If Beale Street Could Talk لو كان لشارع بيل أن يتكلّم

جيمس بالدوين

لو كان لشارع بيل أن يتكلّم

ترجمة رفيدا فوزي الخباز

تحرير أحمد العلي

يصدُر عن مجموعة كلمات في معرض الشارقة الدولي للكتاب 2017

if beale street.jpg


تقديم

قامت توني موريسون، أوّل روائية سوداء تنال جائزة نوبل للآداب (1993)، بتحرير بعض أعمال جيمس بالدوين بعد وفاته لصالح مكتبة الأدب الأمريكي، وكتبت فيما يخص الرواية بين أيدينا: «… إن براعتك الثالثة يا جيمي، والتي يصعب استكناه جذورها، وحتى قبولها، هي رقّتك؛ رقّة لشدّة رهافتها ظننتها لن تستمر [في كتاباتك]، ولكنها انداحت أكثر، وضمّتني. ففي ذروة غضبي، لمستني برقّة كما فعل جنينُ تيش في رحمها: رقّة يستعصي القبض عليها، مثل همسة في الزّحام.»

نجح جيمس بالدوين في كتابة قصّة رومانسيّة شبيهة بموسيقى البلوز، حيث خيوط الحُزن والفرح تنسُج قماشًا واحدًا بديعًا ترتديه الشخصيّات لتنضح بالحياة حتى يكاد ضحكها يُسمع، وعرقها يترك نقطًا على الورق. لكنك لا تشعر بالحزن على القلبين الغضّين حين تقسو الحياة عليهما، بل يأخذك الانبهار من الجنين الذي، وهو في رحم أمه، يسيطر على والدته ووالده وأجداده وعمّاته وخالاته؛ كيف لنُطفة لا تزال تتخلّق أن تضخ كمًّا هائلًا من مشاعر الشجاعة والتضحية والأمل، وحتى الكره والقسوة واليأس، وأن تشقّ طرقًا جديدة للحياة في حيوات أناس لم يروها تكتمل بعد؟

الحكاية تُروى بصوت تيش؛ فتاة سوداء في التاسعة عشرة من عمرها تعيش في حيّ هارلم من مدينة نيويورك. أحبّت رجلًا أسود يُدعى فوني في عُمر يقارب عمرها، واتّفقا على الزواج وباركت العائلتان قرارهما. ولكنه أُلبس قضيّة اغتصاب وأودع السّجن، بينما تكتشف تيش أنها حامل، قبل أن يكملا مراسم الزواج. وقتها، ولفقر عائلة فوني، تضطرّ عائلة تيش إلى تمويل رحلة بحث إلى بورتوريكو للعثور على الفتاة المُغتصبة الهاربة، والتأكّد منها: هل فعلًا قام فوني بتلك الفعلة الشنيعة؟ أم أن الشرطيّ بيل، المسؤول عن أمن الشارع الذي يسكن فيه فوني، هو من ألبسه التّهمة؟ إنها رحلة تكشف ألوانًا من الظلم الاجتماعي والعنصرية وتشريع الجور، مقابل قوّة ضاربة من النضال المرفوع بأيدي الحُب والبراءة.


 

يُعرض على شاشات السينما عام 2018

“ديناميت من العواطف! مواجهةٌ لاذعة وساخرة لتلك الأمور التي كانت وما تزال تجفّف رغبتنا في مواجهة المجتمع بأخطائه”

Library Journal

“صادم ويبقى في الذّاكرة طويلًا… كتابٌ جميل خاصّة في استعادته للشّغف المحموم للفتوّة والصّبا…”

Cosmopolitan

“رواية محرّكة للمشاعر؛ شَفيفة وإنسانيّة وواضحة بحيث تصعقنا فكرة أنّ الصراعات الإنسانيّة واقعٌ أبديّ محتوم”

The New York Times Book Review


مجتزأ من الفصل الأول

أﻧظر إﻟﻰ ﻧﻔﺳﻲ ﻓﻲ اﻟﻣرآة. أﻋرف أﻧﻧﻲ ﻋُﻣﱢدت ﺑﺎﺳم: ﻛﻠﻳﻣﻧﺗﺎﻳن، ولذلك سيكون من الطبيعي أن يخاطبني الناس باسمي مختصرًا: ﻛﻠﻳم، أو ﺣﺗﻰ به كاملًا، فهو اسمي في النهاية. ﻟﻛﻧﻬم ﻟم ﻳﻌﺗﺎدوا ﻋﻠﻰ ﻣﺧﺎطﺑﺗﻲ بذينك الاسمين أصلًا، ﺑﻝ ظﻠّوا ﻳﻧﺎدوﻧني ﺗﻳش. وﻫذا، ﺣﺳب ظﻧﻲ، ﻟﻪ دﻻﻟﺔ ما. إﻧﻧﻲ ﻣﺗﻌﺑﺔ، ورحت أؤمن شيئًا فشيئًا بأن هناك دلالة ما لكل ﻣﺎ ﻳﺣدث ﻣن ﺣوﻟﻧﺎ؛ إذ ﻛﻳف ﻟﻪ أن ﻳﺣدث دون أن ﻳﻛون ﻟﻪ ﻣﻌﻧﻰ؟ ﻟﻛن ﻫذﻩ اﻟﻔﻛرة رﻫﻳﺑﺔ ﺣﻘﺎً، وﻻ ﻳﻣﻛن أن ﺗﻧﺟم إﻻ ﻋن ﻗﻠق، ﻗﻠق لا ﻣﻌﻧﻰ له.

ذﻫﺑت اﻟﻳوم ﻟرؤﻳﺔ ﻓوﻧﻲ. وﻫذا ﻟﻳس اﺳﻣﻪ هو أﻳﺿﺎً، ﻓﻘد ﻋُﻣﱢد ﺑﺎﺳم: أﻟوﻧزو، ﻣﻣﺎ ﻳﺟﻌﻝ ﻣن اﻟﻣﺄﻟوف أن ﻳﻧﺎدﻳﻪ اﻟﻧﺎس باسمه المختصر أيضًا: ﻟوﻧﻲ. وﻟﻛن ﻻ، ﻓﻘد اعتدنا ﻋﻠﻰ ﻣﻧﺎداﺗﻪ ﻓوﻧﻲ. أﻟوﻧزو ﻫﺎﻧت ﻫذا ﻫو اﺳﻣﻪ. ﻋرﻓﺗﻪ طﻳﻠﺔ ﺣﻳﺎﺗﻲ، وأﺗﻣﻧﻰ أن ﺗدوم ﻫذﻩ اﻟﻣﻌرﻓﺔ إﻟﻰ اﻷﺑد. ﻟم أﻛن أﻧﺎدﻳﻪ ﺑﺎﺳﻣﻪ، أﻟوﻧزو، إﻻ ﺣﻳن أﻛون ﻣﺿطرة ﻷن أﻧﻘﻝ إﻟﻳﻪ ﻧﺑﺄً ﺳﻳﺋﺎً.

واﻟﻳوم ﻗﻠت ﻟﻪ: «أﻟوﻧزو!»

نظر إﻟﻲّ ﺗﻠك اﻟﻧظرة اﻟﺧﺎطﻔﺔ اﻟﺗﻲ ﻛﺎن ﻳرﻣﻳﻧﻲ ﺑﻬﺎ ﻛﻠﻣﺎ ﻧﺎدﻳﺗﻪ ﺑﺎﺳﻣﻪ.

إﻧﻪ ﻓﻲ اﻟﺳﺟن. وﻫﻧﺎك يجري ﻫذا اﻟﻠﻘﺎء ﺑﻳﻧﻧﺎ. ﻛﺎن ﺟﺎﻟﺳﺎً ﻋﻠﻰ ﻛﻧﺑﺔ وأﻣﺎﻣﻪ طﺎوﻟﺔ، وﻛﻧت ﺟﺎﻟﺳﺔ ﻋﻠﻰ ﻛﻧﺑﺔ أﻳﺿﺎً وأﻣﺎﻣﻲ طﺎوﻟﺔ، ﻳﻔﺻﻝ ﺑﻳﻧﻧﺎ ﺟدار زﺟﺎﺟﻲّ. وﻗد درﺟت اﻟﻌﺎدة أن ﻳﻛون أﻣﺎﻣك هاتف وأﻣﺎم اﻟﺷﺧص اﻟذي ﺗﻛﻠﻣﻳﻧﻪ ﺧﻠف اﻟزﺟﺎج هاتف آﺧر، فتتحدثان عبرهما. ﻻ أدري ﻟمَ درج اﻟﻧﺎس ﻋﻠﻰ ﺧﻔض ﺑﺻرﻫم إﻟﻰ اﻷﺳﻔﻝ ﻋﻧدﻣﺎ ﻳﺗﺣدﺛون ﻋبر اﻟﻬﺎﺗف! ﻟﻛﻧﻬم ﻳﻔﻌﻠون ذﻟك دومًا. أﻣﺎ ﻫﻧﺎ، ﻓﻌﻠﻳك أن ﺗﺗذﻛري أنك ﻣﺿطرة للنظر إﻟﻰ اﻟﺷﺧص اﻟذي ﺗﺗﺣدﺛﻳن إﻟﻳﻪ.

ﻣن ﺟﻬﺗﻲ، ﺑتﱡ أﻧﺗﺑﻪ ﻟﻬذا اﻷﻣر؛ ﻷنه ﻓﻲ اﻟﺳﺟن، ولمحبتي لعينيه، وﻓﻲ ﻛﻝ ﻣرة أراﻩ ﻳﺳﺎورﻧﻲ اﻟﺧوف ﺑﺄن ﻻ أراﻩ ﺛﺎﻧﻳﺔ. وﻫﻛذا، رﻓﻌت السماعة ﻣﺎ إن ﺟﻠﺳت ﻋﻠﻰ ﻣﻘﻌدي. رﻓﻌﺗﻬﺎ ﻓﻘط، وأﺧذت أﺗﺄﻣﻠﻪ.

ولهذا، ﺣﻳن ﻗﻠت أﻟوﻧزو، ﻧظرَ إلى اﻷﺳﻔﻝ ﺛم رﻓﻊ ﻧظرﻩ مبتسمًا، وﺣﻣﻝ السماعة ثم ﻟﺑث ﺻﺎﻣﺗﺎً.

ﻻ أﺗﻣﻧﻰ ﻷﺣد ﻓﻲ اﻟﻌﺎﻟم أن ﻳﻧظر إﻟﻰ ﻣن ﻳﺣبّ ﻋﺑر زﺟﺎج.

ﻟم أﻛن أﻋﻧﻲ ﺷﻳﺋﺎً ﺣﻳن ﻟﻔظت اﺳﻣﻪ. ﻓﻘد ﻟﻔظﺗﻪ ﺑﻌﻔوﻳﺔ ﺧﺎﻟﺻﺔ، ﺑﺣﻳث ﻻ أزﻋﺟﻪ، وﺑﺣﻳث ﻳﻔﻬم أن قلبي لا تحوم حوله حتى أوهى الظِلال ﻣن الشك فيه أو اتهامه.

هل ترين؟ أﻧﺎ أﻋرﻓﻪ ﺗﻣﺎﻣﺎً. ﻓﻬو ﻳﺣﻣﻝ ﻗدْراً ﻋﺎﻟﻳﺎً ﻣن ﻋزّة اﻟﻧﻔس، ﻛﻣﺎ أﻧﻪ ﻳﺣﻣﻝ اﻟﻛﺛﻳر ﻣن اﻟﻬواﺟس أﻳﺿﺎً. وﻋﻧدﻣﺎ أﻓﻛر في ذﻟك، ﺗﻧﺟﻠﻲ أﻣﺎم ﻋﻳﻧﻲ اﻟﺣﻘﻳﻘﺔ الصارخة؛ ﻫذا ﻫو اﻟﺳﺑب اﻷﻫم وراء وﺟودﻩ ﻓﻲ اﻟﺳﺟن. أﻣﺎ ﻫو ﻓﻼ ﻳﻌﺗﻘد بذﻟك. وﻷﻧﻪ ذو طﺑﻳﻌﺔ ﻗﻠﻘﺔ ﻣﺗوﺟﺳﺔ، ﻓﻟم أﻛن أرﻳد أن أﺛﻳر ﻗﻠﻘﻪ ﻋﻠﻲّ. ﻛﻧت ﻓﻲ اﻟﺣﻘﻳﻘﺔ ﻣﺗرددة ﻓﻲ ﻗوﻝ ﻣﺎ ﻛﺎن ﺧﻠﻳﻘﺎً بي ﻗوﻟﻪ. ﻟﻛﻧﻧﻲ اﻋﺗﻘدت ﺑﺄنه لا بد أن يعرف. ﻳﻧﺑﻐﻲ أن ﻳﻌرف.

ﻓﻛّرت أﻳﺿﺎً، ﺑﺄﻧﻪ ﺣﻳن ﻳﺗﺧﻠص من ﻫواﺟﺳﻪ، وﻫو راﻗد ﻓﻲ ﻓراﺷﻪ ﺧﻼﻝ اﻟﻠﻳﻝ، وﺣﻳداً ﻣﻊ ﻧﻔﺳﻪ، ﻏﺎﺋﺻﺎً ﻓﻲ أﻋﻣﺎق ﺳرﻳرﺗﻪ، ﻣﻔﻛراً ﺑﺎﻷﻣر، ﻓﺈن ذﻟك ﺳﻳﻣﻧﺣﻪ ﺳﻌﺎدة، وﻟﻌﻠﻪ ﻳؤﻧﺳﻪ ﻓﻲ وﺣﺷﺗﻪ.

ﻗﻠت ﻟﻪ: «أﻟوﻧزو، سنُرزق بطﻔﻝ.»

ﻧظرت إﻟﻳﻪ. واﺑﺗﺳﻣت. ﺑدا وﺟﻬﻪ ﻛﺄﻧﻪ ﻳﻐوص ﻓﻲ اﻟﻣﺎء. ﻟم ﻳﻛن ﻓﻲ مقدوري أن أﻋﺎﻧﻘﻪ. ﻛﺎﻧت ﻟدي رﻏﺑﺔ ﺟﺎرﻓﺔ للمسه. اﺑﺗﺳﻣت ﺛﺎﻧﻳﺔ وﺗﻌرﻗت ﻳداي ﻓوق ﺳﻣﺎﻋﺔ اﻟﻬﺎﺗف. ﺗﻠَت ذﻟك ﻟﺣظﺔ ﻟم ﻳﻌد ﺑﻣﻘدوري ﺧﻼﻟﻬﺎ أن أراﻩ. نفضتُ رأﺳﻲ، ﻛﺎن اﻟﻌرق ﻳﺗﺻﺑب ﻓوق وﺟﻬﻲ، وﻗﻠت: «أﻧﺎ ﺳﻌﻳدة ﺑذﻟك ﻳﺎ أﻟوﻧزو. ﺳﻌﻳدة ﺑﻪ. اﻟﻣﻬم أن ﻻ ﺗﻘﻠق أﻧت. ﻓﺄﻧﺎ ﺳﻌﻳدة ﺟدًا.»

ﻏﻳر أﻧﻪ ﻛﺎن ﻗد ﻧﺄى ﺑﺗﻔﻛﻳرﻩ ﻋﻧﻲ، ﻧﺄى تمامًا. اﻧﺗظرﺗﻪ حتى ﻳﻌود. وﻟﻣﺣت اﻟﺳؤاﻝ ﻳﻠﺗﻣﻊ ﻓﻲ ﻋﻳﻧﻳﻪ: «طﻔﻠﻲ؟» ﻛﻧت أﻋرف أﻧﻪ ﺳﻳﻔﻛر ﺑﻬذﻩ اﻟطرﻳﻘﺔ. ﻻ أﻋﻧﻲ أﻧﻪ ﻛﺎن ﻳرﺗﺎب ﺑﻲ. ﻟﻛن ﻣن ﻋﺎدة اﻟرﺟﺎﻝ أن ﻳﻔﻛروا ﺑﻬذﻩ اﻟطرﻳﻘﺔ. وﺧﻼﻝ اﻟﻠﺣظﺎت اﻟﺗﻲ ﻳﻌﻳﺷﻬﺎ ﻫﻧﺎ، وﺣﻳداً، ﺑﻌﻳداً ﻋﻧﻲ، ﺳﻳﻛون اﻟطﻔﻝ ﻫو اﻟﺣﻘﻳﻘﺔ اﻟوﺣﻳدة ﻓﻲ اﻟﻌﺎﻟم ﺑﺎﻟﻧﺳﺑﺔ إﻟﻳﻪ، ﺳﻳﻛون ﺣﻘﻳﻘﻳﺎً أﻛﺛر ﻣن اﻟﺳﺟن، وأﻛﺛر ﻣﻧﻲ.

كان عليّ منذ البدء القول إننا ﻟﺳﻧﺎ ﻣﺗزوﺟﻳن بعد. وذﻟك ﻳﺷﻐﻠﻪ أﻛﺛر ﻣنّي. ﻛﻧت أﻓﻬم ﻛﻳف ﻳﺷﻌر. ﻛﻧﺎ ﻧﺗﻬﻳﺄ ﻟﻠزواج، ﺣﻳن اﻋﺗُﻘﻝ.

ﻛﺎن ﻓوﻧﻲ ﻓﻲ اﻟﺛﺎﻧﻳﺔ واﻟﻌﺷرﻳن. وﻛﻧت أﻧﺎ ﻓﻲ اﻟﺗﺎﺳﻌﺔ ﻋﺷرة.

ﺛم طرح ذﻟك اﻟﺳؤاﻝ اﻷﺑﻠﻪ: «ﻫﻝ أﻧت ﻣﺗﺄﻛدة؟»

«ﻻ، ﻟﺳت ﻣﺗﺄﻛدة. أﺣﺎوﻝ ﻓﻘط العبث ﺑﺄﻓﻛﺎرك!» فاﺑﺗﺳم اﺑﺗﺳﺎﻣﺔ ﻋرﻳﺿﺔ. أﺷرق وﺟﻬﻪ ﺑﺗﻠك اﻻﺑﺗﺳﺎﻣﺔ، ﻷﻧﻪ ﺣﻳﻧﺋذ ﺗﺄﻛد ﻣن اﻷﻣر.

«ﻣﺎذا ﺳﻧﻔﻌﻝ؟» ﺳﺄﻟﻧﻲ ﺑﺣَﻳرة طﻔﻝ!

«ﺣﺳﻧﺎً، ﺑﻣﺎ أﻧﻧﺎ ﻟن ﻧﺗﺧﻠص ﻣﻧﻪ، ﻓأظن أﻧﻧﺎ ﺳﻧرﺑﻳﻪ!»

عاد ﻓوﻧﻲ ﺑرأﺳﻪ إﻟﻰ اﻟوراء، وﺿﺣك. ﺿﺣك ﺣﺗﻰ ﺳﺎﻟت دﻣوﻋﻪ. وﻋرﻓت ﺣﻳﻧﺋذ أن اﻟﺷطر اﻷﻫم اﻟذي ﻛﺎن ﻳﻘﻠﻘﻧﻲ ﻗد ﻣرّ ﺑﺳﻼم.

ﺳﺄﻟﻧﻲ: «ﻫﻝ أﺧﺑرت ﻓراﻧك؟» وﻓراﻧك ﻫو واﻟدﻩ.

ﻗﻠت: «ﻟﻳس ﺑﻌد.»

«ﻫﻝ أﺧﺑرت أﻫﻠك؟»

«ﻟم أﺧﺑرﻫم ﺣﺗﻰ اﻵن. وﻟﻛن ﻻ ﺗﻘﻠق ﺑﺷﺄﻧﻬم. أردت أن أﺧﺑرك أﻧت أوﻻً.»

فقال: «ﺣﺳﻧﺎً، إﻧﻪ ﻷﻣر ﺟﻳد. طﻔﻝ!» وﻧظر إﻟﻲ. ﺛم ﺧﻔض ﺑﺻرﻩ.

«ﻣﺎذا ﺳﺗﻔﻌﻠﻳن إذن؟»

«ﺳﺄﺳﺗﻣر ﻓﻳﻣﺎ أﻧﺎ ﻋﻠﻳﻪ. ﺳﺄﻣﺿﻲ ﻓﻲ اﻟﻣواظﺑﺔ ﻋﻠﻰ ﻋﻣﻠﻲ ﺣﺗﻰ الولادة. ﺛم أﺿﻊ ﻧﻔﺳﻲ ﺗﺣت رﻋﺎﻳﺔ أﻣﻲ وأختي ﺳﻳس. ﻻ ﺗﻘﻠق أﻧت. وﻋﻠﻰ أي ﺣﺎﻝ، فإنك ﺳﺗﻛون بيننا ﻗﺑﻝ ذﻟك اﻟﺣﻳن.»

قال بابتسامة خفيفة: «أواﺛﻘﺔ أﻧت ﻣن ذﻟك؟»

«كلّ الثقة! وﻟطﺎﻟﻣﺎ ﻛﻧت واﺛﻘﺔ.»

ﻋرﻓت ﻣﺎ اﻟذي ﻛﺎن ﻳدور ﻓﻲ ﺧﻠدﻩ، ﻟﻛن ﻟم ﻳﻛن ﺑﻣﻘدوري أن أظﻬر ﺷﻌوري اﻟﺣﻘﻳﻘﻲ، ﻟﻳس اﻵن، إذ ﻋﻠﻲّ أن أﺑدو واﺛﻘﺔ ﻓﻳﻣﺎ أﻧﺎ أراﻗﺑﻪ.

ظﻬر اﻟرﺟﻝ ﺧﻠف ﻓوﻧﻲ. ﻟﻘد اﻧﺗﻬﻰ وﻗت اﻟزﻳﺎرة. اﺑﺗﺳم ﻓوﻧﻲ، ورﻓﻊ ﻳدﻩ، ﻛﺎﻟﻌﺎدة، ورﻓﻌت أﻧﺎ ﻳدي، ﺛم وﻗف. ﻛﻧت ﻣﺎ أﻧﻔك أﺷﻌر ﺑﺷﻲء ﻣن اﻟﻣﻔﺎﺟﺄة وأﻧﺎ أراﻩ ﻫﻧﺎ داﺧﻝ اﻟﺳﺟن. ﻛﺎن طوﻟﻪ ﻳﻔﺎﺟﺋﻧﻲ داﺋﻣﺎً. ﻟﻘد ﻓﻘد ﺑﻌض وزﻧﻪ ﺑﺎﻟطﺑﻊ، وﻟﻌﻝّ ذﻟك ﻣﺎ ﺟﻌﻠﻪ ﻳﺑدو أطوﻝ أﻣﺎم ﻋﻳﻧﻲّ.

اﺳﺗدار وﺧرج ﻋﺑر اﻟﺑﺎب، اﻟذي أﻗﻔﻝ وراءﻩ.

ﺷﻌرت ﺑﺎﻟدوار، ﻟم أﻛن ﻗد ﺗﻧﺎوﻟت طﻌﺎﻣﺎً طﻳﻠﺔ اﻟﻳوم، وأﺻﺑﺢ اﻟوﻗت ﻣﺗﺄﺧراً اﻵن.

ﻣﺷﻳت ﺧﺎرج ﺟدران اﻟﺳﺟن، ورﺣت أﺳﻳر ﻓﻲ ﺗﻠك اﻟﻣﻣرات اﻟﻌرﻳﺿﺔ اﻟﺗﻲ أﺛﺎرت ﺗﻘززي. ﻛﺎﻧت أﻋرض ﻣن اﻟﺻﺣراء اﻟﻛﺑرى. ﻟﻳﺳت اﻟﺻﺣراء ﻣﻘﻔرة أﺑداً، وﻫذﻩ اﻟﻣﻣرات ﻟﻳﺳت ﻣﻘﻔرة أﻳﺿﺎً. فإذا ﻣﺎ ﻋﺑرت اﻟﺻﺣراء اﻟﻛﺑرى، وﺳﻘطت ﺑﻌد أن أﻋﻳﺎك اﻟﻣﺳﻳر، وأﺣﺎطت ﺑك ﺣﻠﻘﺔ ﻣن اﻟﻧﺳور ﺑﻌد ﻓﺗرة وﺟﻳزة، ﺷﺎﻋرة ﺑﻣوﺗك ﺑﻌد أن ﺷﻣت راﺋﺣﺗﻪ، ﺗﻧﺧﻔض ﻧﺣوك ﺷﻳﺋﺎً ﻓﺷﻳﺋﺎً، وﺗﻧﺗظر؛ ﻓﻬﻲ ﺗﻌرف، ﻳﻌرﻓون ﺑﺎﻟﺿﺑط ﻣﺗﻰ ﻳﺻﺑﺢ اﻟﻠﺣم ﺟﺎﻫزاً، وﻣﺗﻰ ﺗﻌﺟز اﻟروح ﻓﻲ ﺻراﻋﻬﺎ اﻷﺧﻳر. وﺑﺎﻟطرﻳﻘﺔ ﻧﻔﺳﻬﺎ ﻳﻌﺑر اﻟﻔﻘراء ﺻﺣراء اﻟﺣﻳﺎة اﻟﻛﺑرى ﺑﺎﺳﺗﻣرار. ﻟﻳﺗﺣﻠق ﺣوﻟﻬم اﻟﻣﺣﺎﻣون واﻟﻛﻔﻼء وآﺧرون ما أكثرهم، ﻳﺗﺣﻠﻘون ﺣوﻟﻬم ﻛﻣﺎ ﺗﻔﻌﻝ اﻟﻧﺳور ﺗﻣﺎﻣﺎً. واﻟﺣقّ أن ﻫؤﻻء ﻟﻳﺳوا أﻏﻧﻰ ﻣن اﻟﻔﻘراء؛ ﻟﻬذا ﻓﻘد ﺗﺣوّﻟوا إﻟﻰ ﻧﺳور، إﻟﻰ ﺣﻳواﻧﺎت ﺗﻘﺗﺎت على القمامة، إﻟﻰ رﺟﺎﻝ ﺗﺎﻓﻬﻳن ﺑذﻳﺋﻳن. وﻻ أﺳﺗﺛﻧﻲ اﻟزﻧوج ﻣن وﺻﻔﻲ ﻫذا، ﻓﻬم ﻓﻲ ﻛﺛﻳر ﻣن اﻷﺣﻳﺎن، ﻳﻔوﻗون أولئك اﻟﺗﺎﻓﻬﻳن ﺳوءاً ﻓﻲ ﻋدة ﻧواﺣﻲ. رﺑﻣﺎ ﻛﻧت ﺳﺄﺷﻌر ﺑﺎﻟﺧزي ﻗﻠﻳﻼً من قولي هذا، ﻟوﻻ أﻧﻧﻲ أﻣﻌﻧت اﻟﺗﻔﻛﻳر، واﻧﺗﻬﻳت إﻟﻰ أن ﺷﻌوراً ﻛﻬذا ﻟن ﻳﺳﺎورﻧﻲ أبدًا. وﻻ أدري إذا ﻛﻧت ﺳﺄﻣﺗﻧﻊ ﻋن ﻓﻌﻝ أي ﺷﻲء ﻣن أﺟﻝ تحرير ﻓوﻧﻲ ﻣن الحبس. ﻟم ﻳﺳﺑق ﻟﻲ أن ﺻﺎدﻓت ﻫﻧﺎ أﺣداً ﻳﺷﻌر ﺑﺎﻟﺧزي، وأﻗﺻد ﺧزﻳﺎً اﺳﺗﺛﻧﺎﺋﻳﺎً ﻛﺎﻟذي ﻛﻧت أﻗﺎوﻣﻪ، ﺳوى أوﻟﺋك اﻟﺳﻳدات اﻟﺳوداوات اﻟﻧﺷﻳطﺎت، اﻟﻠواﺗﻲ ﺗﻌوﱠدن ﻋﻠﻰ ﻣﻧﺎداﺗﻲ باﻻﺑﻧﺔ، واﻟﺑورﺗورﻳﻛﻳّﺎت اﻟﻣﺗﻛﺑرات؛ اﻟﻠواﺗﻲ ﻟم ﻳﻔﻬﻣن ﻣﺎ اﻟذي ﻛﺎن ﻳﺣدث، ﻷن ﻛﻝ ﻣن ﺗﺣدّث إﻟﻳﻬن ﻟم ﻳﻛن ﻳﻌرف اﻹﺳﺑﺎﻧﻳﺔ. وﺷﻌور ﻫؤﻻء ﺑﺎﻟﺧزي ﻳﻧﺑﻊ ﻣن أﻧﻬن أﺣﺑﺑن ﺳﺟﻧﺎء. وﻟﻛﻧﻬن ﻣﺧطﺋﺎت ﻓﻲ ذﻟك. أﺣرى ﺑﺎﻟﻣﺳؤوﻟﻳن ﻋن ﻫذﻩ اﻟﺳﺟون أن ﻳﺗﻣرﻏوا هم ﺑﺎﻟﺧزي واﻟﻌﺎر.

ﻣﻬﻣﺎ ﻳﻛن ﻣن أﻣر، ﻓﺄﻧﺎ ﻟم أﻛن أﺷﻌر ﺑﺎﻟﻌﺎر ﻻرﺗﺑﺎطﻲ ﺑﻔوﻧﻲ، ﺑﻝ ﻛﻧت ﻓﺧورة ﺑذﻟك؛ ﻓﻬو رﺟﻝ ﺣﻘﻳﻘﻲ. وﻳﻣﻛن اﻟﻘوﻝ ﺑﺄﻧﻪ وﻗﻊ ﻓﻲ ﻫذﻩ اﻟﻣﺻﻳﺑﺔ ﻷﻧﻪ رﺟﻝ. أﻋﺗرف ﺑﺄﻧﻲ، ﻓﻲ ﺑﻌض اﻷﺣﻳﺎن، أﺷﻌر ﺑﺎﻟﺧوف ﻷن اﻟﺿﻳم اﻟذي طﺎﻟﻣﺎ أﻟﺣﻘوﻩ ﺑﻧﺎ، ﻛﺎن أﻓظﻊ ﻣن أن ﻳﺗﺣﻣﻠﻪ ﺑﺷر. وﻳﺗﻌﻳن ﻋﻠﻳك إذن ﺗرﺗﻳب أﻓﻛﺎرك ﻣﺎ وﺳﻌك ذﻟك، ﺑﺣﻳث ﺗﻌﻳﺷﻳن ﺣﻳﺎﺗك ﻳوﻣﺎً ﺑﻌد ﻳوم. ﻓﺄﻧت ﻟو ﺣﺎوﻟت اﻟﺗﻔﻛﻳر ﺑﺎﻟﻣﺳﺗﻘﺑﻝ اﻟﺑﻌﻳد، ﻓﻠن ﻳﻛون ﺛﻣﺔ طﺎﺋﻝ ﻣن ذﻟك.

ﻛﻧت أﺳﻳر أﺣﻳﺎﻧﺎً ﺗﺣت اﻟﻧﻔق ﺣﻳن أﻋود إﻟﻰ اﻟﺑﻳت، وأﺣﻳﺎﻧﺎً أﺳﺗﻘﻝ اﻟﺑﺎص. وﻗد رﻛﺑت اﻟﺑﺎص ﻫذا اﻟﻳوم ﻷﻧﻪ ﻳﺄﺧذ وﻗﺗﺎً أطوﻝ ﺑﻘﻠﻳﻝ، إذ ﻛﺎن ﻋﻘﻠﻲ ﻳﻐص ﺑﺎﻷﻓﻛﺎر.

 وﻗوﻋكِ ﻓﻲ ﻣﺄزق ﻣﺎ، ﻳﻣﻛن أن ﻳﻛون ﻟﻪ ﺗﺄﺛﻳر ﻫزﻟﻲ ﻋﻠﻰ اﻟﻌﻘﻝ. ﻻ أدري إن ﻛﺎن ﺑﺎﺳﺗطﺎﻋﺗﻲ ﺷرح ذﻟك. ﺗﻣر ﻋﻠﻳك ﺑﻌض اﻷﻳﺎم ﺗﺑدﻳن ﻓﻳﻬﺎ ﻛﻣﺎ ﻟو أﻧك ﺗﺳﻣﻌﻳن اﻟﻧﺎس، وﺗﻛﻠﻣﻳﻧﻬم وﺗﻘوﻣﻳن ﺑﻌﻣﻠك، أو ﻋﻠﻰ اﻷﻗﻝ، ترين أن عملك قد أنجزه أناس غيرك، ﻟﻛﻧك ﻓﻲ اﻟﺣﻘﻳﻘﺔ ﻟم ﺗﻛوﻧﻲ ﺗرﻳن أو ﺗﺳﻣﻌﻳن أﺣداً. وإذا ﻣﺎ ﺳﺄﻟك أﺣدﻫم ﻣﺎذا ﻓﻌﻠت ﻓﻲ ﻫذا اﻟﻳوم، ﻓﺈﻧك ﺳﺗﻔﻛرﻳن ﺑرﻫﺔ ﻗﺑﻝ أن ﺗﺗﻣﻛﻧﻲ ﻣن اﻹﺟﺎﺑﺔ. ﻟﻛﻧك ﻓﻲ اﻟوﻗت ﻧﻔﺳﻪ، ﺑﻝ وﻓﻲ اﻟﻳوم ﻧﻔﺳﻪ -وﻫذا ﻣﺎ ﻳﺻﻌب ﺷرﺣﻪ – يظهر لك الناس وكأنك لم تريهم من قبل. إﻧﻬم ﻳﻠﺗﻣﻌون أﻣﺎﻣك ﻓﺟﺄة ﻛﻣﺎ ﺗﻠﺗﻣﻊ ﺷﻔرة اﻟﺣﻼﻗﺔ. وﻟﻌﻝ ﺳﺑب ﻫذا ﻫو أﻧك ﺻرت ﺗﻧظرﻳن إﻟﻳﻬم ﺑطرﻳﻘﺔ ﻣﺧﺗﻠﻔﺔ. ﻟﻌﻠك ﺗﺳﺗﻔﺳرﻳن ﻋﻧﻬم أﻛﺛر، وﻟﻛن ﺑطرﻳﻘﺔ ﻣﺧﺗﻠﻔﺔ، ﻣﻣﺎ ﻳﺟﻌﻠﻬم ﻏرﻳﺑﻳن ﺟداً ﻋﻧك. ورﺑﻣﺎ ﺷﻌرت ﺑﺎﻟﺧوف واﻟﻼﻣﺑﺎﻻة، ﻷﻧك ﻓﻘدت اﻟﺛﻘﺔ ﺑﺈﻣﻛﺎﻧﻳﺔ اﻋﺗﻣﺎدك ﻋﻠﻳﻬم ﺛﺎﻧﻳﺔ ﻓﻲ أي ﺷﻲء.

ﺣﺗﻰ ﻟو أرادوا اﻟﻣﺳﺎﻋدة، ﻓﻣﺎ اﻟذي ﻳﻣﻛﻧﻬم ﺗﻘدﻳﻣﻪ؟ ﻓﺄﻧﺎ ﻻ أﺳﺗطﻳﻊ أن أﻗوﻝ ﻷي ﺷﺧص ﻓﻲ ﻫذا اﻟﺑﺎص: «اﺳﻣﻊ، إن ﻓوﻧﻲ ﻓﻲ ﻣﺷﻛﻠﺔ، إﻧﻪ ﻓﻲ اﻟﺳﺟن!» ﻫﻝ ﺗﺗﺧﻳﻠﻳن ﻣﺎ اﻟذي ﻳﻣﻛن ﻷي ﻣن رﻛﺎب ﻫذا اﻟﺑﺎص أن ﻳﺟﻳﺑﻧﻲ ﺑﻪ إذا ﻣﺎ ﻋرف، ﻣﻧﻲ أﻧﺎ ﺷﺧﺻﻳﺎً، ﺑﺄﻧﻧﻲ أﺣب ﺳﺟﻳﻧﺎً؟ رﻏم أﻧﻧﻲ ﻋﻠﻰ ﻳﻘﻳن ﻣن أﻧﻪ ﻟم ﻳرﺗﻛب أي ﺟرم، وأﻧﻪ إﻧﺳﺎن رﻗﻳق، أرﺟوﻛم ﺳﺎﻋدوﻧﻲ وأﺧرﺟوﻩ ﻣن اﻟﺳﺟن. ﻫﻝ ﺑﺈﻣﻛﺎﻧك أن ﺗﺗﺧﻳﻠﻲ اﻟﺟواب اﻟذي ﻳﻣﻛن ﻷي ﻣن ﻫؤﻻء اﻟرﻛﺎب أن ﻳﻘدﻣﻪ؟ ﻛﻣﺎ أﻧﻪ ﻟﻳس ﺑﻣﻘدوري أﻳﺿﺎً أن أﻗوﻝ ﺑﺄﻧﻧﻲ أﻧﺗظر طﻔﻼً وأﻧﺎ ﺧﺎﺋﻔﺔ، وﻻ أرﻳد ﻟواﻟد طﻔﻠﻲ أن ﻳﺻﺎب ﺑﻣﻛروﻩ، ﻓﻼ ﺗدَﻋوﻩ ﻳﻣوت ﻓﻲ اﻟﺳﺟن، أرﺟوﻛم، آﻩ، أرﺟوﻛم! ﻟﻳس ﺑوﺳﻌك اﻟﺗﻠﻔظ ﺑذﻟك. وﻫذا ﻳﻌﻧﻲ أﻧك ﻻ ﺗﺳﺗطﻳﻌﻳن ﻓﻲ اﻟﺣﻘﻳﻘﺔ ﻗوﻝ أي ﺷﻲء. ﻓوﻗوﻋك ﻓﻲ اﻟﻣﺻﻳﺑﺔ ﻳﻌﻧﻲ أﻧك ﺳﺗواﺟﻬﻳﻧﻬﺎ وﺣﻳدة، ﺗﺟﻠﺳﻳن ﻟﺗﻧظري ﻣن ﺧﻠف زﺟﺎج اﻟﻧﺎﻓذة وﺗﺗﺳﺎءﻟﻳن إن ﻛﻧت ﺳﺗﻣﺿﻳن ﺑﻘﻳﺔ ﺣﻳﺎﺗك ﻋﻠﻰ ﻣﺗن ﻫذا اﻟﺑﺎص راﺋﺣﺔ ﻏﺎدﻳﺔ. وإذا ﻣﺎ ﺳﺎرت اﻷﻣور ﻋﻠﻰ ﻫذا اﻟﻧﺣو، ﻓﻣﺎ اﻟذي ﺳﻳﺣدث ﻟطﻔﻠك؟ ﻣﺎ اﻟذي ﺳﻳﺣدث ﻟﻔوﻧﻲ؟

وإذا ﻣﺎ ﻛﻧت ﻗد أﺣﺑﺑت ﻫذﻩ اﻟﻣدﻳﻧﺔ ﻳوﻣﺎً، ﻓﺈﻧك ﻟن ﺗﺳﺗﻣري ﻓﻲ ﻣﺣﺑﺗﻬﺎ. وأﻧﺎ أﻗﺳم ﺑﺄﻧﻧﻲ إذا ﻣﺎ ﺧرﺟتُ ﻣن ﻫذا اﻟﻣﺄزق ﻳوﻣﺎً، إذا ﻣﺎ ﺧرﺟﻧﺎ ﻣن ﻫذا اﻟﻣﺄزق، ﻓﻠن أطﺄ ﺗراب ﻧﻳوﻳورك ﺛﺎﻧﻳﺔ.

رﺑﻣﺎ ﻛﻧت ﻗد ﺗﻌودت ﻋﻠﻰ ﻣﺣﺑﺔ ﻧﻳوﻳورك، ﻣﻧذ زﻣن طوﻳﻝ، ﻋﻧدﻣﺎ ﻛﺎن واﻟدي ﻳﺻطﺣﺑﻧﻲ أﻧﺎ وﺳﻳس إﻟﻰ ﻫﻧﺎ ﻓﻧراﻗب اﻟﻧﺎس واﻷﺑﻧﻳﺔ ﺣﻳث ﻛﺎن ﻳﻌرّﻓﻧﺎ ﻋﻠﻰ ﺑﻌض اﻟﻣﻧﺎطق، ورﺑﻣﺎ ﻛﻧﺎ ﻗد ﺗوﻗﻔﻧﺎ ﻓﻲ ﺣدﻳﻘﺔ ﺑﺎﺗري ﻟﻧﺄﻛﻝ اﻵﻳس ﻛرﻳم وسندوتش النقانق. ﻛﺎﻧت ﺗﻠك أﻳﺎﻣﺎً راﺋﻌﺔ ﻋﺷﻧﺎ ﻓﻳﻬﺎ ﺳﻌﺎدة داﺋﻣﺔ ﻟﻛن واﻟدي ﻫو اﻟذي ﻛﺎن ﻣﺻدر ﺳﻌﺎدﺗﻧﺎ، وﻟﻳﺳت اﻟﻣدﻳﻧﺔ. ذﻟك ﻷﻧﻧﺎ ﻛﻧﺎ ﻋﻠﻰ ﻳﻘﻳن ﻣن ﻣﺣﺑﺗﻪ ﻟﻧﺎ.. أﻣﺎ اﻵن، ﻓﺑﺈﻣﻛﺎﻧﻲ اﻟﻘوﻝ، إن اﻟﻣدﻳﻧﺔ ﻟم ﺗﺣﺑﻧﺎ ﻗط، ﻷﻧﻧﻲ أﺻﺑﺣت أﻋرﻓﻬﺎ ﺗﻣﺎﻣﺎً، أﻣﺎ ﻫﻲ ﻓﻠم ﺗﻌرﻓﻧﻲ ﻗط. إﻧﻬم ﻳﻧظرون إلة الواحد منّا كما لو أنّه حمار وحشيّ، و.. ﻛﻣﺎ ﺗﻌﻠﻣﻳن، ﻓﺈن البعض يشبهون الحمير الوحشيّة ﻓﻌﻼً، أﻣﺎ اﻟﺑﻌض اﻵﺧر ﻓﻠﻳﺳوا ﻛذﻟك. ﻟﻛن أﺣداً ﻻ ﻳﺳﺄﻝ الحمير اﻟوﺣشيّة ﻋن [رأيها في] هذا الأمر!

ﺻﺣﻳﺢ أﻧﻧﻲ ﻟم أر اﻟﻛﺛﻳر ﻣن اﻟﻣدن اﻷﺧرى، ﻓﻳﻼدﻳﻠﻔﻳﺎ وأﻟﺑﺎﻧﻲ ﻓﻘط، ﻟﻛﻧﻧﻲ أﻗﺳم أن ﻣدﻳﻧﺔ ﻧﻳوﻳورك ﻫﻲ اﻟﻣدﻳﻧﺔ اﻷﻗﺑﺢ واﻷﻗذر ﻓﻲ اﻟﻌﺎﻟم. ﻻﺑد أﻧﻬﺎ ﺗﺣﺗوي ﻋﻠﻰ اﻷﺑﻧﻳﺔ اﻷﻛﺛر ﺑﺷﺎﻋﺔ وﻋﻠﻰ اﻟﻧﺎس اﻷﻛﺛر ﺑذاءة. ﻓﺄﻧت ﺗﺟدﻳن ﻓﻳﻬﺎ اﻟذروة ﻓﻲ ﻛﻝ اﻟﻘﺑﺎﺣﺎت. وإذا ﻣﺎ وﺟد ﻣﻛﺎن أﺳوأ، ﻓﻬو ﺑﻼ ﺷك أﺷﺑﻪ ﺑﺎﻟﺟﺣﻳم، ﺣﻳث ﺗﺷﻣﻳن راﺋﺣﺔ ﻗﻠﻲ اﻟﺑﺷر، وﺣﻳن ﻧﺗﻣﻌن ﺑﺎﻷﻣر ﻗﻠﻳﻼً، ﻧﺟد أﻧﻬﺎ اﻟراﺋﺣﺔ ﻧﻔﺳﻬﺎ اﻟﺗﻲ ﺗﻧﺑﻌث ﻣن ﻧﻳوﻳورك أﻳﺎم اﻟﺻﻳف.

ﻗﺎﺑﻠت ﻓوﻧﻲ ﻓﻲ ﺷوارع ﻫذﻩ اﻟﻣدﻳﻧﺔ. ﻛﻧت ﺻﻐﻳرة، وﻛﺎن ﻫو ﻓﺗﻳﺎً. ﻛﻧت ﻓﻲ ﺣواﻟﻲ اﻟﺳﺎدﺳﺔ ﻣن ﻋﻣري، وﻛﺎن ﻓوﻧﻲ ﻓﻲ ﺣواﻟﻲ اﻟﺗﺎﺳﻌﺔ. ﻛﺎن ﻳﻌﻳش ﻓﻲ اﻟﺟﺎﻧب اﻵﺧر ﻣن اﻟﺷﺎرع، ﻫو وﻋﺎﺋﻠﺗﻪ؛ واﻟدﺗﻪ، وأﺧﺗﺎن أﻛﺑر ﻣﻧﻪ ووالده اﻟذي ﻛﺎن ﻳدﻳر ﻣﺣﻼً ﻟﻠﺧﻳﺎطﺔ. واﻵن، ﻋﻧدﻣﺎ أﺳﺗذﻛر ﺗﻠك اﻷﻳﺎم، أﺗﺳﺎءﻝ ﻟﻣن ﻛﺎن ﻳﺧﻳط ﻓﻲ ذﻟك اﻟﺣﺎﻧوت! ﻟم ﻳﻛن ﻟدى أﺣد ﻣن ﻣﻌﺎرﻓﻧﺎ ﻣﺎ ﻳﻛﻔﻲ ﻣن اﻟﻧﻘود ﻟﻠذﻫﺎب إﻟﻰ اﻟﺧﻳﺎط ﺣﺳن، رﺑﻣﺎ ذﻫﺑﻧﺎ إﻟﻳﻪ ﺑﻳن اﻟﺣﻳن واﻵﺧر، ﻟﻛن ﺗﻠك اﻟﻣرات ﻛﺎﻧت ﻣﺗﺑﺎﻋدة ﺟداً ﺑﺣﻳث ﻻ ﺗﻣﻛﻧﻪ، ﺣﺳب ظﻧﻲ، ﻣن اﻟﺑﻘﺎء ﺻﺎﻣداً ﻓﻲ ﺣﺎﻧوﺗﻪ. ﻣن اﻟﺻﺣﻳﺢ، ﻛﻣﺎ ﻗﻳﻝ ﻟﻲ، أن أﺣواﻝ اﻟﻧﺎس اﻟﻣﺎدﻳﺔ، وأﻋﻧﻲ ﺑﻬم اﻟﻧﺎس اﻟﻣﻠوﻧﻳن، ﻟم ﺗﻛن ﺑذﻟك اﻟﺳوء اﻟذي ﻛﺎﻧت ﻋﻠﻳﻪ ﺣﻳن ﺣﺎوﻝ واﻟداي أن يتزوّجا، ﻓﻬم ﻟم ﻳﻛوﻧوا ﻳﻌﻳﺷون ﺣﺎﻟﺔ ﻓﻘر ﻛﺎﻟﺗﻲ ﻋﺷﻧﺎﻫﺎ ﺣﻳن ﻛﻧﺎ ﻧﻘﻳم ﻓﻲ اﻟﺟﻧوب، ﻟﻛﻧﻧﺎ ﺑﺎﻟﺗﺄﻛﻳد ﻛﻧﺎ، وﻻ ﻧزاﻝ، ﻧﻌﻳش ﻓﻲ ﺣﺿﻳض اﻟﻔﻘر.

واﻟﺣﻘﻳﻘﺔ أن ﻓوﻧﻲ ﻟم ﻳﻠﻔت ﻧظري إﻻ ﺑﻌد ﺷﺟﺎر وﻗﻊ ﺑﻳﻧﻧﺎ إﺛر ﺧروﺟﻧﺎ ﻣن اﻟﻣدرﺳﺔ. وﻟم ﻳﻛن أي ﻣﻧﺎ طرﻓﺎً ﻓﻳﻪ ﻋﻠﻰ اﻹطﻼق. ﻛﺎﻧت ﻟﻲ ﺻدﻳﻘﺔ ﺗدﻋﻰ ﺟﻳﻧﻳﻔﺎ. وﻫﻲ ﻓﺗﺎة ﻟﻌوب ﻛﺛﻳرة اﻟﺻﺧب، ﺑﺷﻌر ﻣﺿﻔور ﻋﻠﻰ رأﺳﻬﺎ ﺑﺈﺣﻛﺎم، ورﻛﺑﺗﻳن رﻣﺎدﻳﺗﻳن ﻛﺑﻳرﺗﻳن، وﺳﺎﻗﻳن طوﻳﻠﺗﻳن وﻗدﻣﻳن ﻛﺑﻳرﺗﻳن. ﻛﺎﻧت داﺋﻣﺔ اﻻﻧﺷﻐﺎﻝ ﺑﺷﻲء ﻣﺎ. وﻷﻧﻧﻲ ﻛﻧت ﻋﻠﻰ اﻟﻧﻘﻳض ﻣﻧﻬﺎ ﻣﺗﻔرﻏﺔ ﺗﻣﺎﻣﺎً ﻟﻠدرس، ﻓﻣن اﻟطﺑﻳﻌﻲ أن ﺗﻐدو ﺻدﻳﻘﺗﻲ اﻟﻣﻘرﺑﺔ. ﻛﻧت ﻧﺣﻳﻠﺔ وﺟﺑﺎﻧﺔ، ﻟذﻟك ﺗﺑﻌﺗﻬﺎ وأﻗﺣﻣت ﻧﻔﺳﻲ ﻓﻲ ﻛﻝ ﻣﺷﺎﻛﻠﻬﺎ. ﻣﺎ ﻣن أﺣد آﺧر ﻛﺎن ﻳﺗﻘرب ﻣﻧﻲ، ﻛذﻟك ﻟم ﻳﺗﻘرب ﻣﻧﻬﺎ أﺣد. ﻗﺎﻟت ﻟﻲ ﻣرة إﻧﻬﺎ ﻟم ﺗﻛن ﺗطﻳق ﻓوﻧﻲ؛ ﻓﻬو ﻳﺳﺑب ﻟﻬﺎ اﻟﻐﺛﻳﺎن ﻛﻠﻣﺎ ﻧظرت إﻟﻳﻪ. وﻣﺎ ﺑرﺣت ﺗﺗﺣدث عن ﻛم ﻫو ﻗﺑﻳﺢ، ﺑﺑﺷرﺗﻪ اﻟﺗﻲ ﺗﺷﺑﻪ ﻗﺷور اﻟﺑطﺎطﺎ اﻟرطﺑﺔ اﻟﻧﻳﺋﺔ، وﻋﻳﻧﻳﻪ اﻟﻠﺗﻳن ﺗﺑدوان ﻛﻌﻳون اﻟﺻﻳﻧﻳﻳن، وﺷﻌرﻩ الكثّ وﺷﻔﺗﻳﻪ اﻟﻐﻠﻳظﺗﻳن. إﺿﺎﻓﺔ إﻟﻰ ﺗﻘوس ﺳﺎﻗﻳﻪ ﺑﺳﺑب ورم ﻣﻠﺗﻬب ﻓﻲ ﻋظﺎم اﻟﻛﺎﺣﻝ؛ أﻣﺎ اﻟطرﻳﻘﺔ اﻟﺗﻲ ﺗﺑرز ﻓﻳﻬﺎ ﻣؤﺧرﺗﻪ، ﻓﺗوﺣﻲ ﺑﺄن أﻣﻪ ﻛﺎﻧت ﻏورﻳﻼ ﺑﻼ ﺷك. ﻛﻧت أواﻓﻘﻬﺎ ﻋﻠﻰ ذﻟك ﻷﻧﻧﻲ ﻟم أﻛن أﻣﻠك إﻻ أن أﺳﺎﻳرﻫﺎ. ﻟﻛﻧﻧﻲ، ﻓﻲ اﻟواﻗﻊ، ﻣﺎ ﻛﻧت أظﻧﻪ ﺑﻛﻝ ذﻟك اﻟﺳوء. ﻛﻧت ﻣﻌﺟﺑﺔ ﺑﻌﻳﻧﻳﻪ، وإذا ﺷﺋت اﻟﺻراﺣﺔ، ﻛﺎن ﻳﺧطر ﻟﻲ ﺑﺄﻧﻲ ﻟن أﻣﺎﻧﻊ ﻓﻲ اﻟذﻫﺎب إﻟﻰ اﻟﺻﻳن إذا ﻛﺎﻧت ﻋﻳون اﻟﻧﺎس ﻫﻧﺎك ﻣﺛﻝ ﻋﻳﻧﻳﻪ. وﺑﻣﺎ أﻧﻪ ﻟم ﻳﺳﺑق ﻟﻲ أن رأﻳت ﻏورﻳﻼ، ﻓﻘد ﻛﺎﻧت ﻣؤﺧرﺗﻪ ﺑرأﻳﻲ طﺑﻳﻌﻳﺔ، وﻟم ﺗﻛن، إذا ﻣﺎ ﻓﻛرت ﺑﻬﺎ، ﺑﺿﺧﺎﻣﺔ ﻣؤﺧرة ﺟﻳﻧﻳﻔﺎ. أﻣﺎ اﻟﺳﺎﻗﺎن ﻓﻛﺎﻧﺗﺎ ﺑﺎﻟﻧﺳﺑﺔ ﻟﻲ طﺑﻳﻌﻳﺗﻳن ﺗﻣﺎﻣﺎً، إﻟﻰ أن اﻛﺗﺷﻔت ﻓﻳﻣﺎ ﺑﻌد أﻧﻬﻣﺎ ﻣﺗﻘوﺳﺗﺎن ﻗﻠﻳﻼً. ﻟﻛن ﺟﻳﻧﻳﻔﺎ، رﻏم ذﻟك، ﻛﺎﻧت ﻻ ﺗﺑرح ﺗﻌﺗرض طرﻳق ﻓوﻧﻲ ﺑﺷﻛﻝ داﺋم. إﻻ أﻧﻪ ﻟم ﻳﻛن، ﺣﺳب ظﻧﻲ، ﻳﻠﻘﻲ إﻟﻳﻬﺎ ﺑﺎﻻً. ﻷﻧﻪ ﻛﺎن طﻳﻠﺔ اﻟوﻗت ﻣﻧﺷﻐﻼً ﺑﺄﺻدﻗﺎﺋﻪ. وﻫم اﻟﺻﺑﻳﺔ اﻷﺳوأ ﻓﻲ اﻟﺣﻲ. ﻛﺎﻧوا ﻳﺄﺗون إﻟﻰ اﻟﺷﺎرع داﺋﻣﺎً ﺑﺛﻳﺎب ﻣﻣزﻗﺔ، ﻳﻧزﻓون دﻣﺎً، وأﺟﺳﺎﻣﻬم ﻣﻠﻳﺋﺔ ﺑﺎﻟﻛدﻣﺎت. وﻟم ﻳﻛن ﻗد ﻣﺿﻰ زﻣن طوﻳﻝ ﻋﻠﻰ ﻓﻘد ﻓوﻧﻲ ﻷﺣد أﺳﻧﺎﻧﻪ ﺣﻳن اﺣﺗدﻣت ﺗﻠك اﻟﻣﻌرﻛﺔ ﺑﻳﻧﻲ وﺑﻳﻧﻪ.

ﻛﺎن ﻟدى ﻓوﻧﻲ ﺻدﻳق ﻳدﻋﻰ داﻧﻳﻳﻝ، وﻫو ﻓﺗﻰ ﺿﺧم أﺳود، يشعر بالنفور ﺗﺟﺎﻩ ﺟﻳﻧﻳﻔﺎ ﻣﺷﺎﺑﻪ ﻟﻣﺎ ﻛﺎن ﻟدى ﺟﻳﻧﻳﻔﺎ ﻣن ﻧﻔور ﺗﺟﺎﻩ ﻓوﻧﻲ. ﻟم أﻋد أذﻛر ﻛﻳف ﺑدأ اﻟﺷﺟﺎر، وﻟﻛن ﻓﻲ اﻟﻧﻬﺎﻳﺔ، ﺗﻣﻛن داﻧﻳﻳﻝ ﻣن إﻟﻘﺎء ﺟﻳﻧﻳﻔﺎ ﻋﻠﻰ اﻷرض، وأﺧذ اﻻﺛﻧﺎن ﻳﺗدﺣرﺟﺎن. ﺣﺎوﻟت ﺳﺣب داﻧﻳﻳﻝ وﺣﺎوﻝ ﻓوﻧﻲ ﺳﺣﺑﻲ، ﻓﺎﺳﺗدرت وﺿرﺑﺗﻪ ﺑﺎﻟﺷﻲء اﻟوﺣﻳد اﻟذي طﺎﻟﺗﻪ ﻳدي، واﻟذي اﻟﺗﻘطﺗﻪ ﻣن ﺣﺎوﻳﺔ اﻟﻘﻣﺎﻣﺔ، وﻛﺎﻧت ﻋﺑﺎرة ﻋن ﻋﺻﺎ، إﻻ أن ﻣﺳﻣﺎراً ﻛﺎن منغرسًا فيها. اﺧﺗرق اﻟﻣﺳﻣﺎر ﺧدﻩ وﺷق اﻟﺟﻠد وﺑدأ اﻟدم ﻳﺗدﻓق. ﻟم أﺳﺗطﻊ ﺗﺻدﻳق ﻋﻳﻧﻲ، ﻟﻛﻧﻧﻲ ﻛﻧت ﺧﺎﺋﻔﺔ ﺟداً. وﺿﻊ ﻓوﻧﻲ ﻳدﻩ ﻋﻠﻰ وﺟﻬﻪ وﻧظر إﻟﻲ وﻣن ﺛم ﻧظر إﻟﻰ ﻳدﻩ، ﻓﻣﺎ ﻛﺎن ﻣﻧﻲ إﻻ أن أﻟﻘﻳت اﻟﻌﺻﺎ ووﻟﻳت اﻟﻔرار. رﻛض ﻓوﻧﻲ وراﺋﻲ، وﻫو ﻣﺎ زاد ﺧوﻓﻲ. وﻋﻧدﻣﺎ رأت ﺟﻳﻧﻳﻔﺎ اﻟدم ﺷرﻋت ﺗﺻرخ: «ﻟﻘد ﻗﺗﻠﺗِﻪ، ﻟﻘد ﻗﺗﻠﺗِﻪ!» وﺧﻼﻝ ﻟﺣظﺎت أﻣﺳﻛﻧﻲ ﻓوﻧﻲ وأﺣﻛم ﻗﺑﺿﺗﻪ ﻋﻠﻲ وﺑﺻق ﻓﻲ وﺟﻬﻲ ﻣن ﺧﻼﻝ اﻟﻔﺗﺣﺔ اﻟﺗﻲ ﺧﻠّﻔﻬﺎ ﺳﻧﻪ اﻟﻣﻔﻘود، ﻓﺳﻘطت ﺑﺻﻘﺗﻪ ﻋﻠﻰ ﻓﻣﻲ ﻣﺑﺎﺷرة، وﻗد ﺷﻌرت ﺑﺈﻫﺎﻧﺔ ﻣرﻳرة، ﻷﻧﻪ ﺑﺎﻋﺗﻘﺎدي ﻟم ﻳﺿرﺑﻧﻲ أو ﻳؤذﻧﻲ، وﻷﻧﻧﻲ رﺑﻣﺎ أدرﻛت ﻗﺳوة ﻣﺎ ﻓﻌﻠﻪ ﻓﺻرﺧت واﻧﺧرطت ﺑﺎﻟﺑﻛﺎء. ﻫذا ﻫو ﻓوﻧﻲ. رﺑﻣﺎ ﻛﺎﻧت ﺗﻠك اﻟﻠﺣظﺔ ﻧﻘطﺔ ﺗﺣوﻝ ﻓﻲ ﺣﻳﺎﺗﻲ، ﺣﻳن ﺑﺻق ﻓوﻧﻲ ﻓﻲ ﻓﻣﻲ. أﻣﺎ ﺟﻳﻧﻳﻔﺎ وداﻧﻳﻳﻝ، اﻟﻠذان ﻛﺎﻧﺎ اﻟﺳﺑب ﻓﻲ اﻟﺷﺟﺎر ﻓﻠم ﻳﺻب أﺣد ﻣﻧﻬﻣﺎ ﺑﺄي ﺧدش، وﺟﻌﻼ ﻳوﺑﺧﺎﻧﻲ. ﻗﺎﻟت ﺟﻳﻧﻳﻔﺎ ﺑﺄﻧﻧﻲ ﻗﺗﻠﺗﻪ وﻻ ﺷك، ﻧﻌم، ﻻﺑد أﻧﻧﻲ ﻗﺗﻠﺗﻪ؛ ﻓﺎﻟﻣﺳﺎﻣﻳر اﻟﻣﻠوﺛﺔ ﺗﺻﻳب اﻟﻧﺎس ﺑﺎﻟﻛزاز وﺗﻘﺗﻠﻬم. وواﻓق داﻧﻳﻳﻝ ﻋﻠﻰ ذﻟك وﺣدﺛﻧﺎ ﻋن ﻋمّ ﻟﻪ ﻛﺎن ﻗد ﻣﺎت ﺑﺎﻟطرﻳﻘﺔ ﻧﻔﺳﻬﺎ. ﻛﺎن ﻓوﻧﻲ ﻳﺳﺗﻣﻊ إﻟﻰ ذﻟك ﻛﻠﻪ واﻟدم ﻣﺎ ﻳزاﻝ ﻳﻧزف ﻣﻧﻪ، وأﻧﺎ ﻣﺎ أزاﻝ أﺑﻛﻲ. وﻓﻲ اﻟﻧﻬﺎﻳﺔ، اﻛﺗﺷف ﻓوﻧﻲ ﺑﺄﻧﻬﻣﺎ ﻛﺎﻧﺎ ﻳﻘﺻداﻧﻪ ﺑﺗﻠﻣﻳﺣﺎﺗﻬﻣﺎ، وأﻧﻪ أﺻﺑﺢ رﺟﻼً أو فتى في ﻋداد اﻷﻣوات؛ وﺣﻳﻧذاك ﺷرع ﺑﺎﻟﺑﻛﺎء أﻳﺿﺎً. وﻓﻲ ﺗﻠك اﻟﻠﺣظﺔ أﻣﺳﻛﻪ داﻧﻳﻳﻝ وﺟﻳﻧﻳﻔﺎ ﻛﻝﱞ ﻣن طرف وﻣﺷوا ﺑﻪ ﻣﺑﺗﻌدﻳن، ﻟﻳﺗرﻛوﻧﻲ ﻫﻧﺎك وﺣﻳدة.