولن نظام “الأسرة” وأنها اللبنة التي تُكوّن المجتمع وتبنيه، ورحتُ أسخر من النظام السياسي أيضًا، وخرجت من ألكس بعض الاعتراضات الفلسفيّة حول الطبيعة المُدرَكة للواقع فيما، احتفظ أدريان برأيه، إلى حِين على الأقل. كان يعطي انطباعًا أنّه يؤمن بما يجري حولنا. نحن كذلك أيضًا، لكن كل ما في الأمر هو أننا نريد أن نؤمن بأنفسنا، لا أن يقرّروا هم لنا ما ينبغي الإيمان به. لذلك كنّا نمارس ما نظنّه شكّا تطهُّريًّا.

تقع المدرسة في قلب لندن. كنا نسافر إليها من جهات مختلفة كلّ يوم، عابرين من نظام تحكُّم إلى آخر. كان كل شيء في تلك الأيّام أبسط: النقود أقلّ، وليس ثمّة أجهزة إلكترونية، والموضة أقلّ استبدادًا، فضلًا عن أن المجتمع لم يسمح وقتها باتّخاذ حبيبة دون زواج. لم يكن هناك ما يشتّتنا عن مهمتنا الإنسانية كأبناء: أن ندرس وننجح في الامتحانات ونستغل إمكاناتنا في الحصول على وظيفة فنحقّق حياة لا يهدّدها شيء، حياة أكثر كمالًا من حياة آبائنا، حياة سوف يستحسنونها حين يقارنونها في خَلواتهم بحياتهم الباكرة التي كانت أبسط، وبالتالي أفضل. بالطبع، لم يتمّ التّصريح بأيّ شيء من كل ذلك؛ فالحركة الداروينيّة الاجتماعيّة[3] النّاعمة للطبقة الوسطى في إنجلترا بقيَت هي السّائدة.

“ملاعينٌ سخفاء… كلّ الآباء والأمّهات…” صاح كولن شاكيًا، في أحد أيام الإثنين حول طعام الغداء. “تظنّهم جيّدين في صِغَرِك، ثم لا تلبث أن تكتشف أنّهم…”

“هنري الثامن، يا كول؟” قال أدريان. بدأنا نعتادُ حسّه السّاخر، مع حقيقة أنه يمكنه أن ينقلب علينا جميعًا. حين يغيظنا، أو يدعونا للكلام بجديّة، كان يخاطبني مثلًا باسم “أنتوني” ألكس يصبح الإسكندر، واسم “كولن” الذي يستثقل طولَه، يختصره إلى “كول”.

أجابه كولن “لن يكون لديّ مشكلة لو تزوج أبي عشر زوجات…”

“وصار فاحش الثراء”

“وقام الرسام هولباين[4] برسم صورته”

“وقال للبابا أن يُغلق فمه ويرحل بعيدًا”[5]

سأل ألكس كولن “هل هناك أي مبرر محدد يجعل منهم ملاعين سخفاء كما قُلت؟”

“كنت أريد الذهاب إلى المتنزه لكنهم قالوا إنهم سيقضون عطلة نهاية الأسبوع في تشذيب الحديقة”

حقّا: إنهم ملاعين سخفاء، باستثناء أدريان الذي كان يستمع لاستنكاراتنا، لكن نادرا ما كان يُبدي رأيًا فيها. رغم ذلك، كانت أسبابه تبدو كأنها أقوى منّا جميعًا. غادرتهم والدته قبل سنين، تاركة أباه ليتدبّر أمر أدريان وأخته. حدث ذلك قبل وقت طويل من ظهور وانتشار مفهوم “الأبوّة –أو– الأمومة دون زواج”. وقتها، كان يُنظر إلى أُسرتهم على أنّها “بيتٌ مهدّم” وكان أدريان هو الولد الوحيد من بين معارفنا مَن له خلفيّة كهذه. كان ينبغي أن يمتلئ صدره بثَوْرَة وجوديّة جرّاء حياته، لكن ذلك، بطريقة ما، لم يحدث. قال إنه كان يحبّ والدته ويحترم أباه. كنّا نحن الثلاثة، بشكل خاص وفيما بيننا، نفكر في حالته وتوصّلنا إلى نظريّة مفادها أن مفتاح الحياة الأُسَريّة السّعيدة هو ألا تكون أُسَريّة على الإطلاق – أو على الأقل ألا يعيش الوالدان معًا. بعد التوصّل لهذا التحليل، ازددنا حسدًا لأدريان.

