Go Tell It on The Mountain أعلنوا مولده فوق الجبل

جيمس بالدوين

 أعلنوا مولده فوق الجبل

 ترجمة هاني حلمي حنفي

تحرير أحمد العلي

يصدُر عن مجموعة كلمات في معرض الشارقة الدولي للكتاب 2017

on the mountain


تقديم

لا تمثّل كنيسة “معبد المعمّدين بالنار” في الرواية مكان اجتماع المؤمنين وحسب، لكنّها المرساة التي تثبّت عقول المنتمين إليها عن الانجراف والجنون الذي تدفعهم إليه الدُّنيا دفعًا. إنّها تعِدهم بجنّة تخلّصهم من حياة الفقر والضّنك، خاصّة وأن الأحداث تدور خلال فترة الكساد العظيم في حيّ هارلم، حيث يعيش السّود في نيويورك. حوّل بالدوين تلك الكنيسة إلى واجهة عَرْض تُشبه تلك التي في الدّكاكين، عرضَ من خلالها فاترينات شخصيّاته، كاشفًا أعماقها وموجّهًا عينه إلى تفاصيل التفاصيل بشكل لا يصدّق.

تجري الأحداث خلال يوم ميلاد المراهق چون، يوم سبت من عام 1935، حين يصحو صباحًا فيجد صدره وقد ثقُل فجأة ممّا اقترف من خطايا، ضميره الدينيّ يؤنّبه، فيشرع في التساؤل عن هويّته الدينيّة والجنسيّة والاجتماعيّة والعِرقيّة، وعن حقيقة مشاعره، ومن هو في هذه الحياة، وفي الحياة الآخرة. ينتقل السّرد في الزّمن ماضيًا وحاضرًا ليشكّل صورة متكاملة عن چون نفسه من خلال ذاكرة عمّته، ووالدته، ووالده. يقف كلّ واحد منهم في الكنيسة للصّلاة، فينفتح السّرد من القلب تمامًا، تتدفّق الآثام أمام الرّب وتنسكب الاعترافات والشّكوك ويختلّ ميزان الزّمن. كل ذلك بلغة دينيّة تختلف باختلاف الشخصيّات: تثقُل وتغدو توراتيّة (العهد القديم) على لسان الأب، وتخفّ وتتجدّد فتُمسي إنجيليّة (العهد الجديد) على لسان الصبيّ.

لكل إنسان شخصيّة، ويسعى بالدوين إلى الوصول للشّخص الكامن خلف الشّخصية، تلك المادة البشريّة الخام، إذ يؤمن أنّه إذا أردت معرفة شخصٍ ما، وما الذي يحدّد ردود فعله تجاه بيئته ومجرياتها، فلابدّ من معرفة الأحداث الكبيرة التي شكّلت حياته. في هذا الكتاب طبّق بالدوين ذلك إلى درجة أنّه قال، مُشيرًا إلى نتاجه الأدبيّ الغزير: «لو كان لي أن أكتب كتابًا واحدًا في حياتي، لما كتبتُ سواه.»


“بتَصوير حيّ وشفيف، وانتباه شرِس للتفاصيل، سطّرَ السيّد بالدوين قصّته الأعزّ…”

The New York Times

“كتبَ بروح الشّعر سردًا عظيمًا.”

Harper’s

“مُذهلة معرفته العميقة تلك بمكان نشأته هارلم، وأُناسه، وحتى لغته…”

Chicago Sun-Times


مجتزأ من الفصل الأول

كان الجميع يقولون دائمًا إنه سيغدو واعظًا عندما يكبر، تمامًا مثل أبيه. ولطالما تردد هذا القول حتى أصبح چون نفسه يؤمن به دون أن يتدبره أبدًا. إذ لم يبادر إلى التفكير في هذا الأمر إلا في صباح عيد ميلاده الرابع عشر، وحينها كان الأوان قد فات.

          ذكرياته الباكرة – وهي على نحو ما ذكرياته الوحيدة – كانت تدور حول صباحات أيام الآحاد المشرقة والاستعجال الذي يلازمها. استيقظوا جميعًا معًا في ذلك اليوم؛ لم يكن على أبيه أن يخرج للعمل، فأمّهم في الصلاة قبل الإفطار؛ أما أمه فقد ارتدت أفضل ما لديها في ذلك اليوم، وكانت تبدو كأنها شابة صغيرة بشعرها المفرود والكاب الأبيض المحبوك على رأسها وهو زي القديسات. ولزم أخوه الأصغر روي الصمت في ذلك اليوم لأن أباه كان بالبيت. وارتدت سارة شريطًا أحمر على شعرها في ذلك اليوم، وكان أبوها يداعبها. وامتطت الرضيعة روث، بملابسها الوردية والبيضاء، ذراعي أمها حتى الكنيسة.

          لم تكن الكنيسة تبعد أكثر من مسافة بطول أربع بنايات في شارع لينوكس عند ناصية غير بعيدة عن المستشفى. كانت هذه المستشفى هي التي ذهبت إليها أمه عند ولادة روي وسارة وروث. لا تعي ذاكرة چون بوضوح شديد أول مرة ذهبت أمه هناك لولادة روي. قال الناس إنه ظل يبكي طوال فترة وجودها هناك؛ كان يذكر فقط ما يكفي أن يبعث الخوف فيه كلما بدأت بطنها في الانتفاخ، ويعرف أنه في كل مرة يبدأ الانتفاخ فلن ينتهي إلا ويأخذونها منه لتعود ومعها غريب. وفي كل مرة يحدث ذلك تصير هي نفسها على شيء من الغرابة. سوف تذهب عما قريب مرة أخرى كما قال روي – فقد كان أكثر دراية من چون بهذه الأمور. كان چون ينظر إلى أمه بإمعان ولا يرى انتفاخًا بعد، لكن أباه صلى ذات صباح لأجل أن “يحل المسافر الصغير بينهم سريعاً”، وهكذا أدرك چون أن ما قاله روي حقيقي.

