Breakfast at Tiffany’s إفطار عند تيفاني

ترومان كابوتي

إفطار عند تيفاني، وثلاث قصص أخرى

ترجمة مجدي عبدالمجيد خاطر

تحرير أحمد العلي

يصدُر عن مجموعة كلمات في معرض الشارقة الدولي للكتاب 2017

breakfast at Tiffanys-Cover


تقديم

تُعَدّ شخصية هولاي جولايتلي من أكثر الشخصيّات شهرة في تاريخ السينما في الولايات المتّحدة؛ فقد قامت بدورها الممثّلة العالميّة أودري هيبورن في الفيلم الشهير المقتبس عن الرواية التي بين أيدينا والذي يحمل الاسم نفسه Breakfast At Tiffany’s؛ مرتديةً قبّعتها الواسعة ونظّارتها السّوداء الكبيرة، حاملةً بين أصابعها سيجارتها الطويلة، حتى أصبح الفستان الذي ارتدته هيبورن في المشهد الافتتاحي من الفيلم رمزًا من رموز القرن العشرين، بل يعتبر الفستان الأسود القصير الأكثر شهرة على مرّ العصور.

ما زالت هولاي جولايتلي تحظى بالاهتمام الأدبيّ دراسةً ونقدًا، فهي أكثر شخصيّات كابوتي إحكامًا في بنائها، والأقرب إلى قلبه. هي شخصيّة خائفة، تُحبّ قُرب الرجال الأثرياء وارتياد صالوناتهم العامرة بالخيرات، لكنها في النهاية أتت إلى مدينة نيويورك من الرّيف الذي تحمل جماله الفاتن وبساطته وخفّته لكن دون سذاجة، فالغريب أن لها فلسفتها الخاصّة عن الحريّة وقبول الاختلاف الإنسانيّ، حتى أن مخاوفها وما يُثير قلقها هي أمورٌ لا تخطر على بال، وتسمّيها «النوبات الحمراء» وترى أن علاجها هو أن تقفز داخل أوّل سيّارة أجرة أمامها، قاصدةً متجر مجوهرات «تيفاني» الشّهير في الجادة الخامسة، فهو مكان آمنٌ من كل سوء كما تعتقد، تتنزّه بين الروائح المُبهجة الجديدة «للفضّة والمَحافِظ المصنوعة من جلود التماسيح.» ولذلك فإن أجمل أحلامها هو تناول الإفطار بالقُرب من متجر «تيفاني» لتستعيد حياتها ألقها.

يضمّ الكتاب أيضاً ثلاثًا من أشهر قصص كابوتي: «بيت الزهور» و«غيتار ماسّي» و«ذِكرى عيد ميلاد» والتي اعتُبرت من أكثر القصص إثارة للمشاعر في اللغة الإنجليزية.


حُوّلَت إلى فيلم عام 1961 حملَ العنوان نفسه، وكانت النجوميّة للمثّلة الشّهيرة أودري هيبورن.

“نصف النساء اللواتي عرفن ترومان كابوتي ادّعين أنّهن بطلة الرواية!”

Gerald

“إنّه أصدَق كُتّاب جيلي وأدقّهم. لم يكن ليقبل أن يبدّل كلمتين في نَصّه”

Norman Mailer


مجتزأ من الفصل الأول

أحنّ دومًا للعودة إلى أماكن عشتُ فيها؛ المساكن وما جاورها. مثلاً، تلك البناية المشيّدة بالطوب الأحمر، الواقعة على أحد شوارع إيست سفنتيز، حيث، خلال السنوات الأولى من الحرب، حُزتُ شقتي الأولى في مدينة نيويورك. كانت غُرفة واحدة تكْتَظّ بأثاث كلاسيكي، أريكة وعدة كراسي عريضة مُنَجّدة بالمخمل الأحمر المُثير للحكاك، كالّذي يُرافق المرء في سفره خلال الأيام الساخنة على متن قطار. الجدران منقوشة بزخارف جصّية، عسليّة اللون إلى حد ما. وفي كل مكان، كذلك في الحمام، ثمّة مُلصقات لآثار رومانية مُبقّعة بنمش بني بفعل الزمن. تُطل النافذة الوحيدة على سلّم للطوارئ. مع ذلك، انتشيت لمّا تحسست في جيبي مفتاح هذه الشقة؛ فرغم ظُلْمتها، ظلّت حيّزي الخاص، والأول. كانت كتبي هناك. إن جرّة أقلام رصاص في انتظار الشّحذ هي كل ما احتجته، لأصير الكاتب الّذي رغبته.. أو هكذا شعرت.

لم يتراءَ لي قط في تلك الأيام أن أكتب عن هولّي جولايتلي، ومن الجائز أنّه ما كنت لأفعل الآن لولا حديث دار بيني وبين جو بيل أهاج ذكرياتي عنها مُجدداً.

كانت هولّي جولايتلي تستأجر شقة في بناية الطوب الأحمر العتيقة، وكانت تسكن أسفل مني مباشرة. وفيما يتعلق بجو بيلّ، كان يُدير حانة قريبة من ناصية جادة ليكسنغتون، ولا يزال. كُنّا–أنا وهولّي– قد اعتدنا الذهاب إلى هناك ست مرّات يومياً أو سبع، لا للشراب، ليس دائماً بالضرورة، لكن لإجراء مكالمات تليفونيّة: فأثناء الحرب كان امتلاك هاتف شخصيّ أمراً عسيراً. فضلاً عن كفاءة جو بيل في الاضطلاع بالرسائل، وهو ما كان في حالة هولّي، ليس بالمعروف الهيّن؛ فلديها من الرسائل عدد هائل الوفرة.

طبعاً، كان ذلك منذُ زمن بعيد، وحتى الأسبوع الفائت لم أكن قد رأيت جو بيل منذ سنوات عديدة. كُنا نلتقي بين الحين والآخر، وأحياناً كنت أتوقف عند حانته حين أكون ماراً بالجوار، لكن فعلياً لم نكن قط صديقين حميمين إلا بقدر ما كنّا سوياً صديقين لهولّي جولايتلي. جو بيل ليس بالرجل لين العريكة، وهو بنفسه يُقر بذلك، ويُعيد سببه إلى كونه أعزبَ وصاحب معدة نَكِدة. وكل من يعرفونه يتفقون على كونه رجلاً من العسير مبادلته الحديث. مُحال! إذا كنت لا تشاركه الاهتمامات نفسها، والتي تُعد هولّي إحداها، مثل هوكي الجليد، وكلاب الوايمري، والمسلسل الإذاعي Our Gal Sunday (تابعه لخمسة عشرة عاماً)، وجيلبرت وسوليفان[1]، وهو يدّعي قرابة بأحدهما، لا أذكر أيهما بالتحديد.

وهكذا، حين رنّ جرس الهاتف مساء الثلاثاء الماضي، وسمعت: «معك جو بيل» علمت أن الأمر بلا شك يتعلق بهولّي؛ لم يقلْ ذلك، فقط: “هل تستطيع المجيء سريعاً إلى هنا؟ الأمر هام” فيما الإثارة تَبُحّ صوته الأجش.

ركبت سيارة أجرة مغموراً بمطر تشرين الأول/أكتوبر الغزير، وفي طريقي فكرت أنّها ربما تكون هناك، وأنني سأرى هولّي مرة أخرى.

لكن لم يكن ثمة أحد في المبنى والجوار، سواه. تُعدّ حانة جو بيل مكاناً هادئاً مقارنةً بأغلب حانات جادّة ليكسنغتون، وهي تُفاخر بذلك، لا بأضواء النيون ولا التلفاز. ثمّة مرآتان قديمتان تعكسان الطقس في الشوارع. وخلف البار، في كوّة مُحاطة بصور فوتوغرافيَّة لبعض نجوم هوكي الجليد، ثمّة مزهريّة ضخمة تحمل دائماً ورودًا نضرة، ينمّقها جو بيل نفسه بعناية ووقار.. وكان هذا حاله حين دخلت.

«طبعاً ..»، قال، فيما يُثبّت زهرة زنبق عَميقاً داخل المزهريّة. «.. ما كنت لأستدعيك إلى هنا لو لم أكنّ أنشد رأيك؛ فما حدث أمر غريب، غريب بحق.»

«هل بلغك شيء عن هولّي؟»

تحسس ورقة نبات، كأنّه غير واثق كيف يجيب. كان رجلاً ضئيلاً برأس دقيقة الحجم وشعر أبيض خشن، يحوزُ وجهاً مائلًا ناتئ العِظام يليق برجل أكثر طولاً، وتبدو بَشَرته دوماً وكأنّ الشمس قد لفحتها، وهي الآن قد ازدادت احمرارًا. «لا يسعني القول تحديداً بأنّه قد بلغني شيء عنها. أعني، لا أدري. هذا هو سبب رغبتي في معرفة رأيك. دعني أحضِّر شراباً، مزيجًا جديدًا يسمّونه الملاك الأبيض.» شرع يخلط نصف مقدار من الفودكا مع نصف جِنْ بدون فيرموت، وفيما كنتُ أشرب كأسي وقف جو بيل يمصّ حبّة دواء مهدّئة لثوران معدته، ويقلب في رأسه ما يجب أن يخبرني به. ثمّ قال: «هل تذكر رجلًا ما يُدعى آي.واي. يونيوشي، من اليابان؟»

قلت: «من كاليفورنيا،» متذكراً السيد يونيوشي تماماً. لقد عمل مصوراً فوتوغرافياً في واحدة من المجلات المُصوّرة. أمّا حين عرفته فقد كان يعيش في مُحْتَرَفه في الطابق العلوي من بناية الطوب الأحمر.

«لا تخلط الأمور وتشوّشني. أردت التأكد من أنك تعرف من أعنيه تمامًا، فمن عساه يندفع متخبّطاً إلى هنا غير السيّد آي.واي. يونيوشي نفسه! لم أره منذ أكثر من عامين ربما، لكن أين تظنّه كان خلال هذين العامين؟»

«في أفريقيا.»

كفّ جو بيل عن قرمشة حبّة الدواء، وضاقت عيناه: «كيف عرفت؟»

«قرأته في عمود وينشل الصحفي.» وكانت الصحيفة عندي في الواقع.

فتح صندوق النقد الذي أصدر رنيناً، وأخرج مُغَلّف مانيلا: «طيب، لنرَ ما إذا كنت قد قرأت ذلك في عمود وينشلّ.»

كانت ثلاث صور فوتوغرافية في المُغلّف، أو صورة واحدة لكنها مأخوذة من زوايا مغايرة؛ هناك زنجي هزيل يلبس تنورة كاليكو منقوشة، بابتسامة خجولة وإن لم تذهب سدى، يعرض بيديه تمثالاً خشبيًّا؛ منحوتة مستطيلة لرأس فتاة، شعرها ناعم وقصير كأنّه لرجل، وعيناها الخشبيتان المصقولتان واسعتان وغائرتان في الوجه المُستدّق، وفمها واسع مسحوب مثل شفاه مهرِّج. للوهلة الأولى، بدا لي أن التمثال يُشبِه أغلب المنحوتات البدائية، لكن سرعان ما انتبهت إلى أن الفتاة المنحوتة هي نفسها هولّي جولايتلي، أو على الأقل تشبهها بالقدر الذي يمكن أن يكون عليه شيء ساكن داكن.

«الآن، ما تقول حيال ما رأيت؟» شاعراً بالرّضا من حيرتي.

«المنحوتة تشبهها.»

«اسمع يا بني،» وصفع طاولة البار بكفّيه: «إنّها هي، أنا على يقين من ذلك كيقيني من أنّي رجل قادر على ارتداء بنطلونات قصيرة. لقد ميزّها اليابانيّ القصير فور أن رآها.»

«هل رآها؟ في أفريقيا؟»

«رأى التمثال فقط هناك. لكن سيّان، فذلك يعني الشيء نفسه. اقرأ الوقائع بنفسك.» وقلب إحدى الصور. لقد كُتب على ظهرها: «نحت خشبيّ، قبيلة س، توكوكول، إيست أنجيليا، يوم عيد الميلاد، 1956

وتابع: «هذا ما قاله الياباني.» والقصّة كالتالي: مرّ السيد يونيوشي يوم عيد الميلاد مصطحبًا الكاميرا خلال توكوكول، وهي قرية في الأدغال في مكان ناء لا تثير الانتباه، ليست سوى حشد من عشش طينيّة. ترى في أفنيتهم الخلفية قرودًا، وفوق الأسقف صقّورًا. كان قد عزم على المُضي قُدماً حين رأى بغتة زنجياً يُقرفص عند عتبة باب ينحت قروداً على عُكّاز. انبهر السيد يونيوشي وطلب رؤية مزيد من مشغولاته، وحينها رأى منحوتة رأس الفتاة: فشعر، كما قال لجو بيلّ، كأنّه سقط في حُلم. لكنّه، حين عرض شراء القطعة، كوَّب الزنجي كفيه على عورته (ممّا يعني ظاهريًّا بادرة عطاء، مقارنة بنقرة على القلب) ورفض. لم يُفلح في إثنائه رطل ملح وعشرة دولارات، أو ساعة معصم ورطلَي ملح وعشرون دولاراً. وفي كل الأحوال كان السيد يونيوشي مصمماً على معرفة الكيفية التي تُصنع بها المنحوتة. كلّفه الأمر ملحه وساعته، وقد تواصلا سوياً بالرطانة الإنكليزية والإفريقية ولغة الإشارة. لكن بدا أنّه في ربيع تلك السنة قد شوهد فريق من ثلاثة بيض يتجولون على جيادهم: امرأة شابّة ورجلين. كان الرجلان، وعيونهما مُحتقنة من الانفعال، قد أُرغموا على البقاء مُحتجزين يرتعدون في كوخ منعزل، فيما وقعت المرأة لتوّها في غرام نحّات الخشب، وشاركته حصيره.

قال جو بيل مُتشكّكاً: «يراودني شك كبير في هذه الجزئيّة.» «أعلم أن لها أساليبَ خاصّة، لكنني لا أظن أنّها تصل إلى تلك الدرجة!»

«ثمّ؟»

«ثمّ لا شيء.» هازّاً كتفيه، وتابع: «سرعان ما عادت أدراجها خالية الوفاض، ممتطية صهوة جوادها.»

«بمفردها أم برفقة الرجلين؟»

رفّت عينا جو بيلّ: «أظن برفقة الرجلين. والآن الياباني، الذي جاب البلاد بحثاً عنها. لكن أحداً سواهما لم يرها على الإطلاق.» ثم وكأنّه أحسّ أن شعوري بخيبة الأمل ينتقل إليه، وفيما لم يكن بحاجة ولو لنزر يسير منه، قال: «شيء واحد ينبغي عليك الاعتراف به، إنّه الخبر الواضح الوحيد من بين ما لا يُحصى من الأخبار خلال..» ثم شرع بالعدّ على أصابعه التي لم تكن كافية «…سنوات كثيرة، جُلّ ما أتمناه أن تكون ثريّة. لابد أنّها كذلك. لابد أن تكون ثرياً كي تتسكّع هكذا في أفريقيا.»

«من الجائز ألا تكون قد خطت بقدميها في أفريقيا أبداً.» قلت ذلك عن إيمان، رغم قدرتي على تخيلها هناك، في مكانٍ ما قد تذهب إليه. والرأس المنحوتة: تفحّصت الصور مُجدداً.

«أنت تعلم الكثير. أين هي؟»

«ميتة. أو داخل مأوى للمخبولين. أو متزوجة. أظنها تزوجت وهي الآن مرتاحة البال وربما تكون في هذه المدينة تحديداً.»

أطرق برهة، ثم قال هازاً رأسه: «كلا، وسأخبرك بالسبب. لو كانت هنا كنت سأراها. خذ عندك مثلاً رجلاً يحب المشي، رجلًا مثلي، رجلًا تنزّه في الشوارع عشر سنين أو اثنتي عشرة، وخلال كل تلك السنوات يسلط عينيه على الوجوه بحثاً عن شخص ما، كذلك لم يرها أحد قط، أليس في ذلك سبب وجيه لنفي وجودها هنا؟ أرى عينات منها طيلة الوقت: أرداف صغيرة مسطّحة، وأيّ فتاة نحيلة تمشي مسرعة باستقامة.» وتأنّى كأنّه يدري مدى تركيزي الشديد أثناء تحديقي به. «هل تظن أنني مشوش؟»

«كل ما في الأمر هو أنني لم أكن أعلم أنّك تحبها. ليس لهذه الدرجة.»

ندمت على كلامي الّذي أربكه. جمع الصّور وأعادها للمُغلّف، فنظرت إلى ساعتي، لم تكن لي وجهة مُعينة، لكنني أحسست أنّه من الأفضل أن أرحل.

قال، قابضاً على معصمي: «مهلاً. بالتأكيد أحببتها. لكن ليس حبّاً لمعاشرتها.»

وأضاف دون أن يبتسم: «ليس لأنني لا أفكر في هذا الجانب من الأمور. حتى في سني، وأنا على وشك بلوغ السابعة والستين في العاشر من يناير القادم. يا لها من حقيقة غريبة– لكن كلما كبرت، ازداد هذا الجانب بروزاً أكثر وأكثر. لا أذكر أنّني قد فكرت في الحب كثيراً حتى حين كنت صبياً، ومع ذلك أفكر فيه كل لحظة. ربما كلّما شاخ المرء قلّت قدرته على تحويل الأفكار إلى أفعال، من الجائز أن يكون ذلك سبباً في إغلاق العقل على أفكاره التي تصير عبئاً. متى قرأت في الصُحف عن رجل عجوز يُلْحِق عاراً بنفسه، أعلم أن السبب في ذلك هو هذا العبء. لكن..» وصبّ لنفسه قدحاً من الويسكي وتجرعه مُركّزاً: «لن أهين نفسي، وأقسم أن هولي لم تخطر ببالي على هذا النحو. بمقدورك أن تحب شخصاً ما دون وجود هذا الخاطر. تبقيه غريباً، غريبًا وصديقًا.»

دلف رجلان إلى الحانة، وبدا أن الوقت قد آن لرحيلي، وتبعني جو بيل إلى الباب، وأمسك معصمي مرة أخرى: «هل تصدق ذلك؟»

«هل تقصد أنّك لم ترغب بها؟»

 «بل أقصد أفريقيا.»

عند تلك اللحظة لم يتراء لي أنّني أذكر القصة، بل صورتها فحسب وهي تنطلق فوق صهوة جواد.

«على كلٍّ، لقد رحلت.» عقّب، فيما يفتح الباب: «بلى. رحلت وحسب.»

كان المطر قد توقف في الخارج، مجرّد ضباب عالق في الهواء، لذا درت حول الناصية ومشيت بمحاذاة الشّارع حيث تنهض بناية الطوب الأحمر. كانت الأشجار تحفّ الشارع بشكل يجعل منها أثناء الصيف نقوشاً شيّقة فوق الرصيف، لكن الأوراق الآن مُصفرّة وأغلبها متساقط، وقد جعلها المطر زَلِقة، تدوسها الأقدام. تتوسط بناية الطوب الأحمر التجمّعَ السكني، بجانب كنيسة حيث ترتفع ساعة فوق برج أزرق تدقّ كل ساعة. كانت قد رُمّمت منذ يوم مجيئي، فاُستبدلت الواجهة ذات الزجاج المُضبّب القديم بأخرى سوداء عَصريّة، ومصاريع أنيقة تؤطر النوافذ. لا أذكر أحداً ما يزال يعيش هناك سوى مدام سافيا سبانيلا: مغنية أوبرا ذات صوت أجش، تذهب بعد كل ظهيرة للتزلّج بالعجلات في السنترال بارك. أعلم أنّها ما تزال هناك، لأنّني ارتقيت الدرج وتفحصت صناديق البريد، فقد كان واحداً منها هو ما جعلني أنتبه إلى هولّي جولايتلي لأوّل مرة.

*   *   *

لم يكن قد مرّ على عيشي في المنزل سوى أسبوع، حين لاحظت أن صندوق بريد الشقة رقم 2 يحمل كوّة خاصّة بالاسم، دُسّتْ فيها بطاقة غريبة؛ بطاقة مطبوعة، بالأحرى بخطوط مُتصلة أنيقة: الآنسة هولّيداي جولايتلي، وأسفله في الركن، مسافرة. أثارتني الكلمات مثل أهزوجة: الآنسة هوليداي جولايتلي، مسافرة.

ذات ليلة، بعد منتصف الليل بكثير، استيقظت على صوت السيد يونيوشي وقد وصل إلى أسفل الدّرَج، وبما أنّه يسكن في الطابق العلوي، فقد ملأ صوته المنزل بأكمله، حانقاً وعابساً. «آنسة جولايتلي! لابد أن أعلن احتجاجي.»

فأجابه صوتٌ مُتدفّق من قاع الدّرَج، غرّ وغنج: «أوه يا عزيزي، أنا آسفة بحق. لقد فقدت المفتاح اللعين.»

«لا يمكنك مواصلة قرع جرسي، ينبغي رجاء، رجاء أن تحتفظي بمفتاح بديل.»

«لكنني فقدتهم جميعاً.»

صرخ السيد يونيوشي: «أنا أعمل، ويجب أن أنام. لكنك دائماً ما تقرعين جرسي…»

«أوه، لا تغضب، يا صغيري العزيز: لن أفعل ذلك مرة أخرى، وإذا وعدتني ألّا تغضب…» كان صوتها يقترب؛ فيما تصعد الدّرَج: «قد أسمح لك بالتقاط تلك الصور التي سبق وتكلمنا عنها.»

كنت الآن قد غادرت فراشي وواربت الباب قليلاً، يُمكنني سماع صمت السيد يونيوشي، فقد كان مصحوباً بتبدّل مسموع في النّفس.

قال: «متى؟»

ضحكت الفتاة، وأجابت فيما تأكل الحروف: «يوماً ما.»

«أنا مستعد في أيّ وقت.» وأغلق بابه.

 خرجت إلى الرّدهة متكئاً على الدّرابزين بما يكفي كي أراقب دون أن يلحظني أحد. كانت ما تزال على الدّرَج وقد بلغت الآن منبسطه، وقد أضاء ضوء الرّدهة مزيجَ ألوان شعرها الصبياني؛ خطوط سمراء في جدائل شقراء وصفراء. كانت ليلة دافئة، صيفية تقريباً، وكانت تلبس فستاناً أسود ضيقًا أنيقًا، ونعلًا سوداء، وياقة عالية لؤلؤية. إن لها، بالنظر إلى رشاقتها الفاتنة، صحّة من يتناول حبوب القمح والشوفان فطورًا، ونظافة المستحمّ بصابون الليمون، ففي جنتيها حُمرة مضطرمة قاتمة. كان فمها واسعاً وأنفها أشمّاً، فيما تُخفي عينيها تحت نظّارة داكنة. كان وجهاً تجاوز لتوه الطفولة، برغم أنّه يخصّ امرأة ناضجة. خمنت أن يكون عمرها بين السادسة عشرة والثلاثين. وكما تبيّن لاحقاً، كان يعوزها شهرين لتُتمّ عيد ميلادها التاسع عشر.

لم تكن بمفردها؛ فثمّة رجل يتبعها. بدت الطريقة التي تتشبّث بها يدُه الممتلئة بردفها غير لائقة إلى حدٍّ ما، أعني ليس من وجهة أخلاقيّة، بل جماليّة. كان قصيراً وعريض المنكبين، لوّحته الشمس، ويرتدي حُلة مخططة بأكتاف مُبطنة، وتُزيّن زهرة قرنفل حمراء طيّة صدر المعطف. حين بلغا بابها، بعثرت محتويات حقيبتها الصغيرة بحثاً عن مفتاح دون أن تولي اهتماما بحقيقة أن شفتيه اللحيمتين كانتا تتمرغان على مؤخرة عنقها. في النهاية، ومع أنّها وجدت المفتاح وفتحت بابها، فقد استدارت إليه بمودّة: «باركك الله يا عزيزي، لقد كانّ لُطفاً منك أن توصلني إلى المنزل.»

«مهلاً يا صغيرتي!» كان الباب يوصد في وجهه.

«نعم، هاري؟»

«لقد كان هاري الرجل الآخر. أنا سِد، سِد أربوك. أنت تميلين إليّ.»

«أنا أعْبُدك يا سيد أربوك. لكن تُصبح على خير يا سيد أربوك.»

راح يحدّق غير مُصدّق فيما ينغلق الباب بحزم. «مهلاً يا عزيزتي، دعيني أدخل. إنّكِ تميلين إليّ يا طفلتي، أنا رجل محبوب. ألم أسدّد الفاتورة لخمسة أشخاص، أصدقائك، الّذين لم أرهم من قبل قط؟ ألا يعطيني ذلك الحق بأن تميلي إليّ يا طفلتي.»

نقر على الباب بلطف، ثمّ أكثر صخباً، في النهاية رجع عدة خطوات للوراء، وقد تحدّب جسده وتكوّر، كأنّه ينتوي مهاجمة الباب، وتحطيمه. لكنه بدلاً من ذلك، غطس أسفل الدّرَج، يلطم الجدار بقبضته، وبمجرّد أن وصل إلى الدور الأرضي انفتح باب شقة الفتاة التي أطلّت برأسها.

«أوه، يا سيد أربوك…»

عاد الرجل أدراجه، ترتسم على وجهه ابتسامة ارتياح وتملّق: كانت تسخر منه فحسب.

«في المرة القادمة، عندما تريد امرأة مالًا، ولو بعض القروش للذهاب إلى حمام السيّدات…» ثم صاحت دون سخرية «… فخُذ بنصيحتي يا عزيزي: لا تعطها ولو عشرين سنتاً!»

*   *   *

حافظت على وعدها للسيد يونيوشي، أو افترضت أنّها فعلت ولم تقرع جرسه مرة أخرى، ففي الأيام التالية بدأت بقرع جرسي أنا، أحياناً في الثانية صباحاً، أو الثالثة، أو الرابعة: لم تشغل بالها بالساعة التي تنتزعني فيها من الفراش كي أدفع المزلاج الّذي يفتح الباب الخارجيّ لبناية الطّوب الأحمر. ولأنه لم يكن لي سوى عدد قليل من الأصدقاء، ليس بينهم من قد يأتي لزيارتي في وقت متأخر، كنت أعرف دوماً أنّها هي. لكن في المرّات الأولى، كنت أهرع إلى بابي، متوقعاً أنباءً سيئة، برقيّة مثلاً، فإذا بها الآنسة جولايتلي تهتف: «آسفة يا عزيزي، لقد نسيت مفتاحي.»

طبعاً، لم نلتق قبلاً قط. مع ذلك، في الحقيقة، كنّا غالباً ما نلتقي وجها لوجه، على الدرج أو في الشارع، لكن لم يبد عليها أنّها رأتني حقاً. دائماً تضع نظارتها الداكنة، مهندمة. ثمّة ذوق حقيقي متناسق في بساطة ملبسها؛ فغلبة اللون الأزرق والرماديّ وغياب البريق يُكسبها هي، هي وحدها، تألقاً. ربما يظن المرء أنّها “موديل” لمُصوّر فوتوغرافي، أو يجوز أنها ممثّلة شابّة، عدا أنّه كان واضحاً، بالنظر إلى مواقيتها، أنهّا لا تملك وقتاً لتكون أياً منهما.

أحياناً، أقابلها مصادفة خارج جيرتنا. مرّة قادني أحد أقربائي، وقد جاء لزيارتي، إلى مطعم “21”، وهناك، على منضدة بارزة، يحوطها أربعة رجال، ليس بينهم السيد أربوك، ومع ذلك يمكن استبدال أيّ واحد منهم به، كانت الآنسة جولايتلي تمشّط شعرها بكسل، جهاراً، يرتسم على ملامحها سيماء السّأم المصطنع، مُشيعةً -بالمثل- حالة من الفتور وسط جو الإثارة الّذي استشعرتُه من الضجّة التي ترتفع في المكان الأنيق. وفي ليلة أخرى في عزّ الصيف، أرسلتني حرارة الغرفة للانطلاق في الشوارع. قطعت من الجادة الثالثة نحو شارع 51، حيث يقع متجر للتحف الأثرية يعرض في واجهته شيئًا أثار إعجابي: قفص طائر على هيئة قصر، بمآذن ومآو من الخيزران تتلهّف كي تملأها ببغاوات ثرثارة، لكن ثمنه كان ثلاثمائة وخمسين دولاراً. في طريق عودتي للمنزل لفت انتباهي سائق عربة أجرة يستحثّ حشداً أمام ملهى بي.جي.كلارك الليلي، مشدوهاً على ما يبدو أمام مجموعة مبتهجة من ضباط الجيش الأسترالي الثملين الذين يصدحون بأغنية والتزنج ماتيلدا! وبينما يتغنّون، يلفّون فتاةً لتؤدّي رقصة الدوّامة فوق بلاطات الشارع أسفل خطوط السكك الحديدية العلوية، والفتاة، الآنسة جولايتلي بلا شك، قد طفت بين أذرعهم خفيفة كأنّها وشاح.

 لكن إذا كانت الآنسة جولايتلي قد ظلّت غير واعية لوجودي، عدا كجرس باب، فقد صرت على العكس، خلال الصيف، مُلمّاً بكل ما يخصّها. اكتشفت من ملاحظة سلّة المهملات خارج بابها، أنّها تقرأ بانتظام صُحف التابلويد ومطويّات السّفر وجداول التنجيم، وأنّها تدخن سجائر غير شائعة اسمها بيكايونيس، وأنّها تعيش على الجبن الأبيض وشرائح الخبز المحمّص، وأنّ شعرها متعدِّد الألوان هو أمر من ابتكارها. المصدر نفسه كشف بصورة واضحة أنّها تلقّت رزمًا من خطابات الحب من الجنود، وهي الخطابات التي دائماً ما كانت تُمزّق إلى شرائح مثل قصاصات الكُتب. اعتدت على التقاط قصاصة منها بين الحين والآخر أثناء مروري. كانت كلمات مثل ا”ذكريني” و”أفتقدك” و”مطر” و”اكتبي لي رجاءًا” و”تبًّا” و”اللعنة” تتكرر دائمًا في تلك القصاصات، فضلاً عن “الوحشة” و”الحبّ.”

إن لديها أيضاً قطًّا، وتعزف على القيثارة. وهكذا، في الأيام التي تشتد فيها حرارة الشمس، تغسل شعرها وتجلس برفقة قطّها البرتقالي المخطط على سلم الطوارئ، تقلّب أوتار القيثارة ريثما يجفّ شعرها. كنتُ متى تناهى إلى سمعي صوت الموسيقى، أخف إلى النافذة لأقف في هدوء. كانت تعزف بمهارة وأحياناً كانت تغني أيضاً. تغني بنبرات حزينة مبحوحة كصوت غلام عند البلوغ. كانت مُلمّة بكل أغاني المسرحيات الاستعراضية الشائعة: كول بورتر وكورت فيل، وكانت تحبّ على الأخص أغاني فيلم أوكلاهوما، والذي كان يعرض حديثاً هذا الصيف في كل مكان. لكن تمرّ لحظات أثناء غنائها تجعل المرء يتساءل أين تعلّمت تلك الأغاني؟ ومن أين هي حقاً؟ ألحان شاردة شحيحة تصاحبها كلمات تفوح منها رائحة غابات الصنوبر والبراري. أحدها: “لا أريد النوم، ولا أريد الموت، يكفيني السفر عبر مراعي السماء،” وقد بدا أن تلك الأغنية كانت تروق لها أكثر من سواها؛ لأنها كثيراً ما كانت تبقى تردّدها حتى بعد أن يجف شعرها، وبعد أن تغيب الشمس وتُضاء النوافذ عند الغسق.

لكن تعارفنا لم يحرز تقدماً لغاية سبتمبر، في ليلة تتدفّق فيها لسعات برد الخريف الأولى. كنت عائداً من مشاهدة فيلم، وقد دلفت إلى الفراش برفقة كأسي الأخير من البربون وآخر روايات سيمنون: كنت أخطّط لقضاء أمسية مُريحة، فلم أتمكن من تفسير شعورٍ بالقلق راح يتضاعف لدرجة تمكّنت معها من سماع دقات قلبي. كان شعوراً قرأت عنه، أو كتبت عنه، لكن لم أجربه قط. الإحساس بأنّك مُراقب من شخص ما في الغرفة. ثمّ: طرقة مباغتة على النافذة، ولمحة من طيف رماديّ جعلاني أُريق كأس البربون. احتجت بعض الوقت كي أسترد أنفاسي وأفتح الشبّاك؛ كي أسأل الآنسة جولايتلي عمّا أرادته!

قالت، واثبةً من سلّم الطوارئ إلى داخل الحجرة: «لديّ في الأسفل أكثر الرجال إثارة للذُعر.. أعني أنّه لطيف حين يكون صاحيًا، لكن دعه يتجرّع النبيذ، ويا الله من هذا الحيوان! لو أن ثمة شيئاً أمقته أكثر من غيره فهم الرجال الّذين يعضّون.» أرخَت رداءً صوفياً ناعماً رماديّ اللون، كاشفةً كتفها لتُريني دليلاً لما يحدث حين يعضّ الرجل، كان الرداء هو كل ما تلبسه. «آسفة إنْ كنت قد أخفتك، لكن حالما أصاب الوحشَ الضّجرُ الشديد، سارعت فورًا إلى الهرب من الشباك. أظنّه يفكر أنّني في الحمام، لست أبالي بأفكاره اللعينة، فليذهب إلى الجحيم، سيصيبه التعب وينام، يا إلهي.. لابد أن ينام، لقد شرب ثمانية كؤوس مارتيني قبل العشاء وما يكفي لغسيل فيلٍ من النبيذ! اسمع، يمكنك إلقائي من النافذة إذا أردت؛ فقد أقحمت نفسي بوقاحة عليك بتلك الطريقة، لكن سلّم الطوارئ اللعين هذا كان يُجمّد الدّم في العروق، ولقد بدوتَ حميمًا، مثل شقيقي فريد. اعتدنا النوم أربعة على سرير واحد، وكان فريد الوحيد الّذي يسمح لي باحتضانه في الليالي الباردة. بالمناسبة، هل تمانع لو دعوتك فريد؟» كانت في قلب الغرفة الآن، وقد توقفت هناك، تحدّق بي. لم يسبق لي قبلاً أن رأيتها بدون نظارتها الداكنة، وقد صار من الواضح الآن أنها عدسات طبيّة، بدونها تعاني عيناها من انحراف ما، مثل عينَي الصّائغ. كانت عيناها واسعتين، زرقاوين قليلاً، وخضراوين قليلاً، منقطتين بقليلٍ من اللون البنيّ: مُتعددة الألوان كشعرها، وقد ومضتا ببريق دافئ نابض بالحياة.

«أفترض أنّك تظنني وقحة، أو مجنونة جدًّا. أو ما شابه.»

«كلا..على الإطلاق.»

تراءى لي أنّه خاب أملها. «بل تظن ذلك. الجميع يظنون ذلك، لكنني لا أبالي؛ فهو أمر مفيد.»

جلسَت على أحد الكراسي المفككة المُنجّدة بالمخمل الأحمر، ثانيةً ساقيها أسفلها، ثم ألقت نظرة على الحجرة، وضاقت عيناها بوضوح.

«كيف يتأتّى لك تحمّل هذه الحجرة؟ إنّها أشبه بغرفة تعذيب.»

قلت مُنزعجاً؛ فقد كنت مُبتهجاً بالمكان: «أوه، سرعان ما تعتادين كل شيء.»

«مُحال. لن أعتاد على أي شيء أبداً، ومن يفعل ربما يكون في عداد الأموات.» عاينَت عيناها المنتقدتان الحجرة مرة أخرى. «ماذا تفعل هنا طيلة اليوم؟»

أومأت إلى طاولة تغطيها الكتب والأوراق. «أكتب أشياء.»

«كنت أظن أن الكُتّاب هَرِمون. بالطبع سارويان ليس عجوزاً؛ فقد قابلته في إحدى الحفلات، ولم يكن حقاً عجوزاً على الإطلاق. في الحقيقة..»

ثمّ تابعت مستغرقةً في التفكير. «فقط لو أنّه يحلق لحيته تمامًا… بالمناسبة، هل همنغواي عجوز؟»

«في الأربعينيات من عمره، حسبما أظن.»

«ليس بالأمر السيئ. لا يجذبني الرجل حتى يبلغ الثانية والأربعين. أذكر هذه الفتاة المعتوهة التي ظلّت تكرر على مسامعي أنّه ينبغي لي الذهاب إلى طبيب نفسيّ، مُدّعيةً أنني أعاني من عقدة الأب، وهو أمر بالغ السوء. لقد مرّنت نفسي ببساطة على الإعجاب بالرجال الأكبر سناً، وهو أكثر ما فعلته براعة. كم يبلغ عمر وليام سومرست موم؟»

«لست مُتأكداً. ربما جاوز الستين بقليل.»

«هذا ليس بالأمر السيئ. لم أذهب إلى الفراش مع كاتب قط. لا، مهلاً: هل تعرف بينّي شاكليتّ؟» قطّبت جبينها حين هززت رأسي نفياً. «إنه لأمر ظريف. كان قد كتب عدداً وفيراً من المواد الإذاعية. لكن ياله من جرذ! قلْ لي، هل أنت كاتب حقاً؟»

«هذا يعتمد على مفهومك للكاتب الحقّ.»

«حسناً يا عزيزي، هل يشتري أحد ما تكتبه؟»

«إلى الآن، لا.»

«سأساعدك. أنا قادرة على ذلك. فكّر في كل من أعرفهم وفي من يعرفون بدورهم. سأساعدك لأنك تشبه أخي فريد، رغم أنك أصغر منه. لم أره منذ تركت البيت في الرابعة عشرة من عمري، حينها كان طوله ستة أقدام وبوصتين. أشقائي الآخرون كانوا في طولك تقريباً، أقزام. إنّها زبدة الفول السوداني ما جعلت فريد بهذا الطول! كان الجميع يظنونه مجنوناً؛ نظراً للطريقة التي كان يلتهم بها الزّبدة، لم يكن يبالي بأي شيء في هذا العالم إلا الجياد وزبدة الفول السوداني. لم يكن مجنوناً، فقط كان لطيفاً وغامضاً وبطيئاً إلى درجة رهيبة، لقد كان عالقاً في الصف الثامن لثلاث سنوات حين هربت. يا لفريد المسكين! تُرى أيسخو الجيش بزبدة الفول السوداني عليه؟ لقد ذكّرني هذا بأنني أتضوّر جوعاً!»

أشرت إلى جفنةٍ مليئة بالتفاح، وسألتها في الوقت ذاته كيفَ ولماذا غادرت البيت وهي صغيرة جداً؟ حدجتني بنظرة خاوية، وحكّت أنفها وكأنها تداعبه: إيماءة رأيتها تتكرّر كثيراً، وقد صرت أعتبرها إشارةً إلى أنّ شخصاً ما ينتهك خصوصيّتها، مثل كثيرين ممّن لديهم ولع وقح بتبادل الأسرار الحميمة مع الآخرين، وهكذا فإنّ أيًّا كان ما يلوح كسؤال مباشر أو طلبٍ لتفاصيل أكثر، يضعها على أهبة الحذر. قضمت شيئاً من التفاحة وقالت: «احكِ لي شيئاً كتبته، لتكن قصة مثلاً.»

«هذه أحد مشاكلي؛ فما أكتبه ليس من نوع القصص التي تُحكى.»

«هل هي فاحشة جدًّا؟»

«ربما أسمح لك بقراءة إحداها يوماً ما.»

«الويسكي والتفاح ينسجمان معاً، هيئ لي مشروباً يا عزيزي، بعدها بإمكانك أن تقرأ لي واحدة من قصصك.»

———————–

[1] مؤلفان موسيقيان. (المترجم)