في تلك الأيام، كنا نشعر أننا محبوسون في انتظار الخروج لحياتنا. وحين جاءت تلك اللحظة، حين خرجنا، تسارعت وتيرة حياتنا ومضت– حتى إيقاع الزمن ذاته انطلق. كيف لنا أن نعرف وقتئذ أنّ حياتنا بدأت، أنّنا بالفعل شرعنا في تحصيل أرباحٍ ما في جهة والتعرّض للتّلف في جهة أخرى؟ كيف لنا أن نعرف أن إطلاق سراحنا لن يكون إلا لسجنٍ أكبر، بجدران لا يمكننا إدراكها؟

في الوقت ذاته كنّا جوعى للقراءة، جوعى للجنس، نؤمن باللاسلطويّة[6] ونعتقد بمبدأ الاستحقاق[7]. كانت كل النظم السياسية والاجتماعية بالنسبة لنا فاسدة، ومع ذلك نبحث عن بديل آخر غير الاستسلام لفوضى اللذّة. كان أدريان يدفعنا للإيمان بتطبيق الأفكار في الحياة، حيث تتولى المبادئ قيادة التصرّفات. قبل ذلك، كنا ننظر إلى ألكس بوصفه الفيلسوف بيننا. كان قد قرأ كتبًا لم نقرأها، فأمكنه أحيانًا أن يعلن فجأة، على سبيل المثال، “إذا لم يكن بوسعنا الكلام، فإنّه ينبغي علينا لزوم الصّمت!” وأفكر أنا وكولن في فكرة الصمت تلك بُرهةً، ثم ما نلبث أن نقطّب جبينَينا ونواصل الكلام. لكن وصول أدريان أزاح ألكس عن مكانه، أو بالأحرى منحنا فيلسوفًا بديلًا. إذا كان ألكس قد قرأ رَسِل (Russell) وفتجنشتاين (Wittgenstein)، فقد قرأ أدريان كامو ونيتشة. أنا قرأت جورج أورويل وألدوس هكسلي (Aldous Huxley)، بينما قرأ كولن بودلير ودوستويفسكي. هذا التصوير الكاريكاتوري هو ما كانت عليه مجموعتنا!

نعم، كنّا بالطبع مدّعين (ما الهدف من الشّباب إذن؟) كنا نستعمل مصطلحات مثل “رؤية كونية” و”العاصفة والاندفاع[8]” وكنا نستمتع بترديد عبارة “هذا أمر مُبرهن فلسفيًّا” وكنّا واثقين أن وظيفة الخيال الأولى هي أن يجتاز الحدود كلّها. كان آباؤنا يرون الأمور بصورة مختلفة، متصورين أننا أطفال أبرياء تعرّضوا إلى مؤثّرات فاسدة. كانت والدةُ كولن تطلق عليّ لقب “الملاك الأسود”. وتوجّه أبي باللوم إلى ألكس، حين وجدني أقرأ المانفستو الشيوعي، وتوجّهت أصابع الاتهام إلى كولن عندما وجد أهل ألكس معه رواية أمريكية من فئة روايات الجرائم والتحريّات. وهكذا. الأمر نفسه يحدث مع موضوع الجنس؛ كان أهلنا يخافون أن نتحوّل إلى أقصى ما يُثير رعبهم: مُدمنين على العادة السريّة، أو شواذّ صاخبين، أو مُنحَلّين متهوّرين نورّط الفتيات بالحمل. كانوا خائفين من الصداقة المتينة بين المراهقين، وسلوك الغرباء المفترس في القطارات، وإغواء البنات الفاسدات. كم كانت المسافة شاسعة بين مخاوفهم وبين خبراتنا.