          منذ أن وعت ذاكرة چون، كانت عائلة جرايمز تخرج للشارع صباح كل أحد في طريقها إلى الكنيسة. الخُطاة على طول الطريق ينظرون إليهم– رجال لا يزالون يرتدون ملابس ليلة السبت، مغضنة ومغبرة الآن، عيونهم غائمة ووجوههم واجمة؛ النساء بأصواتهن المبحوحة وثيابهن الضيقة المبهرجة، والسجائر بين أصابعهن أو في زوايا أفواههن. كانوا يتحادثون ويضحكون ويتشاجرون، وكانت النساء تتشاجرن مثل الرجال. تبادل چون وروي نظرة عابرة وهما يمران بهم، كان چون مضطربًا وروي مستمتعًا. سوف يصبح روي مثلهم ما لم يغير الرب قلبه. كان هؤلاء الرجال والنساء الذين يمران بهم في صباحات الأحد يقضون الليل في الحانات وبيوت البغاء أو في الشوارع وعلى أسطح المنازل أو أسفل درج البنايات. كانوا يسكرون. ويصير سبابهم ضحكًا ثم غضبًا ثم شهوةً. ذات مرة شاهد هو وروي رجلًا وامرأة في الطابق الواقع تحت الأرض في أحد المنازل المشبوهة. كانا يمارسان الجنس وهما واقفان. أرادت المرأة خمسين سنتًا فأشرع الرجل موسى حلاقة في وجهها.

          لم ينظر چون مرة أخرى أبدًا؛ فقد كان خائفًا. لكن روي شاهدهما مرارًا، وأخبر چون أنه مارس نفس الفعل مع بعض البنات في أسفل البناية.

          حتى أمه وأبوه، اللذان يذهبان إلى الكنيسة في أيام الآحاد، يفعلانها أيضًا. وفي بعض الأحيان كان چون يسمعهما في حجرة النوم الواقعة خلف حجرته، يعلو صوتهما على صوت أقدام الجرذان وصراخها، وعلى صوت الموسيقى والسباب المنبعثين من شقة العاهرة التي تسكن الطابق الأرضي.

          كانت كنيستهم تدعى “معبد المعمدين بالنار”. لم تكن أكبر كنيسة في هارلم ولم تكن أصغرها، لكن چون نشأ على الاعتقاد بأنها أقدس الكنائس وأفضلها. كان أبوه كبير الشمامسة في هذه الكنيسة التي لم يكن بها سوى شماسين اثنين فقط – كان الآخر أسود بدينًا يدعى الشماس بريثويت– وكان يتولى جمع التبرعات وأحيانًا الوعظ. أما الأب چيمس، الراعي، فقد كان دمثًا وعفيًا وله وجه كقمر أسمر. وكان يتولى الوعظ في آحاد العنصرة، ويقود اجتماعات الإحياء الديني في الصيف، ويمسح على المرضى ويعالجهم.

          في صباحات الآحاد ولياليها كانت الكنيسة دائمًا مكتظة؛ وفي الآحاد الخاصة كانت تكتظ طوال اليوم. وكان أفراد عائلة جرايمز يَصِلون معًا، دائمًا متأخرين قليلًا، عادة في منتصف دروس الأحد التي كانت تبدأ في الساعة التاسعة. ويُعزَى هذا التأخير، على الأقل من وجهة نظر أبيهم، إلى أمهم دائمًا. إذ يبدو أنها لم تكن تستطيع أن تجهز نفسها والأولاد في الموعد المحدد، وأحيانًا كانت تتخلف حقًا ولا تظهر إلا في قداس الصباح. وعندما يَصِلون كانوا يتفرقون فور دخولهم من الأبواب، فيذهب الأب والأم ليجلسا في فصل الكبار الذي تدرس له الأخت ماكاندلس، وتذهب سارة لفصل الأطفال، ويذهب چون وروي للفصل المتوسط الذي يدرس له الأخ إليشا.

          لم يكن چون في طفولته يبدي أي اهتمام بمدرسة الأحد، وكان دائمًا ينسى النص الذهبي، مما أنزل به غضب والده. وإبان عيد ميلاده الرابع عشر، ومع كل ضغوط الكنيسة والبيت التي اجتمعت لتدفعه إلى المذبح، جاهد أن يبدو أكثر جدية حتى تصبح لا مبالاته أقل وضوحًا. لكنه كان مشتت الانتباه بسبب معلمه الجديد، إليشا، ابن أخت الراعي، الذي وفد مؤخرًا من ولاية جورجيا. لم يكن إليشا يكبر چون كثيرًا، كان عمره سبعة عشر عامًا فقط، وكان قد اهتدى إلى طريق الخلاص وأصبح واعظًا. حملق چون في إليشا طوال الدرس معجبًا بنبرة صوته، التي كانت أعمق من نبرته وأكثر رجولة، وبنحافته ورشاقته وقوته ولونه الأسود في حلة يوم الأحد، وتساءل هل سيصبح مقدسًا مثل إليشا. لكنه لم يتابع الدرس، وفي بعض الأحيان عندما كان إليشا يتوقف ليسأله سؤالًا، كان چون يضطرب خزيًا ويشعر أن راحتيه مبللتان وقلبه يدق كالمطرقة. كان إليشا يبتسم ويوبخه برقة، ثم يواصل الدرس.

          لم يكن روي أيضًا يعير دروس مدرسة الأحد انتباهًا، لكن الأمر معه كان مختلفًا – ففي الواقع لم يكن أحد ينتظر من روي ما كان منتظرًا من چون. كان الجميع يصلون أن يهدي الرب قلب روي، لكن كان المتوقع من چون أن يكون صالحًا وأسوة حسنة.

          عندما ينتهي قداس مدرسة الأحد كانت تتلوه استراحة قصيرة قبل بداية قداس الصباح. وإذا كان الجو صحوًا تخرج العجائز خلال هذه الاستراحة للحظات ليتحدثن فيما بينهن. في أغلب الأحيان كانت الأخوات ترتدين الأبيض من مفرق الرأس حتى أخمص القدم. أما الأطفال الصغار، في هذا اليوم وهذا المكان ومع قمع آبائهم لهم، فكانوا يحاولون اللعب دون أن يُظهروا ما يسئ لبيت الرب. لكن في بعض الأحيان كان النكد والتوتر يجتاحهم فيتصايحون أو يقذفون بكتب التراتيل أو يشرعون في البكاء، مما يضطر آباءهم أو أمهاتهم، وهم من أهل الرب، أن يثبتوا لهم – بالشدة أو اللين – من الذي له الطاعة في بيوت الرب المقدسة. وقد يتمشى الصبية الصغار من أمثال چون وروي حتى آخر الشارع، دون أن يذهبوا بعيدًا. إذ لم يكن أبوهما ليدعهما يغيبان عن ناظريه البتة؛ لأن روي اعتاد أن يختفي في الفترة بين درس الأحد وقداس الصباح ولا يعود طوال اليوم.

          يبدأ قداس صباح الأحد عندما يجلس الأخ إليشا إلى البيانو ويصدح بأغنية. بدا الأمر وكأن هذه اللحظة وهذه الموسيقى كانتا مع چون منذ أن تنفس الحياة لأول مرة. كأنه لم يكن هناك أبدًا زمن لم يعرف فيه لحظة الانتظار هذه بينما الكنيسة المكدسة ساكنة – الأخوات في اللون الأبيض، رؤوسهن مرفوعة، والأخوة في اللون الأزرق ورؤوسهم للوراء؛ الكابات البيضاء على رؤوس النسوة تتوهج في الهواء المشحون كالتيجان، ورؤوس الرجال اللامعة ذات الشعور المجعدة تتبدى شامخة – سكن الحفيف والهمس وسكت الأطفال؛ ربما سعل شخص ما؛ أو انبعث بوق سيارة، أو تناهى إلي الأسماع سباب من الشارع؛ حينئذ كان إليشا يدق أصابع البيانو ثم يشرع في الغناء في التو، يصحبه الجميع وهم يصفقون ثم ينهضون ضاربين الدفوف.

          قد تكون الأغنية: “على الصليب حيث مات مُخَلِّصي!

أو تكون: “يسوع، لن أنسى كيف حررتني!

أو “ربي خذ بيدي بينما أقطع هذا السبق!

          كانوا يغنون بكل ما فيهم من قوة ويصفقون فرحًا. ما من زمن لم يجلس فيه چون يرقب القديسين فيما يملأ قلبَه الرعبُ، والعجبُ. كان غناؤهم يجعله يؤمن بحضور الرب؛ في الواقع لم يعد الأمر متعلقًا بالإيمان، لأنهم أحالوا هذا الحضور حقيقيًا. لم يكن يشعر في قرارة نفسه بهذا الفرح الذي يشعرون به، بيد أنه لم يشك أنه بالنسبة لهم خبز الحياة حقًا – لم يكن بوسعه أن يشك في ذلك إلا بعد أن انقضى أوان الشك بالنسبة له… كان شيء ما يعتري وجوههم وأصواتهم وإيقاع أجسادهم، بل والهواء الذي يتنفسونه؛ كأنهم أينما حلوا فهم في عليين والروح القدس تسري في الهواء. وجه أبيه الذي كان دومًا مهيبًا يصبح الآن أكثر مهابةً؛ وغضبه اليومي يستحيل غضبًا نبويًا. جسدت الأم لچون‎ بعينيها المتطلعتين إلى السماء ويديها الخاشعتين أمامها وهي تتحرك، ذلك الصبر والجلد والمعاناة الطويلة التي طالما قرأ عنها في الإنجيل ووجد من الصعوبة بمكان أن يتخيلها.

          في صباحات الآحاد كانت النسوة كلهن تبدون صابرات والرجال كلهم يبدون أقوياء. وبينما يرقبهم چون، كانت القوة الإلهية تنزل بأحدهم، رجلًا أو امرأة، فيصرخون صرخة طويلة دون كلام، ويبدأون صيحتهم وأذرعهم ممدودة كالأجنحة. يحرك أحدهم مقعدًا ليفسح لهم مكانًا، يسكن الإيقاع ويتوقف الغناء، ولا يُسمَع إلا دبيب الأقدام وصفق الكفوف؛ ثم صرخة أخرى، وراقص آخر، وتبدأ الدفوف كرة أخرى، وتصدح الأصوات من جديد، وتلف الموسيقى المكان كالنيران أو الطوفان أو القضاء الإلهي. ثم تبدو الكنيسة وكأنها تمور بالقوة الإلهية التي بين جنباتها وككوكب رجراج في الفضاء يهتز المعبد بقوة الرب. كان چون يرقب الوجوه والأجساد الأثيرية، وينصت إلى الصرخات الأبدية. ذات يوم، كما كان الجميع يقولون، سوف تتلبسه القوة الإلهية؛ وسوف يصدح بالغناء ويصيح كما يفعلون الآن، ويرقص أمام المليك. كان چون يرقب الفتاة إلاماي واشنطن ذات السبعة عشر ربيعًا، حفيدة الأم واشنطن المصلية، وهي تشرع في الرقص. بعدئذ بدأ إليشا في الرقص.

          في لحظة واحدة جلس إليشا إلى البيانو، يعزف ويغني، رأسه مطوح إلى الوراء وعيناه مغمضتان والعرق يتأرجح على جبهته. ومثل قط ضخم أسود، وقع في مأزق في الغابة، تخشب وارتعش ثم أطلق صرخة. يسوع، يسوع يسوع، يا إلهي يسوع! عزف على البيانو نغمة أخيرة جامحة وطوح ذراعيه عاليًا، مباعدًا بينهما على وسعهما، وراحتاه مفتوحتان إلى أعلى. انطلقت الدفوف لتملأ الفراغ الذي خلفه البيانو الصامت، وتجاوبت صرخات مع صرخته. ثم انتفض على قدميه يدور معميًا، وقد احتقن وجهه وتشنج حنقًا وتقافزت عضلات رقبته المتطاولة السمراء وانتفخت… بدا وكأنه لا يستطيع أن يتنفس، وكأن جسده لا يملك لجيشانه احتواءً، وكأنه سيتناثر أمام أعينهم بددًا في أثير من الترقب. أخذت يداه المتخشبتان حتى الأنامل تتحركان جيئة وذهابًا على ردفيه وعيناه العمياوان تتطلعان إلى أعلى، ثم شرع في الرقص. ضم كفيه في هيئة قبضتين وانحنت هامته وأذاب العرقُ الدهانَ الذي يمسد شعره؛ وتسارع إيقاع الآخرين ليتساوق مع إيقاع إليشا. تحرك فخذاه بصورة مروعة على قماش حلته، ودق كعباه على الأرضية، وتحركت قبضتاه بحذاء جسده وكأنه يدق طبلًا. واستمر على هذا النحو في وسط حلقة الراقصين، هامته محنية وقبضتاه تدقان بصورة لا تحتمل حتى بدت جدران الكنيسة وكأنها ستتصدع من مجرد الصوت. وفي لحظة انطلقت صرخته وارتفعت هامته وامتدت ذراعاه في الهواء وسال العرق من جبهته غزيرًا واهتز جسده رقصًا كأنه لن يتوقف أبدًا. أحيانًا لم يكن يتوقف حتى يسقط على وجهه مغشيًا عليه وهو يئن – كحيوان صرعته مطرقة. حينئذ كان أنين عظيم يملأ الكنيسة.

          كان ثمة خطيئة بينهم. ذات أحد، بعد انتهاء القداس المعتاد، كشف الأب چيمس عن الخطيئة الموجودة بين جماعة الصالحين. ففضح إليشا وإلاماي. لقد “حادا عن الصراط المستقيم”؛ وكانا عرضة لخطر الانحراف عن الحقيقة. وبينما كان الأب چيمس يتحدث عن الخطيئة التي لم يرتكباها بعد، عن التينة غير الناضجة التي قُطِفت قبل أوانها من الشجرة – كي يثير أعصاب الأطفال – شعر چون وهو في مقعده بدوار ولم يستطع أن ينظر إلى إليشا حيث كان يقف إلى جوار إلاماي أمام المذبح. لم تبدُ إلاماي الآن جميلة كما كانت أثناء غنائها وتلاوتها للشهادة، بل بدت كفتاة عادية متجهمة. شفتاها المكتنزتان منفرجتان وعيناها سوداوان – ربما من الخزي أو الحنق أو كليهما. أما جدتها التي ربتها فقد جلست تنظر في هدوء ويداها مضمومتان. كانت الجدة عمودًا من عُمد الكنيسة، من المبشرات ذوات السطوة والشهرة العريضة. لم تقل شيئًا دفاعًا عن إلاماي، لأنها لابد قد شعرتْ، مثلما شعر المصلون، أن الأب چيمس كان فقط يمارس واجبه الواضح والمؤلم. فلقد كان مسؤولًا عن إليشا كما كانت الأم واشنطن المصلية مسؤولة عن إلاماي. قال الأب چيمس أن تكون راعيًا لقطيع ليس بالأمر الهين. قد يبدو هينًا مجرد أن تجلس في المنبر ليلة بعد ليلة وعامًا بعد عام، لكن دعهم يتذكرون المسؤولية المهولة التي ألقى بها الرب القدير على عاتقه – دعهم يتذكرون أن الرب سوف يحاسبه ذات يوم على كل روح في قطيعه. دعهم يتذكرون ذلك عندما يظنون أنه قاسٍ، دعهم يتذكرون أن كلمة الرب قاسية وأن طريق القداسة شاق. لا مكان في جيش الرب للقلب الجبان، لا تيجان تنتظر من يُعلي الأم أو الأب أو الأخت أو الأخ أو المحبوب أو الصديق فوق إرادة الرب. فلتؤمّن الكنيسة على ذلك! فصاحوا وراءه: “آمين! آمين!”

          قال الأب چيمس، وهو ينظر إلى الفتى والفتاة أمامه، إن الرب هداه إلى تحذيرهما على الملأ قبل أن يفوت الأوان؛ لأنه كان يعرف أنهما شابان مخلصان ومكرسان لخدمة الرب – كل ما في الأمر أنهما لا يعرفان المزالق التي يضعها إبليس في طريق الغافلين لأنهما مازالا صغيرين. فقد كان يعرف أن الخطيئة ليست في عقليهما، على الأقل حتى الآن، بل في الجسد؛ فإذا ما استمرا في الخروج معًا على انفراد، وفي تبادل الأسرار والضحكات ولمسات الأيدي، فلا ريب أنهما سيقعان في خطيئة لا غفران لها. تساءل چون عما كان يدور في ذهن إليشا – الفارع الطول، الذي كان يلعب كرة السلة والذي تحقق خلاصه في سن الحادية عشر في حقول الجنوب التي لا تُطاق. هل ارتكب الخطيئة؟ هل وقع في الغواية؟ والفتاة التي تجلس بجانبه، والتي بدت أثوابها البيضاء الآن أوهى سَترٍ لعري ثدييها وفخذيها الفاتنين – كيف كان وجهها عندما كانت وحدها مع إليشا، دون غناء ودون قديسين يحيطون بهما؟ كان خائفًا من التفكير في هذا الأمر، لكنه لم يستطع التفكير في أي شيء آخر؛ والحمى التي اُُّتهِما بها بدأت تضطرم فيه.

          بعد هذا الأحد لم يعد إليشا وإلاماي يتقابلان كل يوم بعد المدرسة أو يقضيان عصاري أيام الأحد في التجول في أنحاء منتزه سنترال بارك، أو في الاستلقاء على الشاطئ. كل هذا قد انتهى بالنسبة لهما. وإذا ما قدر لهما اللقيا مرة أخرى فلن يكون ذلك إلا في الزواج. وسيكون لهما أطفال يربيانهم في الكنيسة.

          هذا ما كان يُقصَد بالحياة المقدسة، هذا ما كان يتطلبه طريق الصليب. في يوم الأحد الذي سبق يوم عيد ميلاده بقليل أدرك چون بصورة ما أن هذه هي الحياة التي تنتظره – أدرك ذلك عن وعي باعتباره شيئًا غير بعيد بل وشيك الوقوع، يدنو يومًا بعد يوم.

وافق عيد ميلاد چون يوم سبت من شهر مارس عام 1935. استيقظ في صباح عيد ميلاده هذا ينتابه شعور أن خطرًا في الهواء المحيط يحدق به – أن شيئًا لا رجعة فيه قد حدث بداخله. أخذ يحملق في بقعة صفراء في السقف فوق رأسه تمامًا. كان روي مازال مختنقًا تحت ملاءات الفراش، تترجع أنفاسه بصوت صفير خفيض. لم يكن ثمة صوت آخر في أي مكان؛ فلم يستيقظ أحد في البيت. كانت كل أجهزة المذياع في بيوت الجيران صامتة، ولم تستيقظ أمه بعد لتعد فطور أبيه. تعجب چون لفزعه، وتعجب للوقت؛ حينئذ (بينما كانت البقعة الصفراء في السقف تتحول تدريجيًا إلى عري امرأة) تذكر أنه عيد ميلاده الرابع عشر وأنه ارتكب الخطيئة.

          رغم ذلك كانت أول فكرة تبادرت إلى ذهنه: “هل سيتذكر أحد؟” لأنه قد حدث من قبل، مرة أو مرتين، أن مرّ عيد ميلاده دون أن يلاحظ أحد على الإطلاق، لم يقل له أحد “عيد ميلاد سعيد يا چوني،” أو يقدم له أي شيء، ولا حتى أمه. تقلب روي مرة أخرى في الفراش ودفعه چون بعيدًا، وهو ينصت إلى الصمت. في صباحات أخرى كان يستيقظ على صوت أمه تغني في المطبخ، وصوت أبيه من خلفه في حجرة النوم يتمتم بصلواته لنفسه بينما يرتدي ملابسه؛ وربما كان يسمع أيضًا ثرثرة سارة وصراخ روث وصوت المذياع وقعقعة الأواني وكل أصوات الجيران. هذا الصباح لم يَفضْ الصمتَ ولا حتى صوت صرير زنبرك السرير، لذا بدا وكأن چون ينصت إلى مصيره الصامت. بل ظن أنه استيقظ متأخرًا في صباح البعث العظيم؛ وأن كل من نالوا الخلاص تحولوا في غمضة عين وصعدوا لمقابلة يسوع بين السحب، وأنه تُرِك وحيدًا بجسده الخطّي يصطلي في الجحيم لألف عام.

          لقد ارتكب الخطيئة. بالرغم من القديسين وأمه وأبيه وكل التحذيرات التي سمعها منذ بداياته الباكرة، لقد خطئ بيديه خطيئة يصعب غفرانها. في حمام المدرسة، وحيدًا، وهو يفكر في الصبيان الأكبر سنًا وضخامة وشجاعة منه، وهم يتراهنون على من يبلغ بوله مدى أعلى من رفاقه، رأى چون في نفسه تغييرًا لن يجرؤ أن يفصح عنه.

          كانت ظلمة خطيئة چون كظلمة الكنيسة في أمسيات الآحاد، كصمت الكنيسة عندما يكون فيها وحده يمسح الأرضية ويصب الماء في الدلو الكبير ويرفع الكراسي قبل أن يصل القديسون بفترة. كانت مثل أفكاره أثناء تحركه في غرفة الهيكل التي قضى بها حياته، تلك الغرفة التي كان يكرهها ورغم ذلك يحبها ويخشاها. كانت مثل شتائم روي، مثل الأصداء التي كانت تثيرها هذه الشتائم في چون: تذكر روي في يوم سبت نادر عندما جاء ليساعد چون في تنظيف الكنيسة، وأخذ يشتم في بيت الرب، ويقوم بإيماءات بذيئة أمام أعين يسوع. كانت خطيئته مثل كل هذا ومثل الجدران التي شهدت عليها واللوحات التي أكدت أن جزاء الخطيئة هو الموت. ظلمة خطيئته كانت في تحجر القلب الذي قاوم به قوة الرب، في الازدراء الذي كان يتملكه أحيانًا كثيرة عندما يسمع الصرخات والأصوات المتكسرة ويرى البشرة السوداء تلتمع بينما يرفعون أذرعهم ويخرون على وجوههم أمام الرب. لقد قر قرراه ألا يصبح مثل أبيه أو آباء أبيه. ستكون له حياة أخرى.

          كان چون متميزًا في دراسته، ومع أنه لم يكن متفوقًا مثل إليشا في الحساب أو كرة السلة فقد كان الجميع يقولون إن له مستقبلًا عظيمًا. قد يصبح زعيمًا عظيمًا لقومه. لم يكن چون شديد الاهتمام بقومه أو بقيادتهم إلى أي مكان، لكن العبارة التي ترددت مرارًا على مسمعه تجسدت في ذهنه كبوابة نحاسية ضخمة، تنفتح له في الخارج على عالم لا يحيا فيه البشر في الظلمة التي تكتنف بيت أبيه ولا يصّلون ليسوع في ظلمة كنيسة أبيه، على عالم يستمتع فيه بأطيب الأطعمة ويرتدي أفخر الملابس، ويذهب إلى السينما كلما رغب. في هذا العالم سيصبح چون الذي كان، كما يقول أبوه، قبيحًا وأضأل صبي في فصله على الدوام ولا أصدقاء له، سيصبح جميلًا وطويلًا ومحبوبًا في الحال. سيتزاحم الناس لمقابلة چون جرايمز. الشاعر أو عميد الكلية أو نجم السينما؛ سيشرب أغلى أنواع الويسكي ويدخن سجائر “لَكي سترايك” في علبتها الخضراء.

          لم يكن السود فقط هم الذين يثنون على چون، لأنهم كما كان يشعر لا يستطيعون بأي حال أن يعرفوا قدره؛ لكن البيض أيضًا كانوا يثنون عليه، بل كانوا في الواقع أول من قالوا ذلك ومازالوا يقولونه. كان ذلك وقتما كان چون في الخامسة من عمره في الصف الأول عندما تم اكتشافه؛ ولأن العين التي اكتشفته كانت غريبة ومحايدة بدأ يدرك وجوده الفردي في قلق جامح.

          كانوا يتعلمون الحروف الأبجدية في ذلك اليوم، ويقف ستة تلاميذ في كل مرة أمام السبورة لكتابة الحروف التي حفظوها. بعد أن فرغ ستة من التلاميذ من الكتابة ووقفوا ينتظرون حكم المعلمة انفتح الباب الخلفي ودلفت منه ناظرة المدرسة التي كان يخشاها الجميع. لم يفه أحد أو يتحرك. في الصمت الذي ران انطلق صوت الناظرة سائلةً:

          “أي طفل هذا؟”

          كانت تشير إلى السبورة، إلى حروف چون. لم يخطر بباله إمكانية أن تميزه ملاحظتها، ومن ثم راح يحملق فيها ببساطة. ثم أدرك من سكون الأطفال الآخرين ومن الطريقة التي تجنبوا بها النظر إليه أنه من وقع عليه الاختيار للعقاب.

          قالت المعلمة في رفق: “تكلم يا چون”.

          على حافة الدموع غمغم باسمه وانتظر. ألقت عليه الناظرة ذات الشعر الأبيض والوجه الحديدي نظرة ثم قالت: “چون جرايمز أنت ولد ذكي جدًا، واظب على الاجتهاد.”

          بعدئذ خرجت من الفصل.

منذ ذلك الوقت، أعطته تلك اللحظة على الأقل درعًا إن لم يكن سلاحًا؛ لقد أدرك إدراكًا كاملًا، دونما اعتقاد أو فهم أنه يملك بداخله قوة يفتقدها الآخرون؛ أنه يمكن أن يستخدم تلك القوة ليخلص نفسه، ليرّقي نفسه؛ وربما يستطيع ذات يوم أن يكسب بها ذلك الحب الذي طالما تاق إليه. في دخيلة چون لم يكن ذلك إيمانًا عرضة للزوال أو التحول، ولا أملًا قابلًا للانهيار، بل كان هويته، ومن ثم جزءًا من ذلك الشر الذي كان أبوه يضربه بسببه والذي كان يتشبث به كي يحتمل أباه. ذراع أبيه التي تصعد وتهوى قد تجعله يبكي وهذا الصوت قد يجعله يرتعد؛ ومع ذلك لا يمكن لأبيه أبدًا أن يكون المنتصر، لأن چون كان يضمر بداخله شيئًا لا يستطيع له الأب وصولًا. هذا الشيء هو كراهيته وذكاؤه، أحدهما يغذي الآخر. كان يعيش من أجل اليوم الذي يموت فيه أبوه فيلعنه چون على فراش الموت. وهذا هو السبب في تحجر قلب چون ضد الرب رغم نشأته على الإيمان وإحاطة القديسين وصلواتهم وفرحتهم به طوال حياته، ورغم غرفة الهيكل التي كانوا يتعبدون فيها والتي كانت أكثر حقيقية له من البيوت العديدة العابرة التي قطنها هو وعائلته. كان أبوه خادم الرب، سفير ملك السماوات، وچون لا يستطيع أن ينحني أمام عرش النعمى دون أن يركع أولًا أمام أبيه. كانت حياة چون تعتمد على رفضه أن يفعل ذلك، وكان قلبه السري يزدهر في شره حتى ذلك اليوم الذي باغتته خطيئته فيه.

          في غمرة تساؤلاته كلها غرق چون في النوم مرة أخرى، وعندما استيقظ هذه المرة وغادر الفراش كان أبوه قد ذهب إلى المصنع حيث يعمل نصف يوم. كان روي يجلس في المطبخ، يتشاجر مع أمه. أما الرضيعة روث فقد جلست على كرسيها العالي تخبط على الصينية بملعقة يغطيها الشوفان. هذا يعني أنها كانت في مزاج طيب، ولن تقضي اليوم في الصراخ لأسباب لا يعلمها سواها، ولا تسمح لأحد سوى أمها بلمسها. كانت سارة هادئة، لا تثرثر اليوم، أو على أية حال ليس بعد، ووقفت بالقرب من الموقد طاوية ذراعيها وهي تحملق في روي بعينين سوداوين خاملتين، تشبهان عيني أبيها، فبدت عجوزًا.

          جلست أمهم، ورأسها معصوب بخرقة قديمة، تحسو قهوتها من غير حليب وترقب روي. كانت شمس نهاية الشتاء الشاحبة تغمر الحجرة وتحيل كل وجوههم صفراء. للحظةٍ، وهو على تلك الحالة من الخدر والتجهم والتساؤل كيف سقط في النوم مرة أخرى وكيف سُمح له بالنوم كل هذا الوقت، رآهم چون كشخوص على شاشة، وزاد الضوء الأصفر من كثافة هذا الإحساس. كانت الحجرة ضيقة وقذرة، لا شيء بإمكانه أن يغير أبعادها، لا جهد يستطيع أن يجعلها نظيفة. القذارة على الجدران وعلى ألواح خشب الأرضية وتجتاح ما تحت الحوض حيث تتكاثر الصراصير، في الثنايا الدقيقة للأواني والأوعية المعلقة فوق الموقد، والتي احترقت قعورها واسودت رغم دعكها يوميًا، على الجدار الذي عُلقت عليه الأواني، تكشف عن نفسها حيث تشقق البياض وبرز للخارج في مربعات وشذرات متصلبة، وانتشر الوسخ الأسود كالعنكبوت على القشرة الداخلية الرقيقة كالورق. استقرت القذارة في كل ركن وزاوية وشق في الموقد الضخم، تعيش خلفه في تواصل محموم مع الجدار الفاسد. كانت القذارة على الأرضية التي طالما دعكها چون كل يوم سبت، وتتراكم في طبقة خشنة على أرفف خزانة المطبخ التي تحوي الأطباق المشروخة اللامعة. تحت هذا الثقل الكابي مالت الجدران وتدلى السقف الذي كان يتوسطه شرخ كبير كالبرق. كانت النوافذ تلمع كالذهب أو الفضة المصقولة، لكن تحت الضوء الأصفر أبصر چون ذرات الغبار الدقيقة التي تغلل عظمتها المزعومة. كانت القذارة تزحف في الممسحة الرمادية المعلقة من النافذة لتجف. راح چون يفكر في خزي وهلع، ومع ذلك بقلب تملؤه القسوة الغاضبة: وَمَنْ هُوَ نَجِسٌ فَلْيَتَنَجَّسْ بَعْدُ. نظر إلى أمه وكأنه ينظر إلى شخص غريب فميز الخطوط السمراء الصلبة التي تنحدر من عينيها، والتقطيبة العميقة الدائمة على جبهتها وفمها المزموم المقلوب إلى أسفل، ويديها السمراوين النحيلتين، قويتين رغم عظامهما البارزة؛ وارتدت العبارة إليه كأنها سيف ذو حدين، ألم يكن هو القذر في غروره الكاذب وخياله الشرير؟ من خلال عاصفة الدموع التي لم تصل إلى مقلتيه حملق في الغرفة الصفراء التي تبدلت صورتها، فغام ضوء الشمس وتغير وجه أمه. صار وجهها ذلك الوجه الذي يهبه لها في أحلامه، الوجه الذي كان لها في صورة قديمة رآها ذات مرة منذ فترة بعيدة، صورة أخذت لها قبل مولده. كان وجه شابة به كبرياء وترفع، وعليه ابتسامة جعلت الفم الواسع جميلًا والعينين النجلاوين يأتلقان. كان وجه فتاة تعرف أن الشر لا يستطيع أن يطالها، فتاة تستطيع يقينًا أن تضحك كما لا تستطيع أمه الآن. بين الوجهين امتدت ظلمة وغموض كان چون يخافهما، وأحيانًا كانا يجعلانه يكرهها.

          عندما رأته قطعت حديثها مع روي وسألته: “هل أنت جائع أيها النعسان الصغير؟”

          وقالت سارة: “هيا! لقد حان وقت الاستيقاظ.”

          مشى إلى المائدة وجلس، يعتريه شعور عاتٍ بالخوف وحاجة للمس الأشياء، المائدة والكراسي وجدران الغرفة كي يتأكد أن الغرفة موجودة وأنه فيها. لم ينظر إلى أمه، التي نهضت واتجهت إلى الموقد لتسخن فطوره. لكنه سألها لمجرد أن يقول شيئًا لها وليسمع صوته: “ماذا لدينا على الإفطار؟”

          لكنه أدرك في شيء من الخزي أمله في أن تكون قد أعدت إفطارًا مخصوصًا له في عيد ميلاده.

          “ماذا تظن لدينا على الإفطار؟” سأله روي بازدراء. “هل تشتهي شيئًا بعينه؟”

          نظر چون إليه ولم يكن روي في مزاج طيب.

          “لم أتوجه إليك بالحديث”

          “أوه، معذرة،” قال روي بنبرة حادة كنبرة البنات الصغيرات التي يعرف أن چون يمقتها.

          “ماذا بك اليوم؟” سأله چون مغضبًا ومحاولًا في نفس الوقت أن يعطي صوته نبرة خشنة بقدر المستطاع.

          قالت أمه: “لا تتضايق من روي، فإنه نكد هذا الصباح.”

          قال چون “نعم، أظن ذلك”. وتبادلا النظرات. وضعت أمه طبقه أمامه وبه حبيبات القمح المقشور وقطعة من لحم الخنزير. أراد أن يصرخ كطفل: “أماه لكنه عيد ميلادي!” لكنه ثبت عينيه في طبقه وشرع في الأكل.

          واصلت الأم مشادتها مع روي قائلة: “تستطيع أن تتكلم عن أبيك كما تشاء لكنك لا تجرؤ أن تقول إنه لم يفعل ما في وسعه دائمًا من أجل أن يكون أبًا جديرًا لك وأن يقيك شر الجوع.”

          “لقد جعت مراراً” رد روي متباهيًا بأنه استطاع أن يحرز نقطة ضد أمه.

          “لم يكن ذلك خطأه، حينئذ. لم يكن ذلك لأنه لم يحاول أن يطعمك. لقد كان هذا الرجل يعمل في نزح الثلج في درجة حرارة تحت الصفر بينما كان ينبغي لمثله أن يكون في الفراش، كان ذلك من أجل أن يضع الطعام في بطنك.”

          قال روي حانقاً: “لم تكن بطني وحدي، فله بطن أيضًا، إن الطريقة التي يأكل بها تدعو للخزي. كما أنني لم أطلب منه أن ينزح الثلج من أجلي.” لكنه أطرق بعينيه، شاكًا في أن حجته بها خلل ما. ثم قال أخيراً: “كل ما في الأمر أنني لا أريده أن يضربني طوال الوقت، فلست كلباً”.

          تنهدت واستدارت قليلًا ناظرة من النافذة وقالت: “أبوك يضربك لأنه يحبك.”

          ضحك روي. “إنني لا أفهم هذا النوع من الحب، أيتها العجوز. ماذا تظنينه فاعلًا بي إذا لم يكن يحبني؟”

          انفجرت فيه “سوف يدعك تذهب إلى الجحيم مباشرةً وهو على ما يبدو مصيرك المحتوم على أي حال! سوف يدعك يا سيد الرجال حتى تُطعَن بسكين أو تساق إلى السجن!”

          باغتها چون بالسؤال: “أماه، هل أبي رجل طيب؟”

          لم يدرك أنه كان سيطرح السؤال، وراقبها في دهشة وهي تزم فمها وتغيم عيناها.

          أجابته في رفق: “ليس هذا بسؤال، إنك لا تعرف رجلًا أفضل منه، أليس كذلك؟”

          علقت سارة: “يبدو لي أنه رجل طيب حقًا، فهو يصلي طول الوقت.”

          قالت أمهم وهي تجلس إلى المائدة متجاهلة سارة: “إنكم أطفال صغار، ولا تدركون كم أنتم محظوظون لأن لكم أبًا يقلق بشأنكم ويحرص على أن تنشأوا النشأة الصالحة.”

          قال روي: “نعم. كم نحن محظوظون أن يكون لنا أب لا يريدنا أن نذهب إلى السينما ولا يريدنا أن نلعب في الشارع ولا يريد أن يكون لنا أصدقاء ولا يريد هذا ولا يريد ذاك، ولا يريدنا أن نفعل شيئًا. نحن محظوظون أن لنا أبًا يريدنا فقط أن نذهب إلى الكنيسة ونقرأ الكتاب المقدس ونصيح أمام المذبح كالحمقى ونبقى في المنزل هادئين وُدعاء، كالجرذان الصغيرة. حقًا إننا محظوظون. لا أعرف ما الذي فعلته كي أكون محظوظًا هكذا.”

          ضحكت قائلة: “سوف تكتشف ذلك يومًا ما، تذكر كلماتي.”

          “أي نعم” قال روي.

          “لكن سيكون الأوان قد فات حينئذ. سيكون الأوان قد فات عندما…. تندم.” تغير صوتها وقابلت عيناها عيني چون للحظة، ووقع الخوف في قلب چون. شعر أن كلماتها، على غرار الطريقة الغريبة التي يختار الرب أن يتكلم بها أحيانًا للبشر، منزلة من السماء وأنه المقصود بها. كان في الرابعة عشرة– هل فات الأوان؟ ومما عزز من قلقه ذلك الإحساس، الذي أدرك في تلك اللحظة أنه كان معه طوال الوقت، بأن أمه لم تكن تقول كل ما تعنيه. تساءل ما الذي كانت تقوله للعمة فلورنس عندما تتحادثان؟ أو لأبيه؟ ماذا كانت أفكارها؟ لم ينمّ وجهها عن أي شيء. ومع ذلك عندما كانت تنظر إليه في لحظة كالسر وترسل إشارتها كان وجهها يخبره بكل شيء. كانت أفكارها مريرة.

          قال روي وهو ينهض: “لا يعنيني، عندما يكون لي أطفال لن أعاملهم بهذه الطريقة.” راقب چون أمه؛ وراقبت هي روي. “أنا متأكد أن هذا لا يصلح. فليس لك الحق في أن يصبح لك بيت ملؤه الأطفال إن لم تكن تعرف كيف تعاملهم.”

          قالت أمه: “إنك تتكلم كرجل كبير هذا الصباح، فلتحذر.”

          ردّ روي وهو يميل فجأة نحو أمه: “ثمة شيء آخر أود أن تحدثيني عنه، لماذا لا يدعني أتحدث إليه كما أتحدث إليك؟ إنه أبي، أليس كذلك؟ لكنه لا يستمع لي أبدًا – طوال الوقت عليّ أن أستمع إليه.”

          قالت وهي تنظر إليه: “أبوك يعرف الصالح. إذا استمعت إليه، فأنا أضمن لك أنك لن تنتهي إلى السجن.”

          مصّ روي أسنانه حنقًا. “لا أسعى لدخول أي سجن. أتظنين أن العالم لا يوجد فيه إلا سجون وكنائس؟ يجب ألا تقتصر معرفتك على ذلك يا أمي.”

          قالت: “كل ما أعرفه هو أنه لا أمان ما لم تمش خاشعًا أمام الرب. ستكتشف ذلك أيضًا يومًا ما. فلتذهب في طريقك أيها العنيد. فلن تجني إلا الأسى.”

          ابتسم روي: “ولكنك ستكونين موجودة عندما أقع في مأزق، أليس كذلك يا أماه؟”

          قالت محاولة أن تكبح ابتسامتها: “إنك لا تعلم إلى متى سيدعني الرب أبقى معك.”

          استدار روي وأدى خطوة راقصة ثم قال: “هذا معقول، فأنا أعلم أن الرب ليس قاسيًا مثل أبي. أليس كذلك يا ولد؟” وجه السؤال لجون وضربه بخفة على جبهته.

          ” دعني أتناول إفطاري يا ولد.” غمغم چون: رغم أن طبقه فرغ منذ فترة طويلة، وكان مسرورًا أن روي استدار له.

          “هذا الولد أكيد مجنون،” غامرت سارة قائلة بتعقل.

          صاح روي: “فلتنصتوا إلى القديسة الصغيرة! لن يعاني أبي من أي مشاكل معها – هذه البنت ولدت مقدسة. أراهن أن أول كلمات نطقتها كانت: ’الشكر لك يا يسوع‘ أليس كذلك يا أمي؟”

          قالت ضاحكة: “فلتكف عن هذه الحماقة، واذهب إلى عملك. فلن يجاريك أحد في حماقاتك طوال الصباح.”

          سألها روي: “أوه، هل لديك عمل لي هذا الصباح؟ حسنًا، ها أنا أسألك ماذا تأمرينني أن أعمل؟”

          “عليك إصلاح الخشب في غرفة الطعام. ولن تطأ بقدمك خارج المنزل قبل أن تقوم بذلك.”

          “لماذا تتكلمين هكذا الآن يا أمي؟ هل قلت لك إنني لن أفعل؟ تعرفين أنني أعمل بجد عندما أرغب في ذلك. بعد أن أنتهي هل بإمكاني الخروج؟”

          “فلتبدأ في العمل وسوف نرى. ومن الأفضل أن تقوم بعملك على خير وجه.”

          قال روي: “إنني دائمًا أقوم بعملي على خير وجه، لن تعرفي أخشابك القديمة عندما أنتهي من العمل.”

          قالت الأم: “كالأولاد الطيبين اكنس الغرفة الأمامية من أجل خاطري يا چون ونفض الأثاث. وسوف أنظف أنا هنا.”

          “نعم يا أماه.” أجابها ونهض واقفًا. لقد نسيتْ عيد ميلاده. وأقسم هو ألا يذكره. ولن يفكر فيه أكثر من ذلك.