ذات مساء، طلبَ منّا الأستاذ جو هنت الأب، وكأنما ردًّا على تحدّي أدريان القديم، مناقشة دوافع الحرب العالمية الثانية وجذورها، لا سيّما دور اغتيال الأرشيدوق فرانز فرديناند في إشعالها. وقتها كنا مولعين بالمُطْلَقات: نفضّل من الإجابات “نعم” أو “لا”، المدح أو الذم، الإدانة أو التبرئة، أو كما قال مارشال في جوابه السّابق: الاضطرابات، أو الاضطرابات العظيمة! كنّا نحبّ اللعبة التي تنتهي بالفوز أو الخسارة، لا التعادل. هكذا، بالنسبة لبعضنا، كان المسلّح الصّربي، الذي غاب اسمه عن ذاكرتي، مسؤولًا بشكل تام عمّا حدث: حاوِل انتزاعه من المعادلة، وستجد أن الحرب كانت مستحيلة الحدوث. بينما فضّل البعض الآخر إلقاء المسؤولية على الدوافع التاريخية، التي وضعت القوميّات المتضادة في مسار ينتهي حتمًا بالصِّدام “كانت أوروبا برميلًا من البارود ينتظر الاشتعال” وهكذا. أمّا الأكثر عبثّية ولاسُلطويّة منهم، مثل كولن، فقد تحدثوا عن أن كل شيء خاضع للصّدفة، وأن العالم انبثق أصلًا من حالةٍ من الفوضى، وما زال عليها، وبالتالي ليس هناك ما يدعو للتفكير سوى أننا نحمل غريزةً بدائيّةً لنسج القصص، أنتجت لنا الأديان منذ سنين، وهي التي تخلع معنىً على كل ما حدث وما لم يحدث أيضًا حتى الآن.

منح هنتُ كولنَ إيماءة موجزة لمحاولته هدم كل شيء، كأنّ داء الكُفر هو نتيجة طبيعية للمراهقة، لن تلبث أن تكبر فتُشفى منه. اعتاد الأساتذة والآباء أن يذكّرونا بشكل مثير للأعصاب أنهم هم أيضًا كانوا صغارًا، وأنه بإمكانهم الحديث من موقع سُلطة. يصرّون على تلك الفكرة، أنّ ما نؤمن به هو وليدُ مرحلة نعيشها، مجرّد مرحلة، وأننا سنكبر ونتجاوزها؛ ستُعلمك الحياةُ الحقيقةَ وكيف تكون واقعيا. لكننا وقتها كنا مقتنعين أنهم لم يكونوا أبدا مثلنا في مرحلة مراهقتهم، وأننا اقتنصنا الحياة –وقبضنا على الحقيقة، والأخلاق، والفن– أكثر ممّا فعله أولئك الكبار المتصالحون.

“فِن، أراك تجلس هادئًا! لقد دفعتَ أنت هذه الكرة، وأراك صامتًا، كأنك أنت الصربيّ المسلّح!” توقّف هنت عن الكلام قليلًا ليترك تلميحاته تصل كاملة. “هل يمكنك أن تتفضل وتُدلي بأفكارك حول الموضوع؟”

“لا أعلم، أستاذي”

“ما الذي لا تعلمه؟”

“حسنًا، من جهة، لا يمكنني أن أعلم ما الذي لا أعلمه. هذا أمر مُبرهن فلسفيًّا.” أعقب ذلك برهة من الصمت جعلتنا نتساءل ما إذا كان يبطّن كلامه بسخرية خفيّة، أم أنّه جادّ تماما. “هل إلقاء المسؤولية على أحد هو نوع من الهروب؟ كأننا نريد أن نتوجّه باللوم إلى فردٍ كي تتمّ تبرئة الباقين، أو نلوم حركة التاريخ ونبرّئ الجميع، أو نتصوّر الأمر مجرّد عبث فوضوي. وكل ذلك يوصلنا إلى النتيجة نفسها. يبدو لي أنه كانت هناك –وما تزال– سلسلة من المسؤوليّات الفرديّة، جميعها ضروريّة، لكنها ليست متتالية بحيث يمكن للجميع أن يُلقوا اللوم ببساطة من خلالها على الآخرين. لكن، بالطبع، رغبتي في تحميل المسؤولية ربما تكون انعكاسًا لأفكاري أكثر منه تحليلًا منصًفا لما حدث. هذه إحدى المشاكل المركزية في مفهوم التّاريخ، أليس كذلك؟ سؤال الموضوعيّة إزاء ذاتيّة التفسير، وحقيقة أننا بحاجة إلى فصل التاريخ عن المؤرّخ نفسه كي نستطيع أن نفهم الصّيغة التي تستقر بين أيدينا للتاريخ أو أيّ حادثة منه”

حلّ الصّمت. ولا، لم يكن يسخر منه، إطلاقًا.

نظر جو هنت الأب إلى ساعته وابتسم “فِن، سأتقاعد بعد خمس سنوات. ويسعدني أن أشير إلى بعض المراجع إذا كنت مهتمًّا بالنظر فيها” هكذا، لم يسخر منه هو أيضًا.

في أحد الطوابير الصباحيّة، قال المدير بنبرة صوتٍ كئيبة يحتفظ بها لإعلان أخبار الطّرد والهزائم الرياضيّة الكارثيّة، أنه يحمل خبرًا مُحزنًا: روبسون، من الصفّ السّادس العلميّ، توفي خلال عطلة نهاية الأسبوع. وبين طنين الغمغمات المتعجّبة، قال إن روبسون مات في زهرة شبابه، وأنّ فقدانه خسارة كبيرة للمدرسة، وأننا ينبغي أن نكون متواجدين في العزاء. قال كل شيء في الحقيقة، عدا ما أردنا أن نعرفه: متى وكيف؟ وإذا كان مقتولًا فمن القاتل؟

“إيروس وثانتوس” قال أدريان معلّقًا قبل بدء الحصة الأولى. “ثانتوس ينتصر ثانية”

ردّ عليه ألكس “لا ينطبق على روبسون بالضبط موضوع إيروس وثانتوس” فهززنا أنا وكولن رأسَينا موافقَين. إننا نعرف ذلك لأنه كان معنا في الفصل عامَين متتاليَيْن. كان صبيًّا هادئًا عديم الخيال، لا يحمل أيّ اهتمامات فنّيّة على الإطلاق، وقد تدحرج بعيدًا عن الحياة دون أن يؤذي أحدًا، وها هو الآن يوجّه لنا الإهانة جميعًا بصُنع اسمٍ لنفسه بهذا الموت المبكّر. زهرة الشباب، فعلًا: لكن روبسون الذي عرفناه لم يكن زهرة، كان نوعًا من الخضراوات.

لم يُذكَر أيّ مرض سببًا لوفاته، أو حادثة دراجة أو انفجار غاز. بعد عدة أيام تسرّبت شائعة (ومصدرها معروف، براون من الصف السّادس رياضيّات) عمّا لم تستطع السّلطات فعله: فقد حملَت صديقة روبنسون منه، فشنق نفسه متدليًّا من السّقف، ولم يُعثر عليه مُدّة يومين.

“لم يرد إلى ذهني قط أنه يعرف كيف يشنق نفسه!”

“لا تنس أنه كان في الصف السّادس العلميّ”

“لكن الشّنق بحاجة لعُقدة من نوع معيّن”

“ذاك في الأفلام فقط، وعمليّات الإعدام الرسميّة. لكن في الحقيقة يمكنك استعمال أيّ حبل، كل ما سيحدث أنك ستختنق فترةً أطول قليلًا”

“كيف تتصور شكل صديقته؟”

تصوّرنا الخيارات التي نعرفها: عذراء متزمّتة (باتت الآن عذراء سابقة)، أو فتاة فاسقة من أحد المحلات، أو امرأة ناضجة ذات خبرة، أو عاهرة تحمل قدْرًا لا بأس به من الأمراض التناسليّة. بقينا نتحدث في ذلك حتى غيّر أدريان مجرى الحديث.

“قال كامو إن الانتحار هو السؤال الفلسفيّ الحقيقي الوحيد”

“بعيدًا عن الأخلاقيّات والسياسة وعلم الجمال وطبيعة الحقيقة وكل ذاك اللغو” جاء ردّ ألكس الحاد والفوري.

“…إنّه السؤال الوحيد الحقيقي، السؤال الأساسي الذي تعتمد عليه الأسئلة الأخرى كلّها”

بعد تحليل طويل لحادثة انتحار روبسون، استنتجنا أنّه من الممكن افتراض حدثٍ فلسفيٍّ منطقيّ: أنه، وهو بصدد أن يكون سببًا في زيادة تعداد البشريّة، قرر أن التزاماته الأخلاقيّة تحتّم عليه الحفاظ على تعداد سكان الكوكب ثابتًا. لكننا، من الجهات كافّة، حكمنا على روبسون –بعد تفكير جاد– أنّه قد خدعنا. كان تصرفه غير فلسفيّ، وحشيًّا ويفتقر لأيّ لمسةٍ فنيّة. بعبارة أخرى، كان تصرّفه خاطئًا. أمّا بشأن ورقة الانتحار التي أُشيع أنّه تركها خلفه (براون مرّة أخرى) التي تقول “آسف ماما” فقد رأينا أنّه أضاع فرصةً تعليميّة أثناء حياته لكتابة تلك الرّسالة بشكل أفضل.

ربما ما كنّا لنقسو على روبسون ما لم تكن هناك حقيقة مركزية وراسخة: أنّه في عمرنا نفسه، وأنّه –من وجه نظرنا– شخص غير مميّز، لكنّه نجحَ ليس فقط في العثور على صديقة، بل أيضًا مارس الجنس معها. اللعين! لماذا هو وليس نحن! لماذا لم يعش أيّ منّا أيّ تجربة –حتى لو كانت فاشلة– في العثور على صديقة؟ شعورٌ بالمهانة مثل ذاك، على الأقل، سيُضيف شيئًا لحِكمتنا، ويمنحنا ما نُباهي به حتى لو بشكلٍ سلبيّ. (في الحقيقة، إنّه “أحمق ذو بثور، وشخصيّة لا تختلف عن أي حذاء” هذه هي الكلمات التي قيلت لنا، بالضّبط) كنا نعرف من قِراءاتنا أن الحبّ ينطوي على العذاب، ولم تكن لدينا أيّ مشكلة في أن نحتمل شيئا من ذاك العذاب إذا كان يتضمّن وعدًا، حتى ولو بشكل جدليّ، بأن “حُبًّا ما” في الطريق إلينا.

كان ذلك أحد مخاوفنا: أن تنتهي الحياة لتصير مثلما هي في الأدب. انظر إلى آبائنا: أليسوا مادّة خام صالحة للأدب؟ وهم يسعون ليكونوا بين المتفرّجين والمارّة، جزءًا من خلفيّة اجتماعية تحدُث على سطحها الأشياء المهمّة والحقيقيّة والصّادقة. مثل ماذا؟ مثل كل ما يدور حوله الأدب: الحب والجنس والأخلاق والصداقة والسعادة والمعاناة والخيانة والدعارة والخير والشر والأبطال والأشرار والندم والبراءة والطموح والسلطة والعدل والثورة والحرب والآباء والأبناء والأمهات والبنات والفرد ضد المجتمع والنجاح والفشل والجريمة والانتحار والموت والله. والبوم الأبيض. ثمّة هناك بالطبع نماذج للأدب النظريّ، أو المذكّرات، أو السّيرة الذاتيّة البكائيّة. لكن تلك الأشكال الكتابيّة ليست سوى استمناء لا يُخصب شيئًا. الأدب الفعلي هو ما كان عن الحقائق النفسيّة والعاطفيّة والاجتماعيّة كما تشير إليها أفعال –وردود أفعال– الشخصيّات الأدبيّة المكتوبة؛ الرواية هي تطوّر الشخصيّات عبر الزمن. هذا ما قاله لنا فيل ديكسون على أيّ حال، والشخص الوحيد –بخلاف روبسون– الذي احتوت حياته على ما يشبه الرواية، هو أدريان.

“لماذا تركَت أمّك أباك؟”

“لست متأكدا أني أعرف السبب”

“هل كان لديها عشيق؟”

“هل أبوك ديّوث؟”

“هل كان لوالدك عشيقة؟”

“لا أدري. قالوا لي أني سأفهم عندما أكبر”

“هذا ما يقولونه دائما. لماذا لا يشرحون كل شيء الآن! هذا ما سأقوله” باستثناء أنّي لم أقل ذلك أبدًا، فبيتنا، حسب ما يمكنني أن أُخبر به، لم يكن يحوي أيّ أسرار، ولا ما يجلب العار أو الإحباط.

“ربما كانت أمك واقعة في هوى شابٍّ أصغر منها؟”

“كيف يمكن لي أن أعرف؟ نحن لم نلتق قط في البيت، فهي دائمة الحضور في لندن.”

ذاك وضعٌ ميؤوس منه. لو كنّا في رواية، لم يكن أدريان ليقبل بالأمور على علّاتها. ما معنى أن تكون حياتك مفعمة بالعناصر الروائيّة ما لم يكن البطل يتصرّف كما يتصرّف أبطال الروايات؟ كان لا بد لأدريان أن يتجسّس عليها، أو يوفّر من مصروفه ويستأجر مُخبرًا سريًّا؛ ربما كان علينا نحن الأربعة أن نتحرك معه سعيًا للبحث عن الحقيقة. أو ربما يكون كل ذلك أبعد عن الأدب، في الحقيقة، وأقرب إلى مغامرات الأطفال.

أثناء آخر حصّة تاريخ لنا في ذلك العام، دعانا جو هنت الأب، الذي تصفّحَت عَيناهُ الكليلتَان التيودورات (Tudors) والاستيوراتات (Stuarts) والفيكتوريين (Victorians) والإدوارديين (Edwardians) ومبدأ “صعود الإمبراطوريّات” ثم “اضمحلالها”، إلى تأمّل القرون الماضية كلّها ومحاولة استخلاص بعض النتائج.

“يمكننا البدء، مثلا، بسؤال يبدو بسيطًا: ما هو التاريخ؟ هل من إجابة، وبستر؟”

“التاريخ أكاذيب المنتصرين” أجبت بسرعة.

“حسنا. كنت أخشى أن تقول ذلك، ربما تتذكر كذلك أنه أوهام المهزومين أيضًا. سمبسون؟”

كولن كان أكثر استعدادًا منّي. “التاريخ فطيرةُ بَصَلٍ غير مطبوخ، أستاذي”

“لماذا؟”

“لأنّه مكرّر، أستاذي. مُثير للتجشّؤ. لقد رأيناه مرّة تلو الأخرى أثناء دراستنا هذا العام مثل طبقات البصل. الحكاية القديمة نفسها، التأرجح بين الخيانة والثورة نفسه، الحرب والسلام، الثروة والفقر…الخ”

“هذا يرجّح أنه فَطيرة بصل ضخمة، أليس كذلك؟”

ضحكنا أكثر ممّا ينبغي، وانقلب الحال لما يشبه الهستيريا الجماعية.

“فِن؟”

“التاريخ هو ذاك اليقين الناتج عن التقاء خلل الذّاكرة بنقص التوثيق”

“فعلا؟ أين قرأت ذلك؟”

“لاغرانج (Lagrange)، أستاذي. باتريك لاغرانج، إنه فرنسي”

“مفهوم طبعا. حسنا، هل يمكنك أن تعطينا مثالا على ذلك؟”

“انتحار روبسون، أستاذي”

سرَت همهمة مسموعة، وجازف البعض بإدارة رؤوسهم نحو أدريان، غير أنّ هنت، مثل باقي المدرسين، كان يمحضه مكانة خاصة. عندما كان أحدنا يحاول التمرّد كانت تتم معاملته باعتبار أنّه أقدم على تصرّفٍ صبيانيّ (وهذا أمر آخر ضمن قائمة الأمور التي سنكبر ونتجاوزها) بينما كان يتمّ التعاطي مع تمرّد أدريان على أنّه سعيٌ متطرّف للبحث عن الحقيقة.

“ما علاقة هذا بذاك؟”

“إنه حدَث تاريخي، أستاذي، حتى لو كان بسيطًا، غير أنه جديد. إذن، لابدّ أن نتعامل معه كتاريخ. نحن نعرف أنه مات، نحن نعرف أنه كانت لديه صديقة، نحن نعرف أنها حامل، أو كانت كذلك. ماذا لدينا أيضًا؟ نموذج لوثيقة واحدة، رسالة انتحار مكتوب فيها “آسف، ماما”، على الأقل وِفقًا لشائعة براون. هل ما تزال هذه الرسالة موجودة؟ هل تمّ التخلّص منها؟ هل كان لدى روبسون أيّ دوافع أخرى أو أسباب خلف تلك الدوافع الواضحة؟ ماذا كان يدور في رأسه؟ هل يمكننا أن نتأكد أنّ الجنين هو جنينه؟ لا يمكننا يا سيدي، رغم أنه لا يفصلنا عن الحادثة غير وقت قصير. فكيف سيكون الأمر حين يكتب شخص ما قصّة روبسون بعد خمسين عامًا، عندما يكون والداه قد رحلا، وفتاته اختفت، ولا تُريد أن تتذكّره من جديد؟ هل ترى حجم المشكلة، أستاذي؟”

نظرنا جميعا إلى هنت، متسائلين ما إذا كان أدريان قد اندفع بعيدا هذه المرة. تلك الكلمة وحدها “حامل” كانت تبدو كأنها تحوم مثل غبار الطباشير، والاقتراح الجريء للأبوّة البديلة لروبسون، التلميذ المنحلّ…

بعد فترة صمت قال المدرّس “أتفهم المشكلة، فِن. لكني أظن أنك تبخس قَدْر التاريخ، وبالتالي قَدْر المؤرخين. دعنا نفترض جدلا أن روبسون المسكين سيصير محلّ اهتمام تاريخي. دائما ما واجه المؤرخّون مشكلة نقص الأدلة المباشرة. هذا ما اعتادوا عليه. لا تنس كذلك أنّ القضيّة الحديثة ربما تتضمّن تحقيقًا قضائيًّا وبالتالي تقريرًا من طبيب شرعي. ربما كان روبسون يدوّن مذكراته، أو يحتفظ بخطاباتٍ ما مكتوبة، أو قام بإجراء اتصالات هاتفية ما زال استدعاء تسجيلاتها ممكنًا. ربما يكون والداه قد أجابا على خطابات التعزية التي تلقياها شارحينَ ما حدث. وبعد خمسين عامًا من الآن، بحسب الأعمار المتوقعة حاليًّا، سيكون بعض من زملاء مدرسته متاحين لإجراء حوارات معهم. ستكون المهمة أقل صعوبة ممّا تتصوًر”

“لكن لا شيء سيعوّض غياب شهادة روبسون نفسه، أستاذي”

“هذا صحيح من جانب واحد، لكن بالقدْر نفسه، يحتاج المؤرخون لمعالجة تفسيرات المشاركين في الأحداث بنوعٍ من الشّك أيضًا. إنه الموقف الذي تتبناه عينٌ تنظر نحو المستقبل، هو أكثر ما يستحق الشك”

“إذا كنت ترى ذلك، أستاذي”

“وغالبا ما يمكن الاستدلال من الأفعال على الحالة العقلية. نادرا ما يرسل الطاغية ملاحظة بخط اليد يطلب فيها التخلص من العدو”

” إذا كنت ترى ذلك، أستاذي”

“حسنا”

هل كان ذاك هو الحوار الذي دار بينهما؟ ليس تمامًا، إنه أقصى ما أتذكّره من الحوار الذي دار بينهما.

————————————————

[1]  الحيوانات هي الملمَح الأهم في شعر تيد هيوز.

[2]  آلة اليراعة أو كلارينت هي آلة نفخ في الجوقة الموسيقية. معظم آلات الكلارينت مصنوعة من الخشب. يعود أصلها إلى الحضارة المصرية القديمة، وتطور تصنيعها بالتعديلات التي أدخلها عليها عام 1700 صانع الآلات الألماني يوهان كريستوف دينر. لكنها لم تحتل مكانتها في «الأوركسترا» إلا بعد ثمانين عاماً على يد موتسارت.

[3]  الداروينية الاجتماعية هي نظريّة حول الارتقاء الاجتماعي والحضاري، أي التطوّرات والتغيّرات التي تطال التجمّعات الاجتماعية البشرية. تؤمن أن المجتمعات تتقدم خلال مراحل من التطوّر والاصطفاء الدائم للمفاهيم الأصلح اجتماعيًا، وبالتالي فإن المجتمعات تتوجّه إلى الأفضل دومًا. الشّاهد هنا او أن وبستر لا يؤمن بذلك، بل يؤمن بعكسه تمامًا: الماضي هو الأفضل.

[4]  هولبايْن (1497-1543) فنّان ألماني من عصر النهضة، ولد في آوغسبورغ، ويُعتبر من أكبر رسامي اللوحات الشخصية (بورتريهات) في عصره.

[5] إشارة إلى تصرّفات هنري الثامن المتمردة على سُلطة الكنيسة.

[6] اللاسُلطويّة هي فلسفة سياسية تتهم الدولة باللاأخلاقية وتُعارضها في تسيير العلاقات الإنسانية. يدعو أنصار اللاسلطوية (اللاسلطويون) إلى مجتمعات من دون دولة/سُلطة، مبنيّة على أساس جمعيّات تطوّعية غير هرميّة.

[7] الاستحقاق هو نظام إداري وسياسي تُسند فيه التكليفات والمسؤوليات إلى الأفراد على أساس “استحقاقهم” القائم على ذكائهم وشهاداتهم ودرجة تعليمهم، التي تقاس عن طريق التقييم أو الاختبارات.

[8] العاصفة والاندفاع هي حركة أدبية امتدّت بين عامَي 1767 و1785. أخذت هذه التسمية من اسم مسرحية فريدريش ماكسيميليان فون كلنجر. ويتميز عصر العاصفة والاندفاع بتمجيد العاطفة البشرية الجارفة والقلب المتأجج بالشعور، وبعدم الاهتمام بالعقل الذي كان سائدا في عصر التنوير. ومن الأعمال الأدبية التي كتبت في ذلك العصر رواية غوته “آلام الشاب فرتر